أجرت أسبوعية الحياة حوارا مع الأستاذ فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان، تطرق فيه لقضية معتقلي الجماعة الجدد، وضغوط النظام عليها، وعلاقتها بالفاعلين السياسيين بالبلاد، وملف الصحراء، وغيرها من قضايا الساعة.

ننشره تعميما للفائدة:

سؤال:

ثمة حدثان بارزان طبعا مسار الجماعة خلال الآونة الأخيرة، الأول يتعلق بإعفاء عضو مجلس إرشاد الجماعة عيسى أشرقي من قبل مجلس الإرشاد، والثاني يتعلق بضبط الجماعة لعنصر كان مندسا بين صفوفها بفاس؛ هل هناك ربط بين الحدثين؟

جواب:

بسم الله الرحمن الرحيم . الحدثان لا يجمعهما جامع ولا يربط بينهما رابط؛ فالأول يتعلق بأخ عزيز ساهم بما شاء الله له أن يساهم في حمل أعباء العمل داخل الجماعة ردحا من الزمن نسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنه، وأحيلك في هذا الصدد على بيان مجلس الإرشاد الخاص بالموضوع. أما الثاني فيتعلق بجاسوس دُسَّ في صفوف الجماعة لغاية معروفة، وتم التَّبَيُّن والتأكد من عَمَالته لجهاز المخابرات فَفُصِل من الجماعة.

سؤال:

بعد افتضاح أمر العميل الذي كان مندسا بين صفوفكم بفاس والذي تسبب في متابعة سبعة من قياديي الجماعة بذات المدينة، طفا على السطح حديث بوجود جهاز داخل الجماعة مختص في محاربة التجسس؛ هل يمكن أن تميطوا اللثام عن ما يسمى بحرب التجسس بينكم وبين الدولة؟

جواب:

الجماعة ليست دولة لتواجه نظام الدولة بمثل ما يواجهها به هو. ولكن هذا لا يمنع أننا نتمتع، بحمد الله وفضله، بقدر كبير من اليقظة أمام أي محاولة لاختراق الصف. أضف إلى هذا أن أسلوبنا لا تشوبه شائبة، ومشروعنا واضح وعملنا ظاهر بما لا تحتاج معه الدولة إلى زرع أعينها في صفوفنا من أجل المعلومات لأننا ليس لدينا ما نخفيه، لكن واضح أن قصد السلطات ليس هو المعلومات وإنما محاولة استدراج الجماعة، من خلال الاختراقات، لشق صفوفنا أو لارتكاب أفعال تتناقض مع مبادئنا مثل العنف. وهذا ليس مستغربا على نظام تاريخه وحاضره مليئان بمواجهة معارضيه بكل الوسائل غير الأخلاقية والبعيدة عن القوانين التي سطرها بيده، معتمدا أساسا على العنف والاختلاق والدسائس وتوظيف الأجهزة القضائية والأمنية في غير مواضعها ووظائفها المتعارف عليها إنسانيا.

سؤال:

كيف تفسرون دخول الفرقة الوطنية على خط المواجهة؟ هل هي رسالة مباشرة أن جهات معينة داخل الدولة تريد استئصالكم على طريقة السلفية الجهادية؟

جواب:

يبدو أن بعض الجهات تنحو منحى خطيرا، ما فتئنا نحذر منه، في نظرتها ومعالجتها لجل الملفات، ومنها ملف العدل والإحسان، وقد نَبَّهْنَا العقلاءَ إلى خطورة المسار الذي يسير فيه البلد والأفق المسدود المجهول الذي يُساق إليه هذا الشعب، وهو مسار ليس في مصلحة أحد. واستعمال الفرقة الوطنية في الملف اتضح أنه جاء بناء على أكذوبة مختلَقة بكون الجماعة تتنصت على أجهزة المخابرات، وقد ثبت أنها كانت وشاية كاذبة انجرت وراءها السلطات وكان ضحيتها ما تعرض له إخواننا السبعة المعتقلون من تعذيب وحشي، وقد سحبت هذه التهمة من الملف مما جعله فارغا تماما.

سؤال:

بعد كل الذي حدث هل كانت هناك اتصالات معينة من أطراف داخل الدولة قصد استئناف الحوار معكم؟ ولماذا تم تعليق المفاوضات التي أشرف عليها بداية حكم محمد السادس مقربون من الملك؟

جواب:

أولا وقبل أي شيء، النظام لا يعرف شيئا اسمه حوار، فهو لا يتقن سوى لغة الإملاء والأمر والنهي، أما لماذا تم تعليق “المفاوضات” فلأن الطرف الآخر لم يكن غرضه التفاوض إنما كان في ورطة كبيرة تمثلت في حصار المرشد الأستاذ عبد السلام ياسين، وكان هدفه فقط الخروج من هذه الورطة ولم يكن الحوار مفتوحا حول الحصار العام المضروب على الجماعة كلها، وهذا هو المطلب الذي كنا نلح عليه. وبعد كل أشكال الضغط والابتزاز ولَيِّ الذراع، ولما لم يتحقق ما كانوا يستدرجونا إليه انتهى الموضوع.

سؤال:

لم تعد تفصلنا عن ذكرى رسالة إلى من يهمه الأمر التي أصدرها مرشد الجماعة عبد السلام ياسين سوى شهر واحد، هل مازال مضمون تلك المذكرة صالحا لوضعه كمقاربة تصالحية بينكم وبين الدولة؟

جواب:

كانت “مذكرة إلى من يهمه الأمر” ناقوسَ خطر دقه الأستاذ عبد السلام ياسين منبها إلى ما يواجه البلد، حاضره ومستقبله، من أزمات، وكانت إقامة حجة على من يهمهم الأمر في مرحلة مفصلية ودقيقة من تاريخ هذا الشعب. ولم تكن المذكرة إنشاء أدبيا أو انطباعا آنيا أو مجرد زفرة لغيور على البلد، بل كانت خلاصة موضوعية مبنية على معطيات وإحصائيات وأرقام موثوقة، وقد بدأ هذا الشعب المسكين يستفيق من بريق الأحلام الذي خدر به زمانا ليواجه صدمة واقعه البئيس الذي أكد صحة تحذيرات الجماعة، ويؤكدها التراجع الخطير على كل المستويات، في المعيش اليومي للشعب الذي يجهد في تحصيل لقمة العيش ولا يكاد، وفي الارتفاع المهول للبطالة، وفي الفشل الذريع في تدبير القضايا الكبرى للبلد، وفي التراجع الخطير لحرية الرأي وحقوق الإنسان بعودة النظام إلى عقلية سنوات الرصاص، إن كان تخلص يوما من هذه العقلية. كل هذا لم يزدنا إلا اقتناعا بمضامين مذكرة إلى من يهمه الأمر.

سؤال:

اعتدتم عند كل دخول سياسي الخروج بمبادرة معينة، الملاحظ هذه السنة أنكم استنكفتم لحد الآن عن طرح أي ورقة في هذا الاتجاه، هل هو تعبير من لدنكم عن انسداد الأفق؟

جواب:

طَرْحُنَا لأي مبادرة لا تتحكم فيه دورية الدخول السياسي، بل يتحكم فيه مدى الحاجة التي يُمليها الظرف السياسي بغض النظر عن زمانها. وإذا تصفحت تاريخ الجماعة فإنك ستلاحظ أن جماعة العدل والإحسان تتميز بالمبادرة إلى الفعل السياسي كلما دعت الأوضاع لطرح رأيها ومنظورها لما يواجهه البلد من تحديات، ابتداء برسالة: “الإسلام أو الطوفان” عام 1974، مروراً بـ: “مذكرة إلى من يهمه الأمر”، سنة 2000، وصولاً إلى وثيقة: “جميعا من أجل الخلاص” عام 2007 . أما عن انسداد الأفق فإن يقيننا بانتصار إرادة الخير في هذا البلد يبدد من قاموسنا مفاهيم الانسداد والتشاؤم رغم ما يعانيه الشعب المغلوب على أمره، وإن كان من أفق مسدود فهو في وجه كل ظالم لا يتعظ بمن سبقه.

سؤال:

الملاحظ أن الجماعة لم تعد تصنع الحدث كما كانت في السابق هل أصيبت بعدوى الركود الذي أصاب باقي المكونات الأخرى؟

جواب:

لو أصابتنا عدوى الركود لكُفي الحكام مؤونة الحرب التي يشنوها علينا إلى اليوم حصارا وتضييقا واعتقالات واختطافات ومحاكمات وحملات إعلامية. ذلك أن النظام يشن الحرب على خصومه بقدر قوتهم وحضورهم وصناعتهم للحدث. وما اختطاف ومحاكمة الإخوة السبعة في فاس عنا ببعيد.كما أن حضور الجماعة في مختلف المجالات يشهده الجميع وبارز إعلاميا ويكفي أن أذكر بالحضور الهام في شتى المجالات المجتمعية والنقابية والمهنية والطلابية والنسائية، وأيضا المحطات الكبرى مثل المشاركة في أسطول الحرية وقافلة شريان الحياة ومسيرة 6 يونيو 2010.

سؤال:

ألا ترون أن العلاقة مع باقي الفرقاء والمعارضة يطبعها شبه فتور؟

جواب:

إن كان هناك من فتور فهو ليس من قبلنا، فنحن نتفاعل مع أي خطوة يمكن أن تدفع بالبلد إلى الخير.

سؤال:

ما هي طبيعة العلاقة التي تربطكم بالسفارة الأمريكية وما هي خلفياتها وحدود هذه العلاقة وأهدافها؟ هل تأتي في سياق الضغط على النظام؟

جواب:

الاستقواء بالخارج للضغط على أي كان أمر مرفوض من قبلنا جملة وتفصيلا، ومن لاءاتنا الثلاث: “لا للتعامل مع جهات خارجية”، وبالتالي فتعبير “العلاقة” في غير محله وهو أكبر من حقيقة الأمر لأن ما حصل من لقاء يأتي في سياق توضيح موقف الجماعة من بعض القضايا سواء الخاصة بالجماعة أو بالسياسات الأمريكية. وهذا الأمر هو من صميم عمل أي سفارة في أي بلد، والتي يكون من برنامجها التواصل مع جميع الأحزاب والتنظيمات.

سؤال:

موضوع آخر في غاية الأهمية متعلق بتنظيم الجماعة بالخارج هل يمكن الكشف عن طبيعة التحركات التي يجريها تنظيمكم بالخارج؟ وهل للجماعة سلطة مطلقة لهذا التنظيم وهل قوة الجماعة بالداخل تضاهيها قوتها بالخارج؟

جواب:

سبق أن أشرت إلى رفضنا المطلق التعامل مع جهات أجنبية، وجماعة العدل والإحسان يقتصر عملها وحركتها وتنظيمها داخل الحدود الجغرافية للبلد. أما خارج المغرب فإننا لا يمكن أن نمنع الناس من أن يستلهموا من مشروع جماعة العدل والإحسان ومن أدبياتها ومن تجربتها التي أصبحت ولله الحمد نموذجا يحتذى به. ولهذا تجد الناس مقبلين على مدرسة العدل والإحسان في كل البلدان والقارات ومن كل الجنسيات.

سؤال:

هل ترصد الجماعة أهدافها من الآن إلى محطة الانتخابات وما هي مطالبها بالضبط في أفق 2012؟

جواب:

هدف جماعة العدل والإحسان ومطلبها أن يتغير الحال في البلد إلى ما يطمئن فيه الإنسان على حياته وصحته وقوت يومه وتعليم عياله وحقه في الكرامة التي منحه إياها ربنا عز وجل من غير منة من أحد، وحقه في حريته في التعبير عن رأيه دون تكتيم للأنفاس، وأن لا يحال بيننا وبين الناس لنبلغهم كلمة الحق التي حملناها ونسأل عنها أمام الله تعالى يوم لقائه. أما محطة 2012 فلا يبدو في الأفق أي تغيير للشروط الضرورية للقطيعة مع ما أحاط بسابقاتها من المحطات الانتخابية من فراغ مطلق من أي محتوى ولا جدوى ويقابل ذلك يأس مطلق لغالبية الشعب المغربي من أية نتيجة مرجوة منها.

سؤال:

كيف تقيم الجماعة تدبير الدولة لملف الصحراء وما هو موقفكم من قضية ولد سلمى؟

جواب:

نرى أن الدولة استأثرت من أول يوم بتدبير ملف الصحراء دون أن تسمح لأي طرف أو مكون ولو بمجرد إبداء الرأي فيه اللهم إلا إن كان تأمينا على ما تفعله الدولة، و”من استغنى برأيه ضلَّ” ، ولهذا السبب اتسم تدبير هذا الملف بالارتجال وقصر النظر وأحادية النظرة، ولم تراع في هذا الملف خصوصياته وحساسيته خاصة مع ميراث ثقيل من الإخفاقات الدبلوماسية خارجيا ومن الاستفراد به والعنجهية وسوء التصرف داخليا. وكل قضية تستجد في الملف لن تكون إلا ثمرة من ثمار هذا المشكل الكبير، ولن تكون طبيعة الثمرة إلا من طبيعة الشجرة التي تنبت فيها.

سؤال:

إقدام الآلاف من ساكنة العيون على النزوح الجماعي خارج المدينة وإقامتهم لمخيم هناك، هل للجماعة علاقة بالمخيم من قريب أو بعيد وهل هناك أعضاء للجماعة وسط المخيم؟

جواب:

إن كنت تقصد مجال الاهتمام فإن معاناة أي مغربي تعنينا مباشرة وتؤلمنا ما دام مغربيا بغض النظر عن أصله أو انتمائه أو توجهه أو اختياراته، وغياب العدل من قاموس النظام يعني مزيدا مما كنا ولا نزال نحذر منه.

أما إن كنت تقصد الارتباط التنظيمي بما يحدث في الصحراء فليست لنا علاقة بذلك.

المصدر: أسبوعية الحياة، العدد 115، 12 نونبر 2010