الحج موسم للخير ومجال لتحصيل زاد التقوى بأنواع العبادات والقربات، جعله الله خير زاد المؤمن: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، واتقون يا أولي الألباب. وهو الثمرة المرجوة المترتبة عن أداء المناسك والشعائر التي أوجبها الله تعالى على عباده: لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم. ولا سبيل للمؤمن لتحصيل زاد التقوى إن لم يجتنب ما نهى الله عنه أيام الحج المعلومات من رفث وفسوق وجدال: فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، ويعتبر الحج أيضا محطة متميزة لإبراز وحدة الأمة المنشودة في اجتماع حاشد للمسلمين باختلاف أعراقهم وقومياتهم ومذاهبهم، يجمعهم هم واحد هو توحيد الله وعبادته.

والمؤمن مطالب في حجه أن لا يقف عند رسوم المناسك وظواهرها، بل عليه أن يجتهد في فهم أسرارها ومقاصدها الكامنة فيها:

فهو بإحرامه يقصد إلى نزع ثوب المطامع والشبهات والشهوات، وبطوافه يقصد إجلال الله الواحد الصمد ليتحرر من ذاتيته وقوميته، وبسعيه بين الصفا والمروة يسعى إلى الفضيلة والعلا وقضاء حاجات البائس الفقير، وعلى جبل عرفات يقف وقفة تعارف وتذلل وخشوع وتأمل ومحسابة، وفي مزدلفة يتقرب بذكر الله في مشعر حرام يرنو به رضا المولى بتضرع وتعبد، وبرميه الجمرات يقصد رمي الطغاة والشياطين الكامنة في الأنفس والسارحة في الآفاق، وبذبحه الأضحية يقصد ذبح هواه وامتثال الأمر وشكر نعمة من فَدى الذبيح إسماعيل بذِبح عظيم.

ليس الحج موسما من المواسم العبادية فقط، بل هو موسم كذلك لإثارة قضايا الأمة كما كان منذ البداية، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده يعتبرونه فرصة لإبلاغ المسلمين المواقف السياسية التي يجب عليهم تفعيلها في واقع حركتهم وجهادهم، وقد أشار البيان الإلهي إلى هذا المعنى في الآية الكريمة: وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله؛ وهو أمر للمسلمين في كل عصر ومصر بحرمة موالاة أعداء الأمة ومن لا يرقب في المؤمنين إلا ولا ذمة ويتربصون بهم الدوائر ويظاهرون عليهم بالإثم والعدوان كما هو حاصل اليوم على طول خارطة العالم الإسلامي في فلسطين وأفغانستان والسودان واليمن…

الحج لا ينتهي بإتمام الحاج مناسكه، بل هو إعلان بداية حقيقية عندما ينطلق المؤمن إلى حياة حافلة بالمواقف والتقلبات تنتظر منه أكثر من حج حتى يكون وجوده كله في خدمة الله عز وجل.