تستأثر تجربة الإسلاميين السياسية بمواكبة كبيرة من قبل مراكز الأبحاث ودوائر صناعة القرار، حيث يلاحظ حرص هذه الأخيرة على تتبع هذه التجربة ورصد مظاهرها ومميزاتها وأسباب قوتها.. ولذلك وجب التذكير ببعض الأساسيات في هذا المجال، وخاصة بعد تعدد هذه التجارب وتنوعها وتداخلها.

لقد عرف مفهوم السياسة دلالات متعددة اختلفت بحسب الزمان والمكان والنمط الحضاري السائد. فاليونانيون فهموا السياسة نظاما لسكان الدولة/المدينة، فقدم كل منهم تصورا لنموذج التعامل داخلها وطبيعة القيمين على أمورها وعلاقتهم بمواطني الدولة، فكان هاجسهم المواطن وحريته والعدالة.. واعتبرها الرومان نظاما لمواطني الإمبراطورية التي تجاوزت حدود المدينة اليونانية فانكبوا على تقديم تصور للعلاقة بين مواطني هذه الدولة المترامية الأطراف وتصور للعلاقة بين روما وبقية الأصقاع، فكانت المساواة والقانون.. وتطورت دلالتها في العصر الوسيط نتيجة سيطرة الإكليروس لتصبح نظاما للبشر عامة اختلط فيه الديني بالدنيوي والسلطة الزمنية بالسلطة الروحية، وكان تصارعهما محور السياسة.. وببروز الحركات المعارضة أُدخلت العلاقة بين المجتمع والدولة وباقي القوى الفاعلة، من الحزب إلى القوى الضاغطة، في صلب السياسة.. أما في العصر الحاضر فقد انحصر مفهوم السياسة في إطارين: علم حكم الدولة أو فنها، أو الاثنان معا، أو علم السلطة.

لقد كان لهذا التطور التاريخي للمفهوم تأثير كبير على المدلول الاصطلاحي، وهذا ما يتضح عند الرجوع إلى المعاجم السياسية، فقد عرفها معجم ليتر سنة 1870 بقوله: السياسة علم حكم الدول). وعرفها معجم روبير عام 1962 بأنها فن حكم المجتمعات الإنسانية).

نستنتج، بناء على ما سبق، أن الاختلاف في تعريف السياسة ناتج عن اختلاف زاوية النظر واختلاف المنطلق والمرجعية وإن توحد الهدف، ولهذا نميز بين اتجاهين، يتمثل أولهما في الاتجاه الذي ربط مفهوم السياسة والعمل السياسي بمفهوم الدولة، بينما ربط الاتجاه الثاني مفهوم السياسة والعمل السياسي بممارسة السلطة، ولو دون الوصول إلى تدبير شأن الدولة، من خلال الضغط والسعي إلى تحويل مجموعة من القيم إلى قيم أخرى. والقاسم المشترك بين الاتجاهين هو السعي إلى التأثير في الماسكين بمقاليد الأمور.

لهذا لا يمكن تصور عمل سياسي دون سعي للوصول إلى السلطة أو رغبة في الإبقاء عليها أو التأثير فيها تعديلا أو إغناء. وهذا ما يقوله دوفرجيه: وراء جميع المذاهب التقييمية وجميع الأحكام الخاصة، نجد موقفين أساسيين على وجه العموم، فالناس منذ أن فكروا في السياسة يتأرجحون بين تأويلين متعارضين تعارضا تاما، فبعضهم يرى أن السياسة صراع وكفاح، فالسلطة تتيح للأفراد والفئات التي تملكها أن تؤمن سيطرتها على المجتمع وأن تستفيد من هذه السيطرة. وبعضهم يرى أن السياسة جهد يبذل في سبيل إقرار الأمن والعدالة، فالسلطة تؤمن المصلحة والخير المشترك وتحميها من ضغط المطامع الخاصة. الأولون يرون أن وظيفة السياسة هي الإبقاء على امتيازات تتمتع بها أقلية وتحرم منها الأكثرية، والآخرون يرون أن السياسة وسيلة لتحقيق تكامل جميع الأفراد في الجماعة و”خلق المدينة العادلة” التي سبق أن تحدث عنها أرسطو).

تشمل السياسة، إذاً، مرحلتين: مرحلة ما قبل الحكم، ويكون موضوعها الصراع للوصول إلى السلطة، ومرحلة ما بعد الحكم، وتعنى بفن إدارة الحكم والإبقاء على السلطة، ولا تكاد كل المنظومات الفكرية والإيديولوجية تخرج عن هذه الدلالات وإن اختلفت في صيغ التعبير ووسائل العمل وطريق الوصول.

إن ميزة العمل السياسي الإسلامي أنه يجعل مرجعيته دينا شاملا متكاملا، هو الإسلام، وهو بهذا يختلف حتى عن العمل السياسي الذي يجعل مرجعيته المسيحية للاختلاف البين بين الإسلام والمسيحية، حيث يلاحظ أن اللجوء إلى الإسلام في العمل السياسي ليس من قبيل استلهام القيم العامة، كما هي حال الأحزاب المسيحية الأوروبية، ولكنه من منطلق أن الإسلام دعوة ودولة وعقيدة وشريعة. ومن مميزاته أنه لا يفصل الشأن الدنيوي عن الشأن الأخروي، ولذلك عرف الإمام الغزالي السياسة بأنها استصلاح الخلق لإرشادهم إلى الطريق المستقيم المنجي في الدنيا والآخرة)، ولكنه، بالمقابل، يميز في الوسائل بين المجالين تجنبا لأي تداخل واحتراما للتمايز بينهما. وهو، كذلك، عمل سياسي يربط بين الشأن العام والخاص، فلا يقتصر على شأن المجتمع في انفصال عن شأن الأفراد لاقتناع تام أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ولهذا كان يقال ابن آدم أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فإن بدأت بنصيبك من الدنيا فاتك نصيبك من الآخرة، وإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر على نصيبك من الدنيا فانتظمه انتظاما). ويتميز، كذلك، بأن هدفه هو المصلحة مثله مثل باقي المنظومات السياسية مع تمييز كبير بين المصلحة المعتبرة شرعا والمصلحة المرادفة للانتهازية عند بعض محترفي السياسة. وقد عرف ابن عقيل السياسة بأنها ما كان فعلا، يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يكن وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نزل به وحي)، ولذلك كان يقول الفقهاء حيثما كانت المصلحة فتم شرع الله). ومما يميز العمل السياسي الإسلامي أنه لا يتصور الغير عدوا، ولا حتى خصما، ولكنه منافس من أجل تحقيق مصلحة عامة، وهذا أمر مندوب لأنه عامل ثراء. ويتميز التصور الإسلامي بأنه يعتبر السياسة وسيلة وليست غاية، لقول الله عز وجل الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ. ومما يميزه أيضا أنه يعتبر السياسة خدمة عمومية وليست مصدر إثراء أو وسيلة تسلط، ولأنها كذلك فهي عمل نبيل ومن أقرب الطرق الموصلة لمحبة الله عز وجل، ولا سيما إن رافق ذلك نية صالحة وصواب في الأداء. وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “الخلق عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله”. وميزته، كذلك، أنه لا يفصل بين السياسة والسياسي، ولذلك فإنه يهتم بنزاهة الوسائل ونبل الأهداف وسلوك الفاعل السياسي وأخلاقه. ومن أهم ما يميزه أنه يوسع دائرة الاجتهاد ولا يحصر الموقف الشرعي في اجتهاد هذا الفاعل السياسي أو ذاك ولو انطلقوا جميعا من مرجعية الإسلام.

نحتاج إلى تمثل هذه المعاني وتجسيدها ونحن نرى مآل الممارسة السياسية في بلادنا التي فقدت كل معانيها النبيلة والسامية.