ترى هل بوسعنا أن نفهم شيئا في ما يقع منذ مدة بهذا البلد الأمين، فالذي يتابع كيفية تعامل المخزن مع عديد من القضايا داخل البلد يقلب أخماسا لأسداس عساه يستطيع أن يظفر بشيء يحمل أدنى حد مما يتفق عليه العقلاء ويقبله المنطق السليم.

الذي يتابع الضجة التي أحدثها المخزن على هامش حدث اعتقال ولد سلمى وما قيل فيه من العجب العجاب حول الحريات والحقوق، الذي يرى هؤلاء الذين استفاقوا فجأة ليحدثونا عن الحرية :حرية الرأي وحرية التعبير والحق في الصدع بما يعتقده المرء، يكاد يصدق فعلا أننا في دولة تحترم حقوق الإنسان وتدافع عنها.

الذي يرى كيفية تغطية القنوات الرسمية لأحداث مليلية وخروج شبان من أصول مغربية للمطالبة بالشغل، يكاد يؤمن بأننا أمام دولة متهممة بحق الناس في الشغل والعيش الكريم.

الذي يسمع تصريح وزير الخارجية حول تعامل بعض الصحفيين الدوليين مع أحداث العيون والدروس التي ألقاها سعادته على مسامع الصحفيين في ضرورة احترام المهنية ومراعاة الموضوعية يتوهم أننا في قلعة حصينة لحرية الإعلام.

الذي يقرأ عن رفض استقبال زعيم الصهاينة بالمغرب يتأكد لديه أننا دولة ترفض التطبيع مع الكيان المغتصب، وتحترم شعور الملايين من هذه الأمة المحتضنة لقضية القدس وفلسطين.

الحمد لله، الذي يتبدى من هذا كله أن مخزننا قد وعى أخيرا انه لا ملجأ ولا منجى إلا في الاصطفاف إلى جانب الحق وأهله، والاستماع إلى نبض الشعب ورغبته في الإنعتاق من قيود ذل دام قرونا وقرونا.

لكن… دعونا نسأل أسئلة بريئة، غايتها يشهد الله أن نزداد يقينا في هذا الذي نراه جديدا غريبا على مخزن خبر الكل تاريخه في كل ما يمت بصلة إلى انتهاك الإنسان وحقوقه وكرامته.

نسأل مخزننا التائب؟!:

– تدافعون عن حق الإنسان في التعبير عن رأيه السياسي بحرية، وعن حقه في الأمن الشخصي والنفسي والاجتماعي!! أين حق باقي المغاربة في التعبير عن رأيهم؟ وحقهم في الأمن والطمأنينة لما اعتقل الآلاف من أعضاء جماعة العدل والإحسان، اعتقل الأطفال والرضع والنساء والشيوخ والشبان؟ أين حق معتقلي فاس الجدد في الأمن هم الذين اختطفوا من بيوتهم وعذبوا وأهينوا بسادية مغرقة في الجبروت والظلم؟ أين حق المعتقلين السياسيين الستة في المحاكمة العادلة؟ أين كانت الحرية لما اخترقت حرمات الناس في بيوتهم وأرزاقهم وأمنهم؟

– تدافعون عن حق الناس في التظاهر من أجل الشغل لكن أين حرية الناس في التظاهر لما ضرب المعطلون؟ والذي يرى ما تفعله العصا الغليظة بظهور من يعتصم أمام البرلمان يفهم جيدا معنى الحرية المقصودة عند مخزننا؟ أين دفاعكم عن آلاف المعتصمين والمضريبين الذين تسرق ملايينهم جهارا نهارا؟.

– تدعون الصحافة الدولية لاحترام المهنية والحرية والحق في التعبير وتقدمون على إغلاق قناة الجزيرة وتعليق أنشطتها في زمن الطرق السيارة، لعلكم لو استطعتم إغلاق السماء حتى لا يسمع فيها غير صوتكم وإجلاب خيلكم ورجلكم لفعلتم!! ولكن هيهات هيهات أن يسد غربال مثقوب نور شمس متدفقة! أين حرية الصحافة لما قدتم الصحفيين إلى السجن، وصادرتم الصحف، وصمت قنواتكم آذانها عن شكوى الناس وهمومهم؟!.

– ترفضون التطبيع مع الكيان الصهيوني ثم يسمح باستقبال رئيس برلمانهم واستضافة فنانيهم؟ ويستقبل العالم المتضامنين مع غزة العائدين من أساطيل الحرية بالورود والزغاريد وتستقبلونهم بالعصي والهراوات والاستنطاقات؟!

ما هذه الغرائب والعجائب التي لا مثيل لها في بلاد إلا عندنا.

نعتقد أن مجمل هذه السلوكات تدل دليلا واضحا على افتقاد البلاد لبوصلة تقودها ولمنطق يحكمها.ونظن ظن اليقين أنه ليس للثعلب دين وإن لبس مسوح النساك وصوف الزهاد.

إن كلمة الحق الفصل المفتاح قوله تعالى: إن الله لا يصلح عمل المفسدين.