هذه العبارة يصادفها رجال التعليم مرات عديدة وقد ختم بها الملف المدرسي لتلاميذ من المرحلة الابتدائية، هي تأشير على الانتقال من مرحلة إلى مرحلة، وهي تأشير على فشل ذريع لهذه المنظومة في إمداد التلميذ بأبسط متطلبات الحياة. ويختلط الأمر ولا أدري هل الأمر يثير الضحك، أم إنه يستوجب البكاء دما على ما آل إليه حال تعليمنا في هذه البلاد، لكن “كثرة الهم تضحك” كما قال المغاربة في أمثالهم. إنها دركة لا مثيل لها من الاستهتار واللامسؤولية التي تميز مسؤولينا الذين تسلطوا عليها رغم أنوفنا، فقرروا أن لا يكونوا بنا، فلم تتمعر وجوههم لحال البلاد ولا العباد.

ينتقل بالأقدمية

ليست هاته إلا مظهرا من مظاهر الضنك الذي وصلت إليه البلاد، والمستوى المتردي للتحصيل العلمي والتربوي في مؤسسات التعليم. ليست إلا عَرَضًا لمرض فتاك فتك بكل أنسجة الجسم فأحاله جسدا لا روح فيه، وآلة معطلة يستحيل معها أي إصلاح فني ما لم تتغير كل محركاتها. لكن، وكما هي عادة من بزمامهم الأمر تفتقت عبقرياتهم عن خطط ذكية لإسعاف ميت قبضت روحه ونتنت ريحه، وجاؤوا بالميثاق ثم المخطط الاستعجالي فصاروا يبنون على رمال متحركة، ويبدعون لوحة فنية غاية في الحسن في حال جزر وهم أدرى الناس أنه بعد لحظات يعيدها المد في خبر كان.

ينتقل بالأقدمية

هو المسمار الأخير في نعش هذا المتعلم الضحية، بعد ما خطط المسؤولون لفشله، كيف لا، وهم من جعلوه في مرات كثيرة ولازال في صف من 50 إلى 60 تلميذا، مما لا يصلح صحيا ولا نفسيا ولا منطقا ولا عقلا، فأحرى أن يكون ملائما تربويا وتعليميا. أنى له أن يتعلم القراءة أو الكتابة، وهو لا يجد مقعدا يرتاح فيه جسده الطري؟ هذا إن وجد هذا. ومِن هؤلاء من يقطع كيلومترات كي يصل إلى هذه المسماة مدرسة. أنى له أن يتعلم ووضعه الاجتماعي لا يخول له حتى تناول وجبات مناسبة ومتكاملة توقظ فكره وتنمي عقله وتصبر جسمه على تحمل المشاق؟

ينتقل بالأقدمية

هو حكم بالإعدام التعليمي والفكري على هذا المتعلم، لأنه لم يتلق المبادئ الأساسية في القراءة والكتابة والحساب؛ فلن يستطيع بالتأكيد المثابرة والمسايرة في مراحل التحليل والتركيب والحكم والنقد والعمليات الحسابية المعقدة و…

يكون عبئا على المنظومة التعليمية أولا، ثم عقبة جديدة في طريق من أسعفهم مغالبة ظروفهم، وأوضاع هذا النظام التعليمي حتى انتزعوا حقهم بعدما ذاقوا معه مرارة تلو الأخرى. فكثير من الظواهر اللاتربوية بالمؤسسات مردها بالأساس إلى هذا التجني على المتعلمين بالقذف بهم إلى مستويات عليا يضطرون معها إلى إبداع أشكال من العبث والشغب والإتلاف والغش والفوضى، انتقاما من هذا الوضع. وعن قريب يرمى به إلى الشارع ليضاف إلى طوابير هؤلاء الشباب الذين لا يجدون ملاذا إلا في اتباع كل سبل الانحراف، بعد منع الصالحين من احتضانهم، وعجز الدولة عن توفير بنية من المرافق الاجتماعية والرياضية والاقتصادية تستوعبهم حتى يكونوا لبنات في بناء المجتمع، لا معاول هدم.

ينتقل بالأقدمية

هي فقط إضافة نوعية للائحة هؤلاء الذين استطاعت الخريطة المدرسية استيعابهم على علات تكوينهم التعليمي، وقدراتهم المعرفية والكتابية والقرائية. المهم- في نظر المسؤولين- أن يترك المقعد لمن يخلفه، وهكذا يدير المسؤولون الأزمة فيضمن المتنفذون مصالحهم في نهب خيرات البلاد، ويسترون ذلك ويجملون وجوههم بالخطابات الفارغة، في قنوات فارغة، وفي مذكرات وقرارات تسابق الزمن حتى لا تتكشف عورتهم أمام من لا يزال يثق بأن للثعالب دينا، أو أن بين القنافذ أملس.

ينتقل بالأقدمية

هذه وأخواتها، من مثل: ينتقل لكبر سنه، والأقسام المشتركة، وتدريس أكثر من مادة، أو ما تفعله الخريطة المدرسية، ما هي إلا صك إدانة للمسؤولين عن هذا القطاع مباشرين كانوا أم غير مباشرين. هدر لطاقات بشرية هائلة، وتضييع لأجيال، وتبديد لعقود من حياة الأمة كان أولى تنهض فيها وتبني وتعمر. هاهم فلذات أكبادنا يقضون زهرة أعمارهم في المدرسة والإعدادية والثانوية، إن قدر لهم إتمامها وإكمالها يخرجون منها أرباع متعلمين وأنصاف جهال.

ينتقل بالأقدمية

ما أحوج المجتمع أن يتعبأ صادقا للتصدي لكل المتلاعبين بمؤهلات هذا الوطن، وهم يقتلونه بالتقسيط يوما بيوم وساعة بساعة، ويستهترون بمقوماته، ولا يرون فيه إلا بقرة حلوبا عليها أن تجود بلحومها وألبانها وجلودها وحتى أظلافها. ما بالنا نتابع يوميا على إعلامنا برامج في كيفيات الطبخ المحلي والوطني والعالمي، وكأن مشكلة المغاربة كيف يطبخون، بينما الأصل هو ماذا يطبخون، والعجيب فيها أنها لا تتقادم كما هو الشأن لأبناء الوطن حتى يضطر المسؤولون للتأشير على ملفه بـ”ينتقل بالأقدمية”. أليس الأجدر عرض برامج لمحو الأمية؟أو برامج لتعليم اللغات؟ أو برامج مهنية؟

أما بعد

إن النظام التعليمي المغربي بما هو نتاج واقع سياسي مترد، أصبح من القتامة في درجة لا يتحملها الحليم، ولا يطيقها الجَلَد. وإذا ما نحن رجعنا بالتاريخ شيئا إلى الوراء، ألفينا دولا كانت أسوأ حالا من المغرب أو تشبهه أو تقاربه، لكنها اليوم صارت قوى عالمية فاعلة ومؤثرة، لها صولات وجولات في كل الميادين ومناحي الحياة، ومنها، وعلى رأسها: التعليم. في هذا دليل على إمكانية التغير، فليس قدَرا علينا أن نعيش مسلوبي الإرادات، ونعطي الدنية من ديننا ودنيانا، وليس حتما أن نظل ندير الأزمة ولا ننظر في أصلها، وليس بالضروري أن نعيش متسولين على مائدة الاستكبار العالمي الذي لا يرى فينا إلا رقما ومادة صالحة للاستهلاك ولا يرضانا إلا عبيدا خداما لأعتابه. إن التعليم الذي نحتاجه هو التعليم الذي يحررنا، يحرر القلوب والعقول والإرادات. تعليم يحرر الأمة من ربقة التبعية والاستعباد. تعليم يحررنا من أغلال الأمية التاريخية. تعليم يصل الماضي بالحاضر فالمستقبل. تعليم يربط الدنيا بالآخرة. ذلك كله يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية أولا، ثم إلى مشروع تتوافق عليه مكونات المجتمع دون إقصاء لأحد، لبلورة تصور واضح للمجتمع المنشود. مشروع يستند إلى مقوماتنا الحضارية والتاريخية. تعليم يكون في كنف الأمة تنهض به وينهض بها.