من المنتظر مراجعة القانون رقم 36.04 المتعلق بالأحزاب السياسية فيما تبقى من هذه الولاية التشريعية، وذلك بعد أن تأكدت محدوديته في معالجة الاختلالات التي يعرفها المشهد الحزبي. لكن يمكن التأكيد من الآن أن الأثر الإيجابي لتك التعديلات سيكون محدودا جدا، وذلك لاعتبارين أساسيين؛ أولهما: أن القانون بصفة عامة رغم أهميته القصوى يبقى أثره في التغيير محدودا -خاصة فيما يرتبط بالسلوك الإنساني- ما لم يتم ذلك في إطار مقاربة إصلاحية شاملة. فقانون الأحزاب رغم أهميته في بعض الجوانب، كان وسيبقى في جميع الأحوال قانونا على المقاس، لا يكون له إلا تأثير إيجابي جد محدود، ما لم يكن هناك تغيير جوهري في الإطار السياسي والدستوري، وما لم تتحقق نهضة ذاتية داخل هذه الأحزاب على المستوى التنظيمي والسلوكي. الأمران اللذان لا يلمسهما المتتبعون إلى حدود الآن. أما الاعتبار الثاني، والذي هو شديد الارتباط بسابقه، والذي نريد التوسع فيه من خلال هذه السطور، فيكمن في أن الحديث المتداول إلى حدود الساعة، يحدد مجال تعديل القانون رقم 36.04 في بعض الظواهر الطافية على سطح المشهد الحزبي في المغرب، في مقدمتها ظاهرة ما يسمى بـ”الترحال السياسي”.

والذي أراه، من وجهة نظر خاصة، أن هذه الظاهرة كغيرها من الظواهر المرضية في المشهد الحزبي المغربي ترتبط بما يمكن أن نسميه بـ”الاختلال الأكبر” الذي اتسم به النص التشريعي المنظم للأحزاب السياسية، والذي ما هو إلا نتيجة طبيعية للاستجابة لخصوصية نظام الحكم بالمغرب. هذا “الاختلال الأكبر” يرتبط بمفهوم الحزب ووظيفته. فالمادة 1 من القانون رقم 36.04 تعرف الحزب السياسي بأنه تنظيم دائم يتمتع بالشخصية المعنوية، ويؤسس بمقتضى اتفاق بين أشخاص طبيعيين، يتمتعون بحقوقهم المدنية والسياسية ويتقاسمون نفس المبادئ، قصد المشاركة في تدبير الشؤون العمومية بطرق ديمقراطية ولغاية غير توزيع الأرباح). وإذا علمنا أن جل فقهاء القانون الدستوري وعلم السياسة يقتربون من تعريف الحزب السياسي بأنه مجموعة من الأفراد منظمة بشكل دائم وطنيا تسعى للوصول إلى السلطة بطرق مشروعة من أجل تنفيذ سياسة محددة، اتضح لنا أن تعريف المشرع المغربي للحزب، وإن تقاطع مع ذلك التعريف العام على مستوى التنظيم والديمومة، فإنه اختلف معه على مستوى الهدف والوظيفة، بحيث حصر ذلك في المساهمة، مجرد المساهمة، في تدبير الشؤون العمومية، وهذا يبقى في جميع الأحوال أدنى من هدف الوصول إلى السلطة، وتنفيذ سياسة محددة، أو هدف الوصول إلى الحكم والاحتفاظ به، كما حدد ذلك “جيمس كولمان” بحيث عرف الحزب السياسي: بأنه عبارة عن تجمع له صفة التنظيم الرسمي، هدفه الصريح والمعلن هو الوصول إلى الحكم والاحتفاظ به إما بمفرده، أو بالائتلاف أو بالتنافس الانتخابي مع تنظيمات حزبية أخرى داخل دولة ذات سيادة فعلية).

ومما يستغرب له أن الفصل 15 من ظهير 15 نونبر 1958 في شأن تأسيس الجمعيات نص على أنه: يعتبر نشاطا سياسيا بالمعنى المعمول به في منطوق ظهيرنا الشريف هذا كل نشاط من شأنه أن يرجح مباشرة أو غير مباشرة مبادئ الجمعية في تسيير وتدبير الشؤون العمومية، وأن يسعى ممثلوها في تطبيقها). مما يعني التراجع من “تسيير وتدبير الشؤون العمومية” إلى مجرد “المشاركة في تدبير الشؤون العمومية”، كما أن السعي لتطبيق المبادئ غير بارز في تعريف الحزب السياسي في القانون الجديد مقارنة مع ما كان عليه الحال في ظهير 1958.

وللمزيد من توضيح وظائف الأحزاب السياسية، نصت المادة 2 من القانون رقم 36.04 على أن الأحزاب السياسية تساهم في تنظيم المواطنين وتمثيلهم، وهي بهذه الصفة تساهم في نشر التربية السياسية ومشاركة المواطنين في الحياة العامة، وتأهيل نخب قادرة على تحمل المسؤوليات العمومية، وتنشيط الحقل السياسي)، مما يعني تأكيد استمرارية نفس الوظائف السابقة، التي سبق أن حددها الدستور في فصله الثالث، والتي تتحدد إجمالا في المساهمة في تنظيم المواطنين وتمثيلهم. أما باقي الوظائف الأخرى، التي نص عليها القانون36.04، والتي هي:

– المساهمة في نشر السياسة العمومية؛

– المساهمة في إشراك المواطنين في الحياة العامة؛

– تأهيل النخب للقيام بمسؤوليات عمومية؛

– تنشيط الحقل السياسي.

فما هي إلا مقتضيات تتطلبها المساهمة في تنظيم المواطنين وتمثيلهم، إذ لا معنى لوظيفتي التمثيل والتنظيم في غياب تلك المقتضيات.

والملاحظ أن مختلف الأحزاب السياسية في مناقشتها لقانون الأحزاب لم تعترض على الوظائف الحزبية، كما هي محددة في مشروع القانون 36.04، فحتى الأحزاب الرافضة له لم تتحدث عن ذلك بشكل صريح، باستثناء حزب العدالة والتنمية، الذي أشار في مذكرته إلى أن التعريف الذي أعطته مسودة المشروع للحزب السياسي، والمهام المنوطة به، بقي قاصرا عن استيعاب كل وظائف الأحزاب السياسية في النظام الديمقراطي… -وأنه- لابد من التنصيص على أن الأحزاب السياسية تمارس نشاطها بالوسائل السياسية والديمقراطية بهدف التداول السلمي على تدبير الشأن العام من أجل تطبيق برامجها الاجتماعية والاقتصادية)، وأيضا اليسار الاشتراكي الموحد، الذي طالبت مجموعته النيابية بالتنصيص على حق الحزب في الوصول إلى السلطة بطرق ديمقراطية وتطبيق برنامجه السياسي.

لقد حافظ القانون 36.04 على نفس الوظائف السابقة مع بعض التوضيح والتفصيل، فدور الأحزاب السياسية أن تساهم وتشارك، وتتحرك تنظيميا وتأطيريا لبث نوع من الدينامية في الحياة السياسية، لكن كل ذلك بما يخدم تأكيد سمو المؤسسة الملكية، باعتبار الملك “الممثل الأسمى للأمة”، وباعتبار التمثيل السياسي الناتج عن الانتخابات تمثيلا ثانويا وتابعا وخادما “للتمثيل الأسمى”.

وهنا تثار بعض التساؤلات الهامة، ألا وهي: هل يمكن للقانون أن يسهم في تأهيل الأحزاب السياسية فقط من خلال توضيح وتفصيل نفس الوظائف، التي كانت تحكم العمل الحزبي سابقا؟ ألا يمكن أن يكون مما أسهم في تفاقم الاختلالات التي يعرفها المشهد الحزبي اليوم تلك الوظائف المحدودة التي ظلت الأحزاب السياسية تتحرك في إطارها؟ بتعبير آخر إذا كانت الدينامية والفاعلية ترتبط بالحوافز والبواعث، وإذا كانت الثقة في العمل الحزبي ترتبط بالدور المنوط بالأحزاب، فهل يمكن أن ننتظر دينامية وفاعلية من أحزاب سياسية تعلم أنها لا تتنافس، في أحسن الأحوال، إلا على تطبيق اختيارات سياسية محددة سلفا، وهل يمكن للمواطنين أن يثقوا في أحزاب سياسية يعلمون أن دورها في القرار السياسي محدود جدا؟