يظن كثيرٌ من اللاّدينيّين عندنا، في المجتمعات العربية والإسلامية، أن الحداثة والأنوار والتقدم هو أن يترجموا لنا تراث الملحدين لدى الغرب، وينقلوا لنا حرفيا، أو بزيادات من عندهم رديئة ومشوِّهةٍ للأصل، آراءَ قوم ليس لهم من مرجعية ولا قيمٍ ولا أهداف إلا مرجعيةُ أهوائهم وقيمُ غرائزهم وأهداف شهواتهم.

وتأمّلْ عميقا، ثم انظرْ هل بقيت هناك من فوارق بين هؤلاء البشر الذين اتخذوا إلهَهم هواهم وبين سائر الدواب والأنعام؟ وهل البهائم تجحد خالقَها؟ وهل على البهائم من سبيل؟

وما يزال بعض خصومِ الإسلاميين وأعدائِهم من اللادينيين، يسعون، ليلَ نهارَ، من أجل استئصال عقائد الإسلام وشرائعه وآدابه وأخلاقه الحقّة، ونشرِ عقائدَ فاسدةٍ، وأخلاقٍ منحطة، ترجع، في أصلها، إلى دين الهوى المتحرر من كل الضوابط والقيم.

والملاحظُ أن بعض الإسلاميين، في تدافعهم السياسي مع هؤلاء الاستئصاليين، بدأوا يسهُلون ويلينون ويُدهنون حتى يكون لهم قبولٌ لدى هؤلاء اللادينيين، وأيضا من أجل أن يُبْعِدوا عنهم تهمة التطرف والعداء للفن، التي لا يفتأ أعداء الحركة الإسلامية الحديثة يرددونها، بمناسبة وبغير مناسبة، لا يتخلون عنها مهما فعلَ الإسلاميون، ومهما تودّدوا وتلطفوا ويسّروا وبالغوا في التيسير.

إن للإسلام حدودا يجب الوقوف عندها وعدم تعدّيها، وإلا فهو الهوى والشيطان، ولا ثالث.

إن للإسلام أصولا قطعية لا يجوز في شأنها التسامح والمصانعة والمداهنة، وإلا فهو العبث واللهو حيث تجب الصرامة والجدّ.

المجاهرةُ بالأكل في رمضان والناس صيام، وممارسةُ اللواط، وعبادةُ الشيطان، وتعري المرأة أمام العموم ومضاجعةُ الرجال، حقيقة أو تمثيلا، في مخادع الدعارة أو على شاشات السينما، كل هذا وأمثاله إنما هو من المحرّمات التي لا يجادل فيها مسلمٌ عادي بسيط، فأحرى المسلم المتعلم المتفقّه المتضلع. وفسحُ المجال للمنحرفين اللادينيين لمناقشة القطعيات الدينية الإيمانية هو فتحٌ للذرائع للتشكيك في أصول الإيمان، وإقرارٌ بحق أيّ كان أن يقول في الدين بهواه، بل أن يزيد وينقص، ويصحح ويوجه، باسم العقل والحرية والحداثة وأشياء أخرى مما نحفظه في قاموس اللادينيين.

كلنا يعرف، نحن المسلمين، الأميُّ والمتعلمُ، الحضريّ والبدوي، مثلا، أين تتعرى المرأة؟ ولماذا؟ ومتى؟ ثم يأتي نكرةٌ من النكرات اللادينية، ليعلّمَنا بل ليفرضَ علينا أن نقبل تعريةَ أجساد النساء أمام العموم على أنه فن ذو قيمة إنسانية عالية، وأنه إبداع متميز لا يستطيعه إلا آحاد الفنانين المبدعين بما ينطوي عليه من خصائص وصفات.

أنا أتحدى هنا أي رجل يزعم أنه مسلم أن يأتيني ولو بحرف إسلامي واحد، دليلٍ أو حجة واحدة معتبرة، من الأولين أو الآخرين، من المتطرفين أو المعتدلين، من المُفرّطين والمُفْرِطين، يُشتم فيه رائحةُ جوازِ تعرّي المرأة المسلمة للعموم، في المسرح أو السينما أو في غيرهما من الظروف والمناسبات، مهما كانت المقاصدُ والغايات المزعومة. إن الأمر دينٌ، ومن ثم فلا مجال فيه لذراري الإلحاد والزندقة كي يلعبوا ويقولوا بأهوائهم.

المصدر الوحيد والحقيقي لأدلة هؤلاء إنما هو الفلسفة الإلحادية اللادينية التي برع أساتذتُهم، من الجيل الغابر والحاضر، في ترجمتها والاجتهادِ، بكل السبيل، للتمكين لها في أرض الإسلام تحت حراب المستعمرين الغزاة، وما تزال اجتهاداتُهم في هذا السبيل مفضوحةً ومعزولة ومنبوذة كالبعير المُعَبّد، حسب تعبير الشاعر طرفة بن العبْد في معلقته الشهيرة. والبعير المُعبَّد الذي أصابه العَبَد، وهو نوع من الجَرَب لا ينفع معه دواء.

ولْنتركْ الأفكار المريضة والأوهام السخيفة، ولْنمضِ إلى الواقع المَعيش، ماذا نجد؟

هل يرضى أحدُنا، نحن المسلمين، لزوجه، أو أمه، أو أخته، أو بنته، أن تتعرى للعموم باسم الفن؟

هل يرضى أحدُنا، ومهما كان مستوى إيمانه ودرجة أخلاقه، أن تتعرى امرأتُه، أو أخته، أو أمه، أو بنته، أمام الكاميرات وتُصَوّرَ وهي تضاجع ممثّلا، باسم الإبداع السينمائي؟

هل يرضى مسلمٌ أن يتغزّل شاعرٌ في زوجته، وأن يصف مفاتنَها وينشرَ تفصيلات خصوصياتها الحميمية على العموم؟ وهل يمكنه أن يقبلَ هذا الغزلَ فنيّا ويتذوقَه بمعزل عن عواطفه الشخصية وأخلاقه الدينية؟

إن حاجة الإنسان إلى الأخلاق قد تصل درجةً من الضرورة نلاحظ معها أن أشدّ الناس طعْنا في الأحكام الأخلاقية قد تجده، في بيته، أو في الشارع، أو في السوق، أو في غير هذه من الأماكن العامة، لا يني يتحرّى المعانيَ الأخلاقية في تربية أبنائه وتوجيههم والنصح لهم، أو في حديثه إلى زوجه، أو في معاملاته مع زملائه في العمل، أو في سلوكه تجاه رئيسه، أو غير أولئك ممن تصله بهم علاقة اجتماعية أو إدارية، أو مهنية، أو عائلية، أو غيرها من أنواع العلاقات. ومن هنا نفهم كيف ينقلب معنى الإنكار والطعن، على مستوى المذهب الفكري والرأي الفلسفي، إلى نقيضه في مجالِ الشعور الفطري والسلوكِ الواقعي في الحياة العامة.

وأستأنس هنا، فيما يخص علاقة الفن بالأخلاق، بموقفين اثنين:

أما الأول، فهو لعَلَم كبير من أعلام الأدب العالمي، وهو الروائي الروسي (ليو تولستوىLeo Tolstoy)، الذي اشتهر بآرائه المناهضة للفن المتحرر من الأخلاق.

لقد اتخذ تولستوى الأثر الديني والأخلاقي للفن أساسا لقياس قيمته. وبتطبيق هذا المقياس رفض تولستوى كثيرا من الأعمال الفنية، من بينها أشعار (شارل بودلير)، الشاعر الفرنسي المتهتك المشهور.

في كتابه “ما الفن؟”، يطرح ليو تولستوى السؤالَ التاليَ: أيهما الأفضل: وجودُ الفن الحديث -بالقياس إلى زمانه طبعا- على إطلاقه، بغثه وسمينه، وجيده ورديئه، أم عدمُ وجود فنّ بالمرة؟ ثم يجيب على السؤال بقوله: “أعتقد أن كل إنسان عاقل ذي خلُق سيكون حكمُه في هذه المسألة مثلَ حكم أفلاطون في محاورة “الجمهورية”… وهو أن الأفضلَ ألا يكون هناك فنّ على الإطلاق.” انتهى كلام تولستوى.

أما الموقف الثاني، فهو للناقد الأدبي العربي محمد النويهي، رحمه الله، حيث كان في بداية مشواره النقدي ميّالا نحو التحديث، على شاكلة الكثير من أبناء جيله الذين انبهروا بالثقافة الغربية الغازية، ومتحمسا للأخذ بمعايير هذه الثقافة في الأدب والنقد، ومن هذه المعايير إبعادُ القيم الأخلاقية في الحكم على العمل الفني.

والذي يهمني من هذا الرجل هنا هو ما قاله في نقده لرائية الشاعر بشار بن برد الأعمى، التي مطلعها:قد لامَني في خليلتي عُمـَــــرُ *** واللومُ في غير كُنهه ضَجَر
حسْبي وحسْبُ الذي كَلِفْتُ به *** منّي ومنه الحديثُ والنظر
ومنها قوله، على لسان الفتاة الضحية:يا ربّ، خذ لي، فقد ترى ضرعي *** من فاسق جاء ما به سكر
أهوى إلى معضدي فرضّضه *** ذو قوة، ما يُطاق مقتدر
ألصق بي لحيةً له خشُنت *** ذات سواد كأنها الإبر

وهي قصيدة غاية في الفحش ودناءة الخلق وخسة المقصد والزراية بالفضيلة، وفيها يسرد بشار أحداث قصته مع ضحيته، وهي طفلة غريرة، ويصوّر في أسلوب سردي مبتذل، وألفاظ سوقية باردة، وتعبير حسي مباشر مكشوف، كيف استغل سذاجتها، وغرر بها، واستدرجها حتى استجابت لما أراد، فدنّس عرضها من غير أن ينتابه شعور بالندم على فعلته الشنعاء وسلوكه القبيح.

ومما قاله عباس محمود العقاد الكاتبُ والشاعر العربي الكبير في هذه القصيدة الفاجرة أنك ترى فيها رجلا حيوانا يصبو إلى المرأة الحيوان، وجسدا مذكرا يشتاق إلى جسد مؤنث يجاوب طبعه، ويُرضي أثرته…).

قلت الذي يهمني من الدكتور النويهي أنه، في مرحلة سابقة من حياته الأدبية والنقدية، ميّز، في تناوله لهذه القصيدة، بين الحكم الفني والحكم الأخلاقي، وحذّر من أن نسارع من الرفض الخلقي إلى الرفض الفني، ثم خلص إلى رأيه في المسألة قائلا: فالفن، رضينا بهذا أم لم نرض، لا يُحكم عليه في مجال النقد الأدبي بمقاييس الأخلاق، بل المقياسُ الصحيح الوحيد، في مجال النقد الأدبي، هو المقياس الفني المحض، هل يُرضي شعورنا الفنيَّ أو لا يرضيه). انتهى كلامه من كتابه “شخصية بشار”.

فهو يبيّن، في هذا الحكم، أن قيمة العمل الفني لا علاقة لها بالمعيار الأخلاقي، وإن كان يعترف بأن قصيدة بشار تامة الشناعة الخلقية، يفخر قائلها بارتكابه جريمة لا نستطيع قبولها، ولا نجد لها مبررا واحدا).

لكن الرجلَ، رحمه الله، عاد في مرحلة لاحقة من حياته، وبعد أن عَجَمَتْ تجاربُ الحياة عودَه، ليراجعَ حكمه السابق، وليقرر في وضوح أننا لا نستطيع أن ننفيَ المسؤولية الأخلاقية للفنان بتلك السهولة التي فعلتها سابقا).

هذا ناقد فاضل يستحق كل تنويه، لأنه وجد من نفسه الشجاعة اللازمة ليصحح رأيا رآه في فترة سابقة من حياته، وليرجعَ إلى الصواب، الذي لا يمكن شطبُه بالخفة والسهولة والجراءة التي تجري عليها كثير من آراء وأحكام المنحرفين اللادينيين في هذا الزمان.

وبعد، فالحلالُ في مثل هذه الموضوعات المتعلقة بالأحكام الإسلامية القطعية بيّنٌ، والحرام فيها بيّنٌ، وليس هناك مُشتبهاتٌ بينهما. فينبغي أن يُحِسّ مُنْكِرُ هذه القطعيات الإيمانية في المجتمع المسلم أنه غريب ومُفْرَدٌ إفرادَ البعيرِ المُعَبّد، مهما كانت قوةُ الجهات التي توفر له التشجيعَ والتمويلَ والدعاية، وتُسلط عليه الأضواء في كل الأوقات لا تفتر ولا تَلين.

والله متمّ نوره ولو كره الكافرون (من سورة الصف)

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.