لم يكن الفاتح من نونبر 2009 يوما عاديا في حياتهم ويوميات أسرهم وفي مسيرة دعوة العدل والإحسان، بل كان يوما تاريخيا بامتياز لِما رسموه من صمود وثبات ولِما رصَّعته جماعتهم من احتضان ووفاء، يومٌ لخَّص تجربة طويلة وقاسية، واختزل مشروع مدرسة في البناء التربوي للإنسان والصياغة السياسية للموقف.

فقبل عام من اليوم أفرجت السلطات المغربية عن أحد عشر معتقلا من معتقلي العدل والإحسان بسجن بوركايز بفاس، بعد أن قضوا 18 سجنا وراء قضبان ظلما في سجون المخزن المغربي، في ملف شابه الكثير من الخروقات القانونية والعسف الحقوقي بحكم خلفيته السياسية المعروفة، في حين بقي الدكتور بلقاسم التنوري وراء القضبان لاستكمال المدة السجنية.

وفاء متبادل

في يوم الإفراج استقبل الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين الإخوة المفرج عنهم، وهنأهم، وذكرهم بنعم الله عليهم في السجن، ودعاهم للصفح والعفو عمَّن ظلمهم، وحذر من حكم الغلمان والأغيلمة والغلمة، وذكر بثوابت الجماعة وعلى رأسها نبذ العنف والجهر بكلمة الحق والصدق في وجه الظالمين المستبدين.

وهنأت جماعة العدل والإحسان المعتقلين على ثباتهم وصبرهم، وباركت لذويهم وعائلاتهم عودة الأبناء والأزواج والآباء، واحتفت بهم في حفل بهيج، وأكدت أنها ماضية في منهاجها التربوي ورسالتها الدعوية وموقفها السياسي، مقتحمة العقبات التي تعترضها في سبيل عملها لصالح المجتمع والوطن والأمة)، وأضافت بأن سنوات الحيف قد انتهت وباء الجلادون – مَنْ كَسَر العظام ومن لفق التهم ومن نطق بالأحكام- بوزرها دنيا وأخرى، ونال المعتقلون الأفاضل أجرها بما قاسوا وصبروا، وبما حفظوا من كتاب الله، وحصلوا من العلوم، وأحرزوا من الشهادات العليا. وبقيت الجماعة بحمد الله قوية ثابتة ما هانت وما ركعت).

ورد المعتقلون على التحية بمثلها فأحسنوا القول، بعد أن أجادوا الفعل، وصاغوا كلمات بيِّناتها هي ذي سفينة التمحيص والبلاء قد استوت على جودي التخليص والوفاء، بعد أن وقانا اللطيف بالعباد سيئات ما مكر الماكرون. ودفع عنا الحكيم العليم زور وبهتان ما جاء به الأفاكون الخراصون. ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الكَاذِبُونَ﴾)، وأوضحوا سياق الملف لما يئسوا أن تخضع جماعة “العدل والإحسان” لمساوماتهم السخية صبوا علينا سوط حكمهم الجائر عشرين سنة. حسبوه شرا مستطيرا نزل بساحتنا، بل هو الخير العميم انقلبنا منه بعفو من الملك القدير وعافية وفضل، لم يمسسنا سوء ولا رهق ولا ذلة، والله ذو فضل عظيم)، وأضافوا موضحين إن توالي مسلسل القمع والإقصاء على جماعة العدل والإحسان، والإصرار المستميت على إسكات كل الأصوات الأبية المنادية بالحرية والكرامة والعدل، لمما يكرس معاناة وتقهقر الشعب المغربي المستضعف المكلوم، ويبين بجلاء زيف ما يرفعه المسؤولون من شعارات هي التدجيل والخبال: الإنصاف والمصالحة وطي صفحة الماضي الأليم ودولة الحق والقانون.

)وبعد حوالي عشرة أشهر سيلتحق الدكتور “بلقاسم التنوري” بإخوانه ويعانق الحرية مُنهيا بذلك ملف “طلبة وجدة” الذي يعد من أبرز ملفات الاعتقال السياسي في المغرب، وهي الملفات التي لم تنته، وكان متوقعا ذلك، في حق جماعة العدل والإحسان، إذ ستفتح الدولة ملفا آخر هو ملف معتقلي العدل والإحسان السبعة بفاس.

سياق الملف

يذكر أن السلطات المخزنية المغربية كانت قد اعتقلت “طلبة وجدة” يوم الجمعة 1 نونبر 1991، ضمن سلسلة من الاعتقالات التي شملت عددا من الطلبة ومسؤولي العدل والإحسان، ورقةً للضغط على قيادة الجماعة كي تعترف بشرعية النظام الحاكم وتُخفِّض من سقف موقفها وخطابها السياسي. خاصة وأن هذه المرحلة تميزت ببروز قوي للجماعة تمثل في محاكمات مجلس الإرشاد سنة 1990، خصوصا يوم 08/05/1990 المشهود، ومحاكمات أعضائها على طول خارطة المغرب، ثم الوقفات التي ساهمت في تأطيرها، كمسيرات التضامن مع العراق، ومسيرات فاتح ماي 1991. ناهيك عن الحضور القوي لفصيل طلبة العدل والإحسان بالجامعات المغربية.

ومن تمَّ أقدمت أجهزة الدولة على فبركة ملف جنائي ضد عدد من طلبة العدل والإحسان ولفقت لهم تهمة قتل طالب يساري هو المعطي بومليل، واقتادتهم لمحاكمة سياسية عارية عن أي أساس قانوني سليم، لتصدر غرفة الجنايات حكمها بتاريخ 10/01/1992، والذي قضى بمعاقبة أحد عشر طالبا منهم بعشرين سنة سجنا نافذا. ولتستكمل السلطات ملفها المشوه يوم 19/08/1992 حيث اعتقلت الطالب بلقاسم التنوري لتقضي في حقه هو الآخر بـ20 سنة سجنا نافذا يوم 19/01/1994.

وتميزت جميع مراحل أطوار المحاكمة بالعديد من الخروقات القانونية والحقوقية التي سجلتها هيئة الدفاع، منها انعدام أية حالة من حالات التلبس، وغياب الطرف الثاني الذي تدِّعي السلطات أنه وقع الشجار والاقتتال معه، وتزوير المحاضر والإرغام على توقيعها تحت التعذيب والإكراه، وتجاوز مدة الحراسة النظرية، وخرق علنية المحاكمة، وغياب الإثبات القانوني، وعدم إحضار شهود النفي وكان من بينهم رئيس جامعة محمد الأول بوجدة ومدير جريدة المواطن السياسي. (انظر موضوع “قضية طلبة العدل والإحسان المعتقلين بين التوظيف السياسي والخروقات القانونية”.

للمزيد من التفاصيل حول حدث الإفراج وأسباب الاعتقال، طالع ملف معتقلو العدل والإحسان.. درس في الثبات والصمود.