استعدادات المؤتمرين (الحجاج) على قدم وساق منذ حضور صلاة عيد الفطر، وازدادت وتيرة الاستعداد، وتعمق الشوق هذه المرة مع ذيوع خبر عزمه صلى الله عليه وسلم الحج في هذه السنة (السنة العاشرة من الهجرة).

قبل افتتاح المؤتمر، كان الشعار واحدا أوحد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك، لا شريك لك.

افتتح المؤتمر بالإحرام، وكانت أطوار جلساته كلها تركيزا وحرصا شديدين من قبل المؤتمرين على اتباع رئيس المؤتمر المؤيد بالوحي، كانت الآلاف من الحجاج ترى وتتعلم وتسأل هذا القائد المعلم العظيم عن المناسك وتفاصيلها، فكان يجيب وهو الرحيم الحريص على أمته: “افعل ولا حرج”.

بقي ملبيا حتى دخل مكة المكرمة، فطاف بالبيت سبعة أشواط، واستلم الحجر الأسعد، وصلى ركعتين عند مقام أبيه إبراهيم، وشرب من ماء زمزم المبارك، ثم سعى بين الصفا والمروة. وفي اليوم الثامن من ذي الحجة، توجه إلى منى فبات فيها، وفي اليوم التاسع، توجه إلى عرفة، فصلى فيها الظهر والعصر جمع تقديم، ثم استقبل الناس مستبشرا ومعلما، يبلغهم بيان مؤتمر التشريع، الخالد على جبين الزمان، بيان الوداع والبلاغ والإشهاد.

فقد كان مما جاء في هذا البيان الدستوري كما روى ذلك ابن إسحاق. وإن كانت الخطبة كلها تشريعا، فسنكتفي بذكر بعض مقتطفاتها المتضمنة للبنود الصريحة: “أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا”، “إن كل ربا موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون”، “إن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به بما تحتقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم”، “إن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا”، “وقد تركت فيكم ما إن استعصمتم به فلن تضلوا أبدا، أمرا بينا، كتاب الله وسنة نبيه”، “كل مسلم أخ للمسلم، والمسلمون إخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه”.

صدقت يا رسول الله. نشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده. آتاك الله الوسيلة والفضيلة، وبعثك المقام المحمود الذي وعدك، آمين.

قبل الوقوف مع مضامين هذا البيان الخالد، تجدر بنا العبرة أن نقف بإجلال وتعظيم أمام صاحب الخطاب، خصوصا في هذا المقام والتوقيت الهامين، زمان ومكان مباركين حضرهما صلى الله عليه وسلم لاستكمال الدين والاستعداد للقاء الرفيق الأعلى.

لم يمض من الوقت بعد هذه الحجة المشهودة إلا ثلاثة أشهر، حتى دخل عليه ملك الموت يستأذنه ويخيره بين الخلود والرفيق الأعلى، فما اختار صلى الله عليه و سلم إلا جوار ربه. فيا من تستعبده الدنيا، يستلذها كأن العيش فيها خلود، هذا سيد ولد آدم يوارى الثرى، وقلوب الصحابة الكرام تتقطع للحاق به في الآخرة، وعمر الفاروق يجحد كل كلام يحدثه عن وفاته صلى الله عليه وسلم، وقد تركها خالدة مدى الزمان: من قال أنه صلى الله عليه وسلم قد مات ضربت عنقه)، فما سكن الروع حتى خرج على الناس الصديق يثبت القوم ويخبرهم أن قد التحق المصطفى الكريم بجوار ربه.

لقد تضمن هذا البيان بنود دستور متكامل، واشتملت كلماته على عبر شتى هي بمثابة أسس بناء الدولة والمجتمع الإسلاميين، أسس نورد بعضها على سبيل التذكير، فما أكثر الفروض والأركان التي سقطت منا بحكم العادة أو النسيان:

1- سن صلى الله عليه وسلم سنة عظيمة وهو يؤدي مناسك الحج ويعلم أصحابه: إن الحرج مرفوع في منهج الإسلام، فقد كان منهجه التيسير على الناس، والتعليم بالقدوة الحسنة والنظرة الحانية والحرص الشديد، لقد كان تام البراءة من العنف والتكفير، شعاره في ذلك: “افعل ولا حرج”.

2- ركزت خطبة الوداع على التزام صمام الأمان وأساس البناء في المجتمع الإسلامي، إنها الأخوة في الله، والوحدة والتحاب، فلا عمران ولا تشييد ولا تنمية إلا بمحبة تنصهر فيها إرادات أبناء الأمة الأحرار، المصونة حقوقهم، والمقدسة حرماتهم إلا ما أعطوه عن طيب نفس منهم. فالمحبة عربون الأخوة، والأخوة سبيل خدمة مصالح الأمة الخاصة ومصالح البشرية جمعاء.

3- كل الربا موضوع بحكم كلامه صلى الله عليه وسلم في هذا المقام، وأيا كانت محاسن الربا المزينة، وصوره المغرية، فعواقبه لا تحمد، وصاحبه لا يعتد، ونتائجه كراهية واستغلال كلها. ولو كان في بعض الربا خير لما وصفه الشارع بأنه إعلان حرب على الله سبحانه.

4- في هذه الفترة بالذات من تاريخ الأمة، كان صلى الله عليه وسلم يعلن إرهاصات الانتقال في فترات تاريخ الأمة المجيد من نبوة إلى خلافة راشدة، فكأنه يتوجه إلى الأمة، ويحث الخلفاء من بعده على التمسك بالحبل الواصل الذي لا يضل سالكه، كتاب الله وسنة نبيه. فهو يعلم كيف ستتغير أحوال الأمة من بعده، وكيف تكثر الإحالات، لذلك وقف على عرفة لينسخ هذه الإحالات كلها، بل ويحيلها جميعا إلى المعين الصافي الذي لا ينضب إذا تمت المحافظة على نقائه.

5- حقوق الإنسان حاضرة من على جبل عرفة، حقوق سمت بسمو مشرعها لا بسلطة طالبها. إن من المعاني السامقة في هذا الصدد، أن الحقوق لا تطلب لذاتها، بل لغاية أسمى وأعظم، وهي تحقيق الأخوة التي بفضلها ترتقي الحقوق من معاني الصراع إلى معاني الإكرام والاعتبار والاحترام والتقدير.

6- كان صلى الله عليه وسلم واثقا من أنه يخاطب أحرارا، لذلك أبطل في حقهم كل ما يمكن أن يشوب هذه الحرية، خصوصا رواسب الجاهلية، فهي ممقوتة جميعها، تبرجا كانت أو حكما أو عادات.

7- لا زال صلى الله عليه وسلم يوصي بالنساء خيرا في كل مواطن التحريض والتبليغ، وقد ركز في مقامه هذا على أن للمرأة حقوقا وعليها واجبات، واجبات لا تقوى على الوفاء بها ما لم تتنسم هواء التمتع بحقوقها كاملة غير منقوصة.

ما أحلمك من رسول كريم، تناظر حقوق المرأة بحقوق الرجل، وتدعو إلى ما هو أعظم، المعاشرة بالمعروف، وإتيان الحق بكلمات الله واعتباره أمانة الله الذي لا تضيع ودائعه.

أسدل الستار على أشغال المؤتمر، وبقيت التوصيات بين ظهراني الأمة الإسلامية المتداعى عليها من كل الأمم بسبب تفريطها في هذه التوصيات، فمن أبناء الأمة المتمسك ومنهم المتنكر، ومنهم الداعي ومنهم المحارب، ومنهم الحريص ومنهم المفرط. لكن تهفوا قلوب الجميع إلى صعود عرفة، وتذكر هذا الكلام المشهود في الأولين والآخرين.

تقبل الله حج ضيوف الرحمان في هذا العام وفي كل عام، ورزقنا الله زيارة طيبة مبرورة كريمة ننال بها شرف اكتمال إسلامنا العظيم.