شوق يأخذني وواجب يناديني أن أكتب عن أجدادي، لئن امتلأت أكداس الكتب بأخبارهم وأحوالهم، فأنا اليقظ المقتنع أننا أحوج من أي وقت مضى وعهد قضى إلى التذكير بأعظم أمجادهم وأفخمها إذ أخرجوا غيرهم من الظلمات إلى النور ورفعوهم إلى مستوى التلقي لهداية السماء، ذاك عمل جليل بوأهم من المجد مقاما. فحق منهم علينا أن نخلد ذكرهم ونعرف الأجيال من أحفادهم بما صنعوا وأثلوا. ذكرى إن يكن في جيل النضال الحاضر أمل في الأوبة بعد شرود، وعبرة لمن لا يزال ينبض به عصب الدين أمام مدلهمات الخطوب.

قال ابن خلدون في تاريخه: والبربر معروفون في بلادهم وأقاليمهم متميزون بشعارهم من الأمم منذ الأحقاب المتطاولة قبل الإسلام فما الذي يحوجنا إلى التعلق بهذه الترهات في شأن أوليتهم).

لنمض مع مؤرخينا قدامى ومحدثين لنتعرف على أبطال فاتحين من أجدادنا تحدرنا من أصلابهم فروعا ثرارة من بني مازغ كيف فتحوا البلدان ونشروا الإسلام وبذلوا ما في الوسع لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب الأرباب). يراهم ابن خلدون من العظمة بمكان لا يليق بباحث أن يبحث عن أصولهم، فما أغناهم في تأسيس الحضارة وبلوغ المجد عن غيرهم. ورأي ابن خلدون فيه إجلال وتعظيم، وهو قابل للنقاش شأن كل رأي بشري في موضع نسبيته بين الآراء.

وأقول اقتداء به رحمه الله: أن البربر الأمازيغ معروفون بجهادهم متميزون بفتوحهم لنشر الإسلام في الآفاق منذ العهود الأولى للإسلام، فما الذي يحوجهم إلى غيرهم كي ينطلقوا حماسة وينبعثوا يقينا ممتلأ لنصرة الإسلام ونشره. لا جرم أن يكون ذلك عن غير إلزام أو إكراه. وهذه قاعدة معروفة عند النفسانيين ننقلها من ميدان بحثهم إلى البحث في نفسانية الجماعات، نفسانية البربر في عهود الفتح.

طارق بن زياد نموذج الفاتح الأمازيغي، رفع رأس قومه عاليا إذ أثل لهم مجدا وصنع تاريخا، جهاده خلاصة موجزة لكل عملية جهادية بما تعتريها من أحداث وتتعاورها من أخطاء وما تفرض من تدابير تكاد تكون عامة بين الفاتحين، وإن حسبها السطحيون أخطاء و مزالق خاصة بالعرب.

يقول المرحوم حسين مؤنس: فلما بلغ ملوك الأندلس خبره (طارق) نفروا إلى الملك الأعظم وهو لذريق وكان طاغيا في جموع عظيمة على دين النصرانية وزحف إلى طارق في عدة عظيمة (…) فنزل العسكر فمشى بعضهم إلى بعض بالسلاح فاقتتلوا قتالا شديدا فوقع الصبر حتى ظن الناس أنه الفناء وتواذوا بالأيدي وضرب الله عز وجل وجوه أعدائه فانهزموا وأدرك لذريق فقُتل بوادي التين. وركب المسلمون آثارهم (…) فسبقوهم إلى خيلهم… ووضعوا فيهم السيف وأدبارهم ولم يرفعوا عنهم السيف ثلاثة أيام ولياليها فمكثت جيفهم دهرا وبقيت عظامهم إلى حديث من الزمان، وأمر طارق فرسان المسلمين أن يسبقوهم إلى قرطبة فأتوها وقد وقف المسلمون حولها فقتلوهم، فكانت قرطبة مدينة لذريق (أي قبل دخول المسلمين) ودخل طارق قرطبة فأصاب فيها من الدر والياقوت والذهب والفضة ما لم يجتمع مثله قط… ) 1

نور الله ثراك يا طارق وأمدك من أمداد الرحمة كما يُمد الشهداء عنده سبحانه، وأحيى الله ذكرك ورفع منارك وسط قوم غافلين تناسوا ذكرك وتجاهلوا جهادك، قوم تخطوا عهودا من حضارة زاهية وعمران مستبحر ومعارف زاخرة كلها قامت على فتحك وانطلقت من جهدك، ما كانت لتكون لولا فتحك وسيفك المسلول.

ما أعظم مصابهم بسقطات يودعونها الورق وزلات ترشح من ألسنتهم الكنودة. من يقيلكم يا مناضلين من عثرات ألسنتكم وأقلامكم المأجورة فصورتم للأجيال عقبة وحسانا وزهيرا وموسى بن نصير غزاة متبربرين بما غنموا من البلاد وسبوا وأثخنوا في العباد تشويها لصورة العرب وأملا في البعد عن الإسلام وهم الناشرون لدين الله وحاملوه إلينا؟؟ أليس الإنصاف يقتضي تقويمهم بمجموع أعمالهم وحسناتهم وما أكثرها، بل ولا أعظم في ميزانها من تبصيرنا بهداية السماء وإخراجنا من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان؟؟

ما أشبه فتوحاتهم بفتح طارق، كأن هذا يسير على نهج أولئك، كأنه منهم يستلهم وتاريخهم يستعيد فلا تسمع إلا نغمة واحدة مكررة من سبي وقتل أشبه أن تكون من لوازم الفتح وضروراته تخليصا من دواعي الويلات فلا عتب، فالعقلاء لا يرون الطبيب مخطئا إن بتر العضو الفاسد حفظا لسلامة المريض. فعل ذلك طارق وهو البربري الأصيل، والأمازيغي الذي ينزع به عرق قومه بنو مازغ. ومثله يوسف بن تاشفين خرب النكور حفظا للدين من بدعة التشيع والتطرف وهو الأمازيغي في كل شيء إلا في اسمه الشخصي. ويراه الضيق في إطلاعه وتقديره للأمور مجرما بسلوكه هذا الذي يصفه بغير الحضاري، يتجاوز بذلك معياره القومي ليستبدله بآخر حضاري قوامه البناء والعمارة والأمن والسلم وما إلى ذلك، فهل يعرف المناضل الأمازيغي حقا ماذا يريد؟ هل يقف على أرض صلبة عليها يناضل أم أن هدفه وفرحته في الخدش من كل ما يمت إلى الإسلام بصلة؟

اقتضت الضرورة ذلك ليدرجوهم لمعرفة الدين الجديد فكان الموالي والخدم، وعكرمة البربري خير مثال نسوقه، كان مولى لابن عباس رضي الله عنه، أحسن به إذ أدبه وعلمه فكان من علماء التابعين، أن تتحدث شكرا لله بنعمته عليك يا مناضل وعلى آبائك إذ جعل في سجلهم ما تفخر به وتقر عينك خير من فخرك بكسيلة عدو الإسلام وشيشونغ مغتصب العرش المصري اعتداء وهجوما وخير من فخرك بجوبا الموالي لروما حتى الموت والانتحار. ولست أنكر خطآت الوافدين وتجاوزاتهم في النيل من كرامة الأمازيغ، لكنها إن قورنت بما جنته دول وحضارات سابقة وأخرى لاحقة لهان الخطب ولظهرت لنا أمرا عاديا في مسيرة التاريخ المليء بالصدام والحرب وسفك الدماء البريئة، خطآت العرب هنات ظرفية وتجاوزات عارضة وسط فتح أعظم قاده صحابة وتابعون. أخطاء ينبغي أن تقرأ في ضوء السياق العام لعملية الفتح فكم من هجوم تعاورته أحداث بررته بمنطق مقبول في حروب وسياسات ذلك الزمان لا يقيم المناضل لها وزنا فتناولها بمنطقه التجزيئي الإنتقائي مفصولة عن السباق والسياق. مناضلنا لا يلتمس العذر للعربي الفاتح، لكنه يبرر بمنطق دفاعي أخطاء شيشونغ في هجومه على مصر وطارق وأمثالهما. أوليس ما دفع موسى مثلا على غزو البربر من إفريقية إلى طنجة فتبعهم وقتلهم قتلا ذريعا وسبى منهم سبيا كثيرا حتى بلغ السوس الأدنى) كما يقول صاحب البيان المغرب في ص22. أوليس ما دفع موسى وأمثاله لسلوك هذا النهج هو هو ما دفع البربر زمن شيشونغ ليطيح بالفرعون رعمسيس الثاني حتى ورث عنه سبعة عشر 17 حاكما بربريا حكم مصر، كما يقولون، وهو مواجهة التحالف مع الروم للقيام بهجوم مباغت يتخطى الحدود ويهدد المصير؟ فكان لابد من تدارك الأمر لتهدئة الوضع وإفشال الخطة؟؟ أوليس هذا متعامل به فيما بين الدول اليوم؟؟ ومن ينتظر مكتوف الأيدي وهو يعلم بتخطيط الآخرين لشن العدوان عليه؟؟ مقبول إذن بمنطق العقل ومنطق الحرب ومنطق الشرع كما نص عليه الفقهاء مباغتة العدو ذي القصد العدواني. هذا مع الفارق فموسى مع أخطاءه صاحب رسالة وقد قبلها وفهمها فيما بعد البربر فكان هجومه كدواء مر المذاق حسن النتيجة بل أعانه في ذلك قسم كبير من البربر أنفسهم، أما شيشونغ فكان من الممكن أن يكتفي بهجوم دفاعي ولكنه اغتصب عرش مصر، فالتهمة التي يلصقها المناضل بخصمه العربي تنسحب على أجداده القدامى، فهل من منصف في الحكم يا مناضلين؟؟

ثم إنه أسلوب واحد اشترك فيه البربر والعرب معا. أسلوب واحد في معالجة الفتح له نتائجه البعيدة والباهرة، عادت على الإنسانية خيرا عم المعمور وحفظ توازن الأمم (ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض).

وبنظر عميق اهتدى إلى هذه الحقيقة فيلسوف ألمانيا الكبير “جورج هيغل” فقال: ينتمي الرق إلى مرحلة الانتقال من طور طبيعي إلى طور أخلاقي في حياة الإنسانية، إلى مرحلة كان الجور فيها ما يزال حقا، كان الجور آنذاك صوابا وضرورة) عن مفهوم الأيديولوجية لعبد الله العروي، ص58. هذا من حيث المبدأ، وإلا فأخطاء الأمازيغ الفاتحين الناشرين للإسلام كأخطاء العرب سواء بسواء، هنات عارضة لم تكن النية الباعثة للغزو وهذا ما يفوت تمييز المناضل المتحامل فيخلط الأمور، ولا هي قررت مصير أمة. ولا عاقت تقدما كان مرتقبا، فوجودها كعدمها في سير التاريخ.

فلا ينقد فتوح المسلمين العرب أيها المناضل الأمازيغي إلا من في قلبه نية ومقصد. يظهر تحاملك في تغافلك عن طبيعة فتح طارق ومن على شاكلته من فاتحي الأمازيغ لتضخم من خطآت الوافدين العرب، وهم هم من حرر أسلافك من بطش روما وظلمات الجاهلية. ولست بحمد الله أدعو إلى قومية عربية فأنا أرفضها وأمقتها لعلمانيتها ونبذها للإسلام.

مات طارق ومضى جيله إلى رحمة الله وما استراح الأمازيغ من الجهاد لتبليغ كلمة الله، فلم يكن طارق الوحيد من فاتحي الأمازيغ، فقد كان هناك من يمم وجهه نحو الجنوب لإسماع الصحراء الإفريقية كلمة الإسلام، أعني صنهاجة بقبائلها الكثيرة وأغلبهم كما قال ابن أبي زرع على السنة والجماعة يجاهدون السودان) قال هذا المؤرخ: وكان أول ملك منهم بالصحراء يتلوتان بن تلا كاكين الصنهاجي اللمتوني ملك بلاد الصحراء بأسرها ودان له بها أزيد من عشرين ملكا من ملوك السودان كلهم يؤدون لهم الجزية) 2 . ورث من بعده الملك أبناؤه إلى عام ست وثلاثمائة .. ثم افترق أمرهم من بعد ذلك وصار ملكهم طوائف ورياستهم شيعا، واستمروا على ذلك مائة وعشرين سنة إلى أن قام فيهم محمد بن تيفاوت المعروف بتاسرت (تارشت عند ابن خلدون) اللمتوني فاجتمعوا عليه وأحبوه وبايعوه، وكان من أهل الفضل والدين والجهاد والحج، فلبث فيهم ثلاث سنين ثم استشهد في بعض غزواته..) 3 .

قام بالأمر من بعده على أمر صنهاجة صهره يحيى بن عمر الكدالي، أمازيغي كسابقه استخلف على بلاده ثم مضى لحج بيت الله، وفي الطريق بعد عودته ساقه القدر إلى عبد الله بن ياسين الجزولي وكان صاحب فقه وورع وأدب، استقدمه إلى صنهاجة ليعلم الناس دينهم ويدعوهم إلى العمل بالكتاب والسنة، التف حوله الناس يربيهم ويستميلهم إلى الآخرة ويرغبهم في الثواب) فأحبوه وبايعوه على الجهاد وأسماهم المرابطين، وبعد أن أنذر القوم وأبلغهم الحجة قام بجهادهم وحملهم بالسيف على التوبة، لنستمع إلى ابن أبي زرع يروي الخبر، قال: فبدأ أولا بقبيلة كدالة فغزاهم في ثلاثة آلاف رجل من المرابطين فانهزموا بين يديه فقتل منهم خلقا كثيرا وأسلم الباقون إسلاما جديدا وحسنت حالهم (…) ثم سار إلى قبائل لمتونة فنزل بهم وقاتلهم حتى ظهر عليهم وأذعنوا إلى الطاعة وتابوا وبايعوه إلى إقامة الكتاب والسنة، ثم سار إلى قبائل مسوفة فغزاهم حتى أذعنوا وبايعوه على ما بايعته قبائل لمتونة وكدالة..) 4 . نروي الخبر وهو لا يحتاج إلى حصافة في الرأي والنظر ليفهم الأمازيغي المعاصر حرص أجداده على نشر الإسلام مثله في ذلك مثل الفاتح العربي القادم من الشرق.

كانت السودان وبلاد السنغال تضطرب بها الأحداث وتموج في دواخلها الفتن والحزازات، ولم يكن أهلها على أخلاق عالية يتوارثونها كما لم يكن لأبناءها مثل أعلى يتسامون إليه، فلما جاء الفتح على يد الأمازيغ إذا بأرض السواد تنبعث في حيوية إلى ما تقتضيه العمارة والحضارة، فبدأ ميلاد جديد لأهالي النوبة وما جاورها. هم مدينون للأمازيغ إذ خلصوهم من ورطات الدهر ووسعوا عليهم الأفق وفتحوا بلادهم بغضبة ظاهرها مفزع وباطنه فيه الرحمة، المسلم الأسود في نفسه البريئة الصادقة ينطوي على تقدير للأمازيغ مذ غزوهم بدين الرحمة والخلاص. ويريد الآن مناضل مفلس مبلس ضاقت حويصلته عن هداية السماء أن يعيد ليل الجاهلية الدامس لينسخ في ذاكرة الأجيال ما حملته جهود الأسلاف الأمازيغ، أجل، نسخ الإسلام ما قبله وهو يبكي على عهد منسوخ محاه الزمن وطواه الدهر في جوفه. أما أجداده فكانوا الناسخين لعهد الظلام.

عن أرض السود كنا نروي، ثم نمضي إلى خبر آخر لنفس المؤرخ يحدثنا عن غزو أسلافنا لمجوس برغواطة وكيف طهروا تلك البقاع، كانوا فاتحين إذن، يقول: لما وصل عبد الله بن ياسين إلى بلاد تامسنا، أُخبر أن بساحلها قبائل برغواطة في أمم لا تحصى وأنهم مجوس أهل ضلال وكفر وأخبر بديانتهم الخسيسة التي تمسكوا بها، وقيل له: إن برغواطة قبائل كثيرة… اجتمعوا إلى صالح بن طريف القائم بتامسنا حين ادعى النبوءة) 5 . وكان يقول لأتباعه أنا صالح المومنين الذي ذكره الله في كتابع العزيز) نفس الصفحة. وفي هذا دلالة على رغبة الأهالي في الإسلام لولا أن غلبهم الجهل فلم يجدوا من يدلهم ويرشدهم، وأخذ بعقولهم واستمالهم بسحره ولسانه وأراهم من نيرجه (نوع من السحر) وتمويهاته فاستغواهم بذلك… ووضع لهم قرآنا يقرأونه في صلاتهم ويتلونه في مساجدهم وزعم أنه نزل عليه وأنه وحي من الله تعالى إليه، ومن شك في شيء من ذلك منهم فهو كافر) 6 .

قام عبد الله بن ياسين بجهاد برغواطة في حروب شديدة حتى استشهد عام 451هـ ودفن بموضع بتامسنا، فقام من بعده أبو بكر بن عمر اللمتوني الصنهاجي، أمازيغي من صميم دارهم ومن بحبوحة البربر، فـعبأ جيوشه وقصد إلى قتال برغواطة مصمما في حربه متوكلا على الله تعالى في جميع أموره فاستأصل برغواطة حتى فروا بين يديه وهو في أثرهم يقتل ويسبي حتى أثخن فيهم وتفرقت برغواطة في الصحراء وأذعنوا له بالطاعة وأسلموا إسلاما جديدا ولم يبق لديانتهم الخسيسة أثر إلى اليوم) 7 .

أما ابن تاشفين فما خبره بالخافي على أحد، نكتفي بنص واحد يغنينا عن غيره في إظهار مدى استحقاق الأمازيغي لصفة الفاتح، يقول الناصري: ولما انتهى يوسف بن تاشفين إلى ملوية ميز جيوشه فوجدها أربعين ألفا من المرابطين فاختار منهم أربعة من القواد(…) وعقد لكل قائد منهم على خمسة آلاف من قبيلته وجعلهم مقدمة بين يديه لقتال من بالمغرب من مغراوة وبني يفرن وسائر قبائل البربر القائمين به، ثم سار هو في أثرهم يتقرى المغرب بلدا بلدا ويتتبع أهله قبيلة قبيلة فقوم يقاتلونه ثم يظفر بهم، وقوم يفرون بين يديه وقوم يلقون إليه السلم ويبذلون الطاعة حتى دوخ بلاد المغرب) 8 .

تـُرى، لو لم يبعث الله ابن تاشفين مخلصا فاتحا، ما كان سيحدث في مغرب الوثنية والشرك آنذاك؟ هو الفاتح إذن، فكيف ينظر المناضل الأمازيغي إلى ابن تاشفين؟ إن قيم جهاده بمعيار ما يزن به فتح العرب فيوسف خائن، ومعه كل رجالات الأمازيغ من قبله ومن بعده فقد ساهموا في نشر الإسلام والتعريف به دعوة وتعليما وتأليفا وتربية. منطق النضال الأمازيغي يؤدي إلى عدمية مخيفة لا تجعل له تاريخا، فهل يقبل المناضل بهذا ؟ هل لا يزال يحن إلى العهد البائد عهد برغواطة لأنهم أمازيغ؟ أم لأن لهم كيانا منظما مستقلا يجد فيه نموذج الدولة التي يرنو إليها؟ ولكن، قد كان ذلك ليوسف، وهو الأمازيغي الحر. فلم يتعلق بعهد منسوخ ودولة منغلقة على نفسها حتى أن معظم البربر لم ينجذبوا لتعاليمها متخطيا الناسخ الذي استجاب له المغاربة جميعا؟

نعود إلى البدايات الأولى لتوافد العرب الفاتحين لنرى كيف كان الأمازيغ حريصين على نشر الإسلام وأن لولا جهودهم لما تسنى للعرب أن يفتحوا بلاد البربر، نقرأ نصا طويلا لابن خلدون لنعرف هل كان البربر مكرهين على الإسلام فهم مظلومون ينتصف لهم مناضل اليوم؟ أم أنهم متحيزون للإسلام ضد ظلم ولاة الأمور فليس حال مناضلنا تمثيلا لحال أجداده؟

قال ابن خلدون في تاريخه: وخربت الكاهنة جميع المدن والضياع، وكانت من طرابلس إلى طنجة ظلا واحدا في قرى متصلة، وشق ذلك على البربر فاستأمنوا لحسان فأمنهم، ووجد السبيل إلى تفريق أمرها وزحف إليها وهي في جموعها من البربر، فانهزموا وقُتلت الكاهنة بمكان البئر المعروف بها لهذا العهد بجبل أوراس، واستأمن إليه البربر على الإسلام والطاعة وعلى أن يكون منهم اثنا عشر ألفا مجاهدين معه فأجابوا وأسلموا وحسن إسلامهم وعقد للأكبر من ولد الكاهنة على قومهم من اجراوة وعلى جبل أوراس فقالوا: لزمنا الطاعة له سبقنا إليها وبايعناه عليها، وأشارت عليهم بذلك لإثارة من علم كانت لديها بذلك من شياطينها) ذكره الدكتور إسماعيلي العلوي في “تاريخ وجدة وأنكاد” ج1 ص21. كانت معركة حاسمة حسم فيها أجدادنا الأمازيغ، لولاها لما تسنى للإسلام أن يمتد إشعاعه إلى ما وراء طرابلس والقيروان، فهل نحتاج إلى مزيد بيان لتوضيح ما نقرره ويقرره معنا كل ذي رأي منصف أن الإسلام انتشر بالمغرب على يد أهاليه، فهل من العسير على مناضلنا أن يدين لأجداده وأسلافه بهذا الفتح؟؟ وما الردات الإثنى عشر للبربر قبل افتتاح الأندلس إلا دليل الحرية في الإختيار البعيد عن كل إلزام أو إكراه في وقت كانت فيها الغلبة للعرب في عهدي حسان وموسى، حرية آلت إلى اعتناق الإسلام بالتدرج مع جهود حسان الذي كلف ثلاثة عشر فقيها من كبار التابعين بتعليم القرآن والتفقيه في الدين ونشر العربية) 9 ثم مع طارق ومن تلاه من الدعاة خاصة التابعين العشرة الذين بعثهم عمر بن عبد العزيز لتفقيه الأمازيغ في أمور دينهم حتى عم النور البلاد.

قال ابن عذاري: وفي هذه السنة(83هـ) استقامت بلاد افريقية لحسان بن النعمان فدون الدواوين وصالح على الخراج وكتبه على عجم افريقية وعلى من أقام معهم على دين النصرانية وأقام حسان بعد قتل الكاهنة لا يغزو أحدا ولا ينازعه أحد) 10 . حرب هي إذن على الطغاة وإن شابتها بعض الهنات فلا إكراه فيها لأحد من الأهالي على التخلي عن دينه لصالح الإسلام.

هذا تاريخ وهذه مظان حقائقه، تخطاها مناضلنا، وتجاوزها ليقرر من عنده تاريخا آخر، وليصور لجماهير الأمازيغ الكاوية من ظلم حكامها أن الذي أفسد عليه حياته وعاقه عن التقدم وملك عليه حريته هو الإسلام الذي بعث العرب ودفعهم بزعمهم لغزو البلاد وقهر العباد، لئن كان ذلك كذلك، فالمسؤول هم أجدادك يا مناضل فهم من فتح الباب وهم من نشر ما تعتبره سبب الهزيمة والتخلف، على أن تاريخ الإسلام ببلدنا كما هو مدون في مصادره لا يسيغ هذا القول، بل يصدمه ويرفضه. أما من كان سبب الهزيمة في ميدان الحياة، فهم من تسكت عن نقدهم وفضح خططهم، هم من رضيت من نفسك السير في مهيع مؤامراتهم، تأكل من فتات مائدتهم، فهل كان أجدادك على حالك؟ هل قرأت كيف كانوا ينددون بسياسة الجور والبطش وطغيان السلطان وإذلال العباد؟؟ هل قرأت سيرة اليوسي وجهاده مثلا وهو البربري الأصيل من بحبوحة دارهم؟؟


[1] فتح المسلمين للأندلس. ص33.\
[2] الأنيس المطرب ص121.\
[3] الاستقصا ج2. ص5.\
[4] الأنيس المطرب ص126.\
[5] ص130.\
[6] ص131.\
[7] ص133.\
[8] الاستقصا ص21.\
[9] المدارس الكلامية بأفريقية إلى ظهور الأشعرية. ص33. نقلا عن ابن الأثير.\
[10] البيان المغرب لابن عذاري ص20.\