تتفق الطبائعُ السليمة على أنه كان ينبغي، بعد موت الحسن الثاني، رحمه الله وغفر لنا وله، أن تجريَ “إصلاحات دستورية”، حقيقية، عميقة وشاملة، ليصحّ أن يُنعت عهدُ الملك محمد السادس بأنه عهد جديد، وليصحّ كذلك وصفُ حياتنا السياسية والمشاركةِ فيها بأنها حياة مُغرية وطبيعية وواعدة بالثمار الناضجة والعطاء الوافر.

بعد الملك الراحل، لم يتغير شيء، ولو مثقالَ حبّةٍ من خردل، في القوانين والتقاليد والطقوس والمظاهر والسلوكات التي تحكم حياتنا السياسية.

الدستورُ، إلى يومنا هذا، أي بعد أكثرَ من أحدَ عشرَ عاما، ما يزال هو هو، والطقوسُ المخزنية هي هي، وممارساتُ الدولة هي هي، والسلوكاتُ والعقليات والتعليماتُ والاعتداءات على الحقوق والحريات وسائرُ أشكال القمع والمنع وأساليبِهما، كلُّ هذا ما يزال كما كان على عهد “تازممرت”، كما أحبُّ أن أميّز عهد الملك الراحل.

لم يتغير شيء له علاقة بالآليات الأساسية التي تتحكم في دواليب الحياة السياسية، أو له علاقةٌ بالقواعد والمبادئ والركائز التي تقوم عليها الدولةُ المخزنية ومؤسساتُها الظاهرة والخفية، “القانونية” (بين قوسين) واللاقانونية.

لم يتغير شيء له صلةٌ بنظام الحكم، ونظام تسيير شؤون الدولة، ونظامِ اشتغال مختلف السلطات، ونظامِ اتخاذ القرارات الحاسمة، وخاصة في مجالات السياسة والاقتصاد والتربية والتعليم والتخطيط.

في جملة مختصرة ومفيدة، لم يتغير شيء في الدولة المخزنية، التي قوامُها الاستبدادُ والقمعُ والمنعُ والإمعان في الاعتداء على حريات الناس، وسلب حقوقهم، ودوْس كرامتهم، وانتهاك حرماتهم.

ورغم ذلك، فقد قبلت الطبقةُ السياسية، إلا من رحِم ربّك، أن تصفّق “للعهد الجديد”، وأن توقّع للدولة المخزنية على بياض. طبعا، ليس الحديثُ هنا متعلقا بالسياسيين المخزنيين الأصلاء، الذين كانت أحزابُهم تُوصف بالأحزاب الإدارية، بل كلامي يخص السياسيين “المناضلين”،الذين طالما ربطوا مشاركتهم السياسية بإصلاحات دستورية وسياسية وقانونية حقيقية، تُعطي للانتخابات وللمؤسسات المنتخَبة معنى ولونا وطعما، وتَنقلها من لعبةٍ يطبعها التزويرُ والدعاية والإشهار الكاذب، إلى ممارسة سياسية جديرة بالثقة والاحترام، حيث يكون التنافس شريفا، وحيث يحوز الفائز على سلطاتٍ فعلية، وعلى صلاحيات حقيقية، لتطبيق برنامجه ورؤيته السياسية، إلى موعد انتخاباتٍ جديدة حيث يكون الامتحان حقيقيا أمام الشعب الناخِب، الذي يؤول إليه، بصوته، أمرُ نجاح المُرشحين و رسوبُهم.

في اعتقادي، كان هؤلاء السياسيون، مع استثناء دائما، قد أُعِدّوا، في الطاحون المخزني، إعدادا جيدا ومناسبا ليلعبوا الدور “السيء” الذي لعبوه، قبيل رحيل الحسن الثاني وبعد رحيله، حيث كان عليهم أن يركزوا اعتراضاتِهم، في البداية، على الأمور التي لا تقترب من أصل الاستبداد، ثم شيئا فشيئا، وبعد زمن طويل من التجارب الترويضية، أصبح عليهم أن يردّدوا ما يُملَى عليهم، وأن يجتهدوا في تفسير وتبرير سياساتٍ وقرارات وممارساتٍ لا يدَ لهم فيها، إلا بقبولهم أن يكونوا شياطين خُرْسا حينما سكتوا عن أصل الداء الذي ينخر حياتنا السياسية ويهددنا بالإفلاس الشامل، لا قدّر الله، وراحوا يتكلمون في القشور، مدافعين بذلك عن امتيازاتهم وأوضاعهم الجديدة، التي تردّوا فيها.

هذا هو، في اعتقادي، التزويرُ الكبيرُ الذي عرفته حياتنا السياسية، على الأقل، منذ 1996، تاريخِ إقرارِ التعديلاتِ الأخيرة التي أجريت على الدستور، والتي صوتت فيها معظمُ الأحزاب، وخاصة من أحزاب المعارضة، بـ”نعم”، التي فسروها بأنها “نعم” سياسية، وذلك ليُسوّغوا لدى جماهيرهم موتَ مشروعهم السياسي الذي ناضلوا من أجله طيلة خمسة عقود تقريبا.

وحتى المذكرة التي رفعتها أحزابُ الكتلة الأربعة، الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، في أبريل 1996، للملك بخصوص الإصلاحات الدستورية، فقد بالغ أصحابُها في تقديرها وتقويم آثارها، لأن مقارنة سريعةً وبسيطة بين ما اقترحته المذكرةُ وبين ما منحه الملكُ من تعديلاتٍ في دستور 1996، تبّين أن القصر لم يأخذ من المذكرة، إن كان قد أخذ شيئا، إلا ما له علاقة بالجزئيات والقشور التي لم تقترب من الجوهر، الذي هو سلطات الملك المطلقة التي تهيمن على كل شيء، ولا تترك للمؤسسات المنتخبة إلا الفتات الذي لا يغني قِطْميرا في تدبير شؤون الدولة.

للتذكير، فإن منظمة العمل الديمقراطي الشعبي هي وحدها، من بين أحزاب الكتلة، التي رفضت التصويت بنعم للتعديلات التي أدخلها الحسنُ الثاني، رحمه الله وغفر لنا وله، على دستور 1996.

لقد دشّن مناضلو أيام زمان، إلا قليلا منهم، بتصويتهم على دستور1996 مرحلةً في حياتنا السياسية المعاصرة أعتبرها، كما يعتبرها كثير من الباحثين والمهتمين بالشأن المغربي، تُشكل التزويرَ الكبير والخطير، الذي مكنّ الاستبدادَ أن يُرسّخ وجوده ويقويَ سلطانه ويجددَ دماءه، والذي تم التغاضي عنه، وخاصة لدى الأكاديميين والمحللين السياسيين، بحيث لم ينل الاهتمام الكافي، إلا في مقال هنا أو هناك، أو تصريح من هذه الجهة أو تلك.

هذا التزويرُ الكبير الذي جرى على أيدي السياسيين، الذين طالما عارضوا الاستبداد المخزني، والذين ذاقوا، كثيرٌ منهم على الأقل، الأمرّين من انتهاكات الدولة المخزنية، هو الذي يفسّر اليوم، في رأيي، هذا التغوّل الذي يعرفه النظامُ، والذي بات يفرض حالة من الضغط والاختناق والانغلاق في الساحة السياسية، تهدد بالانفجار في أية لحظة.

ويمكننا أن نقرأ تجلياتِ هذا التزوير الكبير في العناوين العريضة التالية:

العنوان الأول

دستورٌ ناطق بالاستبداد من ألفه إلى يائه، بالعبارة الصريحة التي لا تحتمل التأويل، ثم يأتي المزوّر، فيبرّق عينه تبريقا، معاندا ومكابرا ومُصرا على أنه دستور “ديمقراطي” و”حداثي”، إلى آخر ما نحفظه من الشعارات المخزنية الدعائية الممجوجة.

دستورٌ ممنوح في عهد “تازممرت” ما يزال هو المرجع القانوني الأسمى في عهد أراد له أصحابُه أن يكون جديدا، حداثيا وديمقراطيا، والحالُ أن مقتضيات الحكم الاستبدادي ما تزال هي هي لم يتغير منها شيء، بل تقوّت وتمدّدت وتغوّلت من جراء اجتهادات وممارسات وطقوس وتقاليد مستحدثة ليس لها من أساس قانوني إلا سلطة الاستبداد المطلقة. و رغم كل ذلك، نجد في المُزوِّرين منْ يتكلف الأعذار تكلفا، ويحتال بكل السبل، بما فيها سبيلُ القذف والتجريح والطعن على الخصوم والمعارضين بالباطل واختلاق الأخبار، ليقول إن دستورنا فيه إيجابيات كثيرة لسنا معها الآن بحاجة إلى إصلاحات أو تعديلات أو تغييرات جديدة، بل علينا، أولا، في زعمهم، أن نطبق الدستور الحالي تطبيقا سليما وكاملا.

العنوان الثاني

مؤسساتٌ منتخبة يُراد لها أن تكون واجهاتٍ تجميلةً لقبح الاستبداد الساكنِ وراءها، وفضاءاتٍ محدودةَ الصلاحيات تابعةً للدولة، تردّد مقالاتها، وتزكي سياساتِها، وترقص على ألحانها. ويأتي المزوّر، لا يردعه رادع من دين أو مروءة أو خُلُق، ليصور لنا هذه المؤسسات الصورية تصويرا خادعا، وينفخ فيها حياة ليست لها، فإذا الأشباحُ الهامدة، بفعل الكذب والتزوير، أجسامٌ تفيض حيوية ونشاطا، وإذا الخادم المأمور سيدٌ يأمر فيُطاع، وإذا البرلمان وسائرُ المجالس المنتخبة مؤسساتٌ مستقلة ومسؤولة، تقرر في التشريعات والسياسات والتخطيطات والميزانيات، وتراقب وتحاسب!!

مؤسساتٌ مصنوعةٌ بمقاسات وصلاحيات محسوبة بالميليمتر، لتكون أداة مطواعة بيد الدولة، تُبيّض سوادَها، وتُسوّغ أخطاءَها، وتُصدّق لها على القوانين المطلوبة، والمشاريع المرسومة. أما المزوّرُ، فلا يفتأ يحدثنا عن “الحداثة” و”الديمقراطية”، والأغلبية والأقلية، والأحزاب “الحاكمة” والأحزاب المعارضة، واليمين واليسار، و غير هذه من الأسماء والأوصاف، ليوهمنا، طبعا بالكلام لا غير، بأن جسمنا السياسي هو في وضع المعافى السليم، بل في وضع النشيط المنتج الذي لا يكف عن إغناء رصيدنا السياسي والحقوقي بالإضافات الإيجابية والنوعية.

العنوان الثالث

وزراء، ومدراء، ورؤساء مجالس وإدارات، ومنتَخَبون، ومظفون كبار وصغار ومتوسطون، منتخَبون أو معَيَّنون، كل أولئك أعوان وخدّام وأدوات لتنفيذ قرارات الدولة وبرنامجها وسياساتها؛ فالجميع وعاء لتلقي الأوامر والتعليمات، ليس لأحد أن يقول بشيء في سياسات الدولة وقراراتها الخطيرة وما ترسمه من مخططات لها آثارها العميقة على المديين المتوسط والبعيد. طبعا الحديثُ هنا يتعلق بالسياسات الاستراتيجية للدولة، وبالقرارات الحساسة ذات الآثار البعيدة. أما خارج هذا، فلهؤلاء الأعوان هامشٌ واسع للاجتهاد بخصوص القرارات المتعلقة بجزئيات التنفيذ، كتعيين موظف، وصرف هذه الميزانية أو تلك، وتنظيم مهرجان، والترخيص لبناء عمارة أو انطلاق مشروع استثماري محدد، وغير أولئك من المجالات التنفيذية التي تدور في فلك السياسات الكلية للدولة.

ثم يأتي المزوّر، وبوجه لا يعرف معنى الحياء، ليقول لنا أن السياسات المتبعة هي سياسات حكومة “مستقلة” و”مسؤولة” ناشئة عن انتخابات ديمقراطية، وأن الوزراء هم منفذون لبرنامج أحزاب الأغلبيةـ وهل للأغلبية والأقلية، أصلا، معنى في اللعبة المخزنية؟-، إلى آخر هذه الحكاية المضحكة المبكية المنسوجة من مادة الكذب والعناد والجحود بالواقع.

وبعد، فإني أرى هذا التزوير الذي يقوم عليه اليوم سياسيون محترفون من معارضي أيام زمان هو أكبر وأخطر من التزوير المخزني المعروف؛ فهذا لا يخفى على أحد، وهو معروف بفاعله ووسائله ونتائجه. أما التزوير الكبير، فهو متخف وراء أكثر من قناع، يدبّ إلى الناس دبيبَ الكرى، ويحتال بخطابات الحداثة والديمقراطية، ويركب صهوة الماضي “النضالي العتيد”، وما يزال يلعب بأوراق مناضليه من ضحايا “سنوات الرصاص”، حتى يوقع في الأوهام أن الأمر يتعلق بحقيقة لا تشوبها شائبة من كذب أو زور، وبجد لا يخالطه هزل.

وليس غريبا، في مجتمع خضع، وما يزال، لكل أنواع التزوير والتمويه والتمييع، تحت وطأة الدولة المخزنية الجبرية، أن يكون هناك دائما من ينخدع بألحان الخطابات والشعارات والأقوال.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.