الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام ومن مقاصده الهامة المتعددة اجتماع الحجيج الوافدين من مختلف أنحاء الأرض في صعيد واحد يؤدون فريضة واحدة طاعة لربهم الواحد ملتمسين غفرانه ورحمته متطهرين إيمانهم معبرين عن وقوفهم واتحادهم وتمسكهم بحبل الله المتين وصراطه المستقيم.

وإن الحاج عندما يأتي إلى هذه الديار المقدسة فإنما يستشعر بنفسه أو يستشعر نفسه كعضو في جسد أكبر وفرد في أمة كبيرة مترامية الأطراف أمة لا تعرف التقسيمات السياسية ولا الحدود الجغرافية فحين يطوف الحاج مع إخوانه المسلمين من شتى بقاع العالم بالكعبة المشرفة وحين يقف في عرفات ويبيت في منى والمزدلفة فإنما يحس بارتباطه العضوي بهذه الأمة الإسلامية على اختلاف الألوان والأجناس والثقافات واللغات بينها.

وهذا الارتباط وتلك الأخوة العالمية الفريدة التي لا تعرف لها مثيلا في العالم أجمع وفي التاريخ كله قديمه وحديثه تذكر الحاج بقوله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير.

أولا: المعاني الكبرى للحج

شرع الله العبادات لحكم عظيمة وأسرار كثيرة منها ما عرفه الناس ومنها ما لم يعرفوه، ومن أبرز أسرار الحج أنه تتمة لما شرعه الله من صلاة الجماعة والجمعة والعيد. فلما رأى المشرع الحكيم أن هذا الطريق غير كافية لانتظام شمل المسلمين وتوحيد كلمتهم وجعلهم كرجل واحد في الألفة وتبادل المنفعة إذ هم متفرقون في مشارق الأرض ومغاربها كما أنهم مختلفون من جهة العناصر، واللغات فشرع لهم الحج ليجتمعوا في صعيد واحد على اختلاف أجناسهم ومذاهبهم وبعد بلادهم وأقطارهم كما قال تعالى في كتابه العزيز: وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق.

والحج عظيم في مناسكه، عظيم في مظهره، عظيم في نتائجه، عظيم في منافعه وآثاره، إذ هو نوع من السلوك الرفيع ولون من ألوان التدريب العملي على مجاهدة النفس، من أجل الوصول إلى المثل العليا ثم هو ارتباط بالواقع التاريخي للأمة الإسلامية التي انطلق تاريخها من بلاد الحرمين؛ فإذا زار المسلم هذه البقاع الطاهرة تذكر تاريخ أمته ومنابع دينه وأنوار قرآنه العظيم وتذكر الرعيل الأول الذين عايشوا التنزيل وصحبوا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وكانوا سواسية كأسنان المشط لا فضل لأحد على أحد مهما كانت مكانته ومنزلته إلا بالتقوى وصدق الله العظيم إذ يقول إن أكرمكم عند الله أتقاكم نستخلص من ذلك إذن أن هناك معاني سامية للحج هي:

1- معنى الارتباط بمهبط الوحي

الحج رحلة إلى الديار المقدسة مهبط الوحي ومتنزل التشريع وكلما ارتبط المسلم بهذه البقاع الطاهرة كان أقرب إلى الاقتداء بالرعيل الأول الذين جاهدوا في سبيل الله وبلغوا شرعه إلى أنحاء المعمورة وشتان ما بين مسلم يرتبط قلبه بمهابط الوحي ومنازل التشريع ومسلم يتعلق قلبه هنا أو هناك خلف عرض في زائل.

2- إعلان عملي لمبدأ المساواة بين الناس

تتجلى المساواة بأسمى صورها الواقعية في الحج وذلك على صعيد عرفات حينما يقف الناس موقفا واحدا لا تفاضل بينهما في أي عرض من أعراض الدنيا الزائلة بل التفاضل والفوز والفلاح بالتقى فحسب، يقول الحق تبارك وتعالى مؤكدا هذا المنهج السامي في الإسلام إن أكرمكم عند الله أتقاكم ويقول تعالى: سواء العاكف فيه والباد.

3- في الحج توثيق لمبدأ التعارف والتعاون

يقول الحق تبارك وتعالى: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ويتجلى تحقيق هذا المبدأ السامي في الحج حيث تتوثق الصلات ويقوى التعارف، ويتم التشاور ويحصل تبادل الآراء، والتجارب والخبرات للسعي قدما في النهوض بالأمة، ورسم الطريق الأمثل لها لتتبوأ مكانتها القيادية على مر العصور والأجيال.

4- في الحج جمع للناس على مبدأ التوحيد

في الحج تتجلى صورة التوحيد لدى المسلمين فهم أولا يتوافدون على الديار المقدسة ويجتمعون في أماكن محددة ويناجون ربا واحدا ملبين النداء مذعنين للأمر منضوين تحت اللواء يرفعون كلمة التوحيد ويعتصمون بالحبل المتين وصدق الله العظيم: وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون.

5- في الحج فرصة لكي تضمد الأمة جراحها

في الحج فرصة عظيمة للأمة الإسلامية لتضميد جراحها وتعيد حساباتها في ظل المعاني العظيمة التي يستشعرها كل مسلم خلال هذه الأيام المباركة.

ثانيا: واقع الأمة الإسلامية

إذا كانت هذه هي المعاني الكبرى للحج وإذا كانت تلك المشاعر التي تنبثق عن الحج فلا بد من تناول واقع الأمة الإسلامية ومستقبلها، فهذه الأمة اليوم في أشد الحاجة إلى عودة الوعي بأبعاد هذا التعاون وما يمكن أن ترتب عليه من نتائج حاسمة لمستقبل الأمة الإسلامية وبما يحفز الهمم ويشحذ العزائم حتى تتحرك الأمة نحو البناء والتعمير بدلا من الهدم والتدمير ونحو التضامن والتعاون بدلا من التنازع والتناحر ونحو توحيد الجهود بدلا من تبديد الطاقات وينطلق من تلك في تحديد مفهوم واضح للأمة، الإسلامية وخصائصها المميزة في ثلاثة عناصر رئيسية هي:

أ – مفهوم الأمة الواحدة في القرآن الكريم والسنة المطهرة.

ب- مظاهر الاختلاف في الأمة الواحدة.

جـ- الخصائص المميزة للأمة الإسلامية.