إن المتتبع للمشهد المغربي لا يكاد يجد مجالا من المجالات إلا وهو يتخبط في أزمة هي من صنع القائمين عليه. ولن نتحدث هنا عن الاقتصاد بتفريعاته، ولا عن التنمية البشرية، ولا عن الفشل في تدبير القطاعات الحيوية ( التعليم، الصحة،…) بشهادة التقارير والتصنيفات الدولية… لكن حسبنا أن نسوق تأملات في زوايا أخرى من المشهد المغربي الآسن.

إعلام؟!

يعيش القائمون على تدبير الشأن المغربي ارتباكا واضحا منذ زمن طويل، بلغ ذروته مؤخرا عندما انفلتت من أيديهم آخر الخيوط نهائيا، وراحوا يخبطون خبط عشواء في ردود فعل طائشة.

إن المراقب عن كثب لمجريات الأحداث ليأخذه الاستغراب وهو يتساءل: ألا تملك هذه الدولة ترسانة إعلامية وآليات اشتغال تبرهن بها عن جدارتها وتدافع بها عن رؤيتها وتسوق بها لمشروعها، تعفيها من أن تلعب دائما دور من يكيل الاتهامات لوسائل الإعلام الخارجية بالتحامل على المغرب، والذهاب إلى حد منعها من نقل وجهات النظر المختلفة… ألا تعي هذه الدولة أنها لا يمكن أن تحاصر أو تمنع منبرا إعلاميا من نقل الخبر كما لا يمكنها أن تصادر حقه في استخدام كل أشكال التعليق عليه؟ ألا يعني هذا فتح جبهة إعلامية قد تخدم الخصوم أكثر مما تدفع “التحامل” على البلد؟!!

وها هي ذي ساحات العاصمة الجنوبية تغلي بالاحتجاجات. وها هي ذي المنظمات الحقوقية تكشف عن انتهاكات جسيمة وتراجعات خطيرة في مسار حقوق الإنسان بالمغرب كما عبرت عن ذلك منظمة هيومان رايس في آخر تقرير ميداني لها من المغرب. وها هي ذي التقارير الدولية تضع المغرب في مؤخرة الدول على مستوى تطبيق القوانين وترسيخ قيم العدالة والشفافية والانفتاح الحكومي (تقرير أمريكي صدر مؤخرا)… وها هي ذي البطالة العامة تخنق البلاد، والعطالة النوعية لحاملي الشهادات العليا تصم أصواتها آذان القابعين داخل القبتين المستوزرين وغير المستوزرين… فهل يلجأ القائمون على أمر البلاد والعباد في هذا الوطن إلى سن سياسة الانغلاق التام مخافة أن يتحامل عليهم “الأعداء”؟!! إنهم لن يزيدوا بذلك إلا التأكيد على الارتباك في طريقة التدبير، لأن من تخونه الحكمة والحصافة في الرأي والتدبير تجده منشغلا بكيفية درء الانفضاح ولو بغربال ليحجب الشمس، متناسيا أو جاهلا أننا نعيش زمانا لا يقف فيه منع ولا حاجز في وجه الإعلام.

عدالة؟!!

وسط هذا الارتباك يطلع علينا خطاب رسمي يدعو إلى ترسيخ قيم العدالة وإصلاح القضاء … ولسان الحال ينبئ أن هناك اختلالات فظيعة في هذا الجهاز. هذه الاختلالات تنقلتها يوميا الصحف الوطنية،مما يبين بشهادات داخلية أننا نعيش أزمة حقيقية في ميدان العدالة تضع المغرب على فوهة بركان… فعندما تسود مظاهر الظلم والفوضى والخلل البشع في الأجهزة وتمادي اللوبيات في اللعب على هذه الأوتار فإن البلد قد أصيب في المقتل، وبالتالي سيكون من السخرية والضحك على الذقون الحديث عن التنمية والأمن والعدالة وما إلى ذلك من الشعارات المستهلكة…

يتحدثون عن العدالة في زمن الانحطاط وغياب أبسط مواصفات المروءة !!

لقد عبرت العائلات الحاضرة في ضيافة هيومان رايش يوم 25 أكتوبر 2010 بصدق عن فظاعة الجرائم المرتكبة في حق المغاربة؛ أن تعذب امرأة أم وطلفها القاصر ذو العشر سنوات لمدة تسعة أشهر… وأن تستيقظ أخرى صباح ذات يوم ليقال لها أنه لم يكن لدينا أي نزيل اسمه “ابنك” بعد ثمان سنوات من السجن والزيارة الدائمة له … وأن تستنفر سبع كمندوهات ليلا لاختطاف أبرياء دون أي مسوغ قانوني بدعوى اعتدائهم على “مواطن” آخر، ثم تعريضهم لكل أصناف التعذيب وإلى استنطاق بعيد كل البعد عن المبرر – المقدم لاحقا – “الموجب” للاختطاف … وأن تكسر عظام رجل وتزهق أحمال نساء المستنكرين لهذا الاعتداء المتضامنين مع المتهمين الأبرياء…. وأن ….!

لقد خرجت نفس العائلات وغيرها يوم 31 أكتوبر 2010 في أول مسيرة حقوقية من نوعها لتسمع صوتها للعالم أن العدالة والحقوق المتحدث عنها في المغرب إنما هي ذر للرماد في العيون، ومحاولة يائسة لتقديم صورة مقبولة عن مغرب يعرف القائمون عليه – عن يقين ومباركة – أن لغة الرصاص لازالت هي اللغة السائدة، وأن الجلادين والقتلة لا يزالون يعيثون في الأرض فسادا تحت رعاية وحصانة رسميين.

محاكمات!!

يزداد المشهد قتامة تعطيه بعدا مأساويا ما تعيشه محاكمنا من تسيب وفوضى ومتاجرة في حقوق العباد، حتى لكأن الظلم هو السلعة الرائجة، والتداول فيه بالعملة الصعبة … !

سوق أصبح فيه للسمسرة القضائية لغتها ومساطيرها ودواليبها ومستوياتها… وأصبح “الحق والعدل” يؤتى بالطرق “الهينة” لا بالحجة وبالبينة!

هذه صورة من المشهد، أما الأدهى والأمر أن يجد الإنسان نفسه يُحاكم دون خصم واضح محدد، وأن تُغلق في وجهه كل النوافذ وكأنه يساق إلى الإعدام !!

إن ما حدث يوم 4 أكتوبر 2010 عند عرض معتقلي العدل والإحسان الجدد على محكمة الاستئناف بفاس ليُبين بجلاء إصرار المسؤولين في هذا البلد على تكييف مجال القضاء حسب هواهم… فما معنى أن يتم تطويق المحكمة من جهاتها الأربع بدروع من قوات التدخل السريع والقوات المساعدة ورجال الشرطة ناهيك عن عشرات الأعين هنا وهناك ترصد كل من يقترب فتعطي الإشارة لأصحاب “القرار” عفوا التعليمات، بحيث وصل الأمر إلى مراقبة كل منافذ المؤدية إلى المحكمة وحتى المسالك البعيدة عنها ؟! وما معنى أن يمنع المارة نهائيا من الاقتراب من الشارع المحاذي لها وأن تعطل مصالح العباد طلية اليوم فلا يسمح بولوجها لأحد ؟!!

لا لشيء إلا لأن القائمين على الأمر بهذا البلد كانوا يعلمون أنها محاكمة ليست كباقي المحاكمات فعمدوا إلى منع الدفاع من الوصول إلى قاعة المحكمة وتصدوا إلى العائلات بالضرب والمطاردة حتى لا يقتربوا من بناية المحكمة فكانت الإصابات بليغة… وكانت صدمة المتهمين السبعة أكبر عندما دخلوا إلى قاعة الجلسات فوجدوها شبه فارغة إلا من “كومبارس” قليل هم عيون ومخبرون لمختلف أجهزة الدولة، ولا أثر للعائلات وهم أكثر الناس رغبة في حضور المحاكمة، ولا وجود للدفاع وهم بالعشرات، إلا بضع محامين يصرخون بأعلى صوتهم محتجين بأنهم لا يمكنهم القيام بمهمة الدفاع وجزء مهم منهم ممنوع من الدخول إلى المحكمة …!

إن الغباء المخزني المصرف للتعليمات نسي أو جهل أنه لا يمكن بأي حال أن تمر محاكمة في أجواء سرية داخل محكمة مترسنة بمدرعات وعسكرة لا نظير لها خارجها أمام مراقبين حقوقين وإعلاميين من داخل المغرب وخارجه…

لقد قدم القائمون على تدبير هذا الملف أقبح صورة عن المغرب، وأصدق تعبير عن العدالة المتحدث عنها رسميا… وتشاء الأقدار أن ينقل الحاضرون من الإعلاميين والحقوقيين وقائع وشهادات عن الفظائع التي ارتكبت في ذلك اليوم والتي طالت العشرات من المواطنين منهم محامون خارج هيئة الدفاع وإعلاميون أيضا….

وبعد، فما السر وراء هذه الفوضى وهذا الارتباك ؟!!

إنه الخوف من أن تنكشف الحقائق وتنفضح الأمور، وتظهر عورة أجهزة فاشلة تخبطت في تدبير هذا الملف منذ أول وهلة….

لقد وضعت وشاية كاذبة من جاسوس فاشل – مدفوع من أجهزة مخابرات خانتها التجربة والاحترافية – دولة بأكملها، بأجهزتها ودواليبها، في ورطة لم تعرف كيف تخرج منها…! فكأنها في “بلاعة” أو رمال متحركة كلما تحركت ازدادت غرقا… فهل آن للعدالة الحقيقية أن تستفيق أم أن الظالمين في غيهم سامدون؟!!