وتستمر المقاربات العبثية

أوردت وكالة رويترز يوم الجمعة 2010.10.23 عزم الحكومة المغربية في شخص وزير القطاع العام محمد سعد العلمي اعتماد مقاربة جديدة لمحاربة الفساد الذي يلتهم اثنين بالمائة من الناتج المحلي. وتتكون الخطة من ثلاثة وأربعين إجراء من بينها أن يعلن كبار مسؤولي الدولة عن ثرواتهم وأن تتكفل الحكومة بحماية العاملين في هيئات مكافحة الفساد وإعطاء دروس لتلاميذ المدارس عن مكافحة الفساد وإتاحة قنوات للجمهور للإبلاغ عن حالات الفساد والاختلاس لموظفي الحكومة. وتعتقد الحكومة أنها بهذه الخطة لمنع الفساد ومكافحته التي سيبدأ تنفيذها أوائل 2011 وتستمر في العام التالي ندخل ـ والتعبير للوزير محمد سعد العلمي في مؤتمر صحفي ـ مرحلة جديدة من التصميم على تحقيق نتائج في إنجاز هذا البرنامج.

على سبيل التشخيص

لا يحتاج المواطن المغربي لتقارير وتصنيفات منظمات الشفافية والحكامة الرشيدة ليعرف درجة استشراء الفساد وتوغله في دواليب الإدارة المغربية، فهو المكتوي بناره ويدفع ثمنه يوميا غيابا لأبسط الخدمات الاجتماعية وغلاء في الأسعار وهشاشة في منظومة البنية التحتية للبلاد، لا فرق في ذلك بين قنطرة أو طريق أو مدرسة أو ملعب أو مستشفى أو عمارات سكنية أو مساجد… وتحفظ الذاكرة الجماعية للمغاربة “إنجازات” غير مسبوقة في هذا المجال؛ ويكفي أن نذكر التلاعب بالمساعدات المخصصة لمنكوبي زلزال الحسيمة وفيضانات الغرب ونهب صناديق المؤسسات العمومية وعلى رأسها صندوق التضامن الاجتماعي الذي تبخرت منه الملايير وهو ما يعادل أكثر من سبعين في المائة (70%) من مجموع الديون الخارجية للمغرب. أما تفويت مساحات أسواق ومؤسسات عمومية لمجموعات اقتصادية تغولت بنهب مقدرات البلد لإقامة مراكز تجارية ممتازة أو مشاريع سكنية وإبرام عقود استغلال طويلة المدى (99 سنة) لآلاف الهكتارات الزراعية وبأثمان رمزية لشرعنة العملية للملإ المخزني الذين ندبوا أنفسهم لتبرير نهج غير رشيد في تدبير شأن البلاد والعباد، بل صاروا جزءً منه، فقد غرقت بفضائحه الجرائد. وللمزيد من التفاصيل يرجى الاطلاع على التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات الذي سمى مؤسسات حكومية ورصد حجم الاختلاسات والاختلالات المالية في حدها الأدنى والتي لم تسلم منها أحزاب سياسية.

“تخليق” الفساد

للفساد بيئة موبوءة ينتعش فيها، والمنظومة العامة في البلاد توفر شروط التكاثر حتى صار الفساد عندنا مؤسسيا، له قوانين تحميه، ولوبيات تملك القدرة على التدخل الاستباقي لتحويل الأنظار عن بؤره. الفساد في الإدارة أو في سلوك الأفراد نتيجة طبيعية لمنظومة “تربوية” رسخت السلوك خلقا، وثبته مبدأً واختيارا لتحسين الوضعية الاجتماعية وحرق المراحل، حتى إنه من السهل إنجاز دليل لمن أراد الاغتناء والانتقال من حال البؤس إلى الثراء الفاحش في زمن قياسي. الأمر سهل لأن الكثير ممن يملأون شاشة القناتين التلفزيتين، وقد اكتنزوا لحما وشحما دفاعا عن الفساد وتبريره، كانوا بالأمس القريب يركبون سيارات تتأذى من رؤيتها عيونهم اليوم، ويعتبرونها “كائنات” ضارة.

كيف لا يستشري الفساد ويتهافت الناس على الاغتناء باستغلال النفوذ وعلاقات القرابات العائلية أو الحزبية أو القبلية في جو نظام يقوم أساسا على الامتيازات من خلال إحداث مؤسسات الهدف الرئيس منها توفير فضاء لاحتواء من يرجى انخراطه في النهج المخزني توظيفا لرصيده السياسي أو إشعاعه الفكري أو شعبيته الرياضية أو الفنية. وللمخزن في هذا المجال عروض متنوعة: فلمن يعشق المسرح والتنابز بالألقاب هناك البرلمان بغرفتين مكيفتين (بصيغتي الفاعلية والمفعولية)، ولذوي الكفاءات الخطابية والقدرة على المناورة ومغالطة الرأي العام هناك الحكومة، ولمحبي الأسفار وذوي الشغف بثقافات البلدان الأجنبية هناك العمل في السلك الديبلوماسي في السفارات، ولذوي الطباع الهادئة ومحبي العزلة هناك مناصب المدراء العامين للمؤسسات المالية، ولمن يهوى منصة الندوات والمؤامرات ـ أقول المؤامرات ـ هناك المجالس العليا من الماء إلى التعليم إلى البيئة إلى الرياضة، أما هواة تبرير الأزمات واللعب بالأرقام والنسب المئوية فالمجلس الاجتماعي والاقتصادي في طور الإحداث فعلى من يهمهم الأمر الحصول على تزكية أحزابهم. أمام كل هذه الإغراءات وفي غياب المحاسبة بل في ظل وجود ضمانات عدم المتابعة كيف لا يغدو الفساد والاغتناء غير المشروع هو القاعدة؟

من أين لك؟

“من أين لك هذا؟” شعار عمري ـ نسبة للفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ أحقَّ به الحقَّ وسَيَّجَ به مال المسلمين متسلحا بإرادة سياسية قوية أجهض بها الفساد في مرحلته الجنينية، فأضحى للمال العام حرمة زكاها قضاء مستقل نزيه يستوي في المثول أمامه الجميع ويقظة مجتمعية مدنية تشارك في إدارة الشأن العام للمجتمع بالملاحظة والتنبيه تطبيقا للقاعدة العمرية مرة أخرى متحدثا عن دور الرعية في نصيحة الحاكم: لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها).

واليوم، وقبله بعقود، رفع الشعارَ نفسَه حزبُ الاستقلال ثم الاتحاد الاشتراكي في عهد حكومة التناوب ليعود حزب الاستقلال مرة أخرى لرفع الشعار من خلال خطة محاربة الفساد تفرض تصريح المسؤولين الحكوميين والموظفين السامين بممتلكاتهم. أي عبث هذا؟ ما هذا الاستخفاف بعقول المغاربة؟

إن القطع مع الفساد يقتضي شروطا أهمها وجود مؤسسات رسمية ذات مصداقية ومنها البرلمان والقضاء والصحافة لتفعيل آليات المتابعة، وإلا ما مصير لجان التقصي في اختلاسات صندوق الضمان الاجتماعي؟ وما مصير الضابطين اللذين أنجزا بحثا حول شكل التصرف في المؤن والوقود المخصص للثكنات العسكرية بالأقاليم الصحراوية؟ وما مصير تقرير المجلس الأعلى للحسابات؟ والقائمة طويلة.

واقع الحال يقول: انهب ما شئت فإنك غير محاسَب، ومن أشارت له الأصابع بالاتهام سينقل من مكانه ويرقى في منصبه، ومن كان حظه نحسا واقتضت مصلحة المخزن توقيفه يلحق بالإدارة المركزية دون مهمة ليتفرغ لتنمية ثرواته. إنه المخزن لا يتنكر لرجاله، أليست هذه من المروءة؟!

أبشر بطول الإقامة يا فساد!

وختاما، وحيث إنه من شب على شيء شاب عليه، وحيث إنه أصبح بين المغاربة والفساد علاقة توطدت عبر عقود، وحيث إن الظروف الدولية والإقليمية وحساسية المرحلة تتطلب تضافر الجهود وحشد التعبئة لاستحقاقات الجهوية الموسعة لقطع الطريق على أعداء وحدتنا الترابية، وحيث إن المرحلة تتطلب انصراف الهيئات السياسية لتعبئة قواعدها “النائمة” لخوض غمار انتخابات 2012، وحيث إن كرة القدم المغربية تمر من حالة “كن أو لا تكون” استعدادا لمقابلة الجزائر في ربيع 2011، وحيث إن الصحافة المغربية تعيش مرحلة اللاستقرار، وحيث إن القضاء مشغول بإعادة الهيكلة بعد جمع مجلسه الوطني المرتقب، لهذه الحيثيات وغيرها نلتمس إرجاء تنزيل مقاربة محاربة الفساد درءً لما قد يترتب على ذلك من مفاسد عظمى تطبيقا للقاعدة الفقهية: درء المفسدة العظمى بالمفسدة الصغرى).

وعليه نقول للفساد ما قاله الشاعر جرير لما سمع غريمه الفرزدق يتوعد شخصا اسمه “مربع” بالقتل لما يعرف من جبن الفرزدق:زعم الفرزدق أن سيقتل مربعـا *** أبشر بطول السلامة يا مربـعُوعلى المنوال نقول للفساد:زعمت الحكومة أن ستقتل الفساد *** أبشر بطول السلامة يا فسـادُنشكر حسن تفهمكم وإلى مقاربة أخرى.