ما يهم من خلال ما نشره موقع ويكيليكس، هو أن هناك انتهاكات لحقوق الإنسان في عراق ما بعد صدام. انتهاكات لا يخلو منها حكم عربي، كل حسب تاريخه وراهنه السياسي.

من يتتبع الوقائع في العالم الحديث و كيف تتفاعل فيما بينها، يدرك أن خرق الحريات والترامي على الحقوق مكشوف مفضوح لا محالة، إنما هي قضية وقت تتسارع الأحداث لتحيينه.

فمتى سيحين الوقت الذي تكشف فيه كل الانتهاكات المرتكبة في حق المواطن المغربي، ومن سيعلق جرس الإنذار حول هذه الانتهاكات أو يدق هذا الجرس.

الخروقات الحقوقية في المغرب تكاد لا تحصى، بدءا بالحق في التعبير، إلى حرية الرأي المعارض، إلى حرية الصحافة، إلى حريات التجمع والعمل النقابي والمدني….

الأنباء الراشحة من سجون العهد الجديد تزخر بروايات التعذيب والانتهاك السافر لحقوق الإنسان، حيث لا يزال السجان والزبانية المأجورون يمارسون من وسائل القمع والإرهاب ما يحرم في كل التشريعات والقوانين وتمجه الإنسانية السليمة السوية.

فكيف بدولة تدعي حماية الحرية الفردية و توقع على المواثيق الدولية في هذا الشأن أن يتجرأ جهاز أمنها على الضرب و الشتم والسب والقذف على الملأ، وفي تظاهرات المعطلين أو في وقفات الاحتجاج ضد الاختطاف والاعتقال التعسفي.

حالة السجون في المغرب الجديد، حدث ولا حرج، ناس يفترش بعضهم البعض من كثرة الازدحام، وزنازن مهترئة تفتقد لأبسط مرافق الحياة كالمرحاض النظيف أو الفراش اللائق بكرامة مواطن والغداء البسيط.

هذا عن المعتقل، أما ما يسبقه من الاستنطاقات ولوازمها، فاقرأ مآسيها إن شئت في مذكرات المعتقلين، أو تقارير الهيآت الدولية المعتبرة في الباب.

يحشر المتهم المسكين الأعزل في دركات سراديب خارج التصنيف، حيث يستقبله نوع من البشر لا يعرفون من المهارات غير الجلد والتعذيب، فتبدأ العمليات في مجملها، إذا تعلق الأمر بمعتقل رأي، تبدأ بالتهديد و العنف اللفظي: ليكن في علمك أنه في هذا المكان اعترف الوزير الأول وبعض الوزراء وبعض أعضاء الأحزاب والنقابات…)، في هذا المكان انتزعت كرامة فلان، النقابي المشهور والمعارض المعروف)، ما رأيك أن تعترف أو …). وغيرها كثير من أشكال الإرهاب النفسي والتعنيف الجسدي.

فإذا كانت تقارير ويكيليكس تعيب على المحتلين في العراق استعمال العنف اللفظي والإهانة والاحتقار في حق المواطنين العراقيين، فمن سيضرب على أيدي بعض الأجهزة التي تكسر الأبواب على المواطنين في ساعات متأخرة من الليل، كما حدث مع مختطفي العدل والإحسان بفاس. ومن سيآخذ من اقتحموا المنازل وقيدوا الآباء بعد تعنيفهم على مرأى ومسمع من أبنائهم وأزواجهم وجيرانهم. ومن سيتابع من دخلوا على النساء في غرفات النوم ، ومن صادروا أسرار العائلات في الصور والفيديوهات والأقراص المضغوطة.

وإذا كانت تقارير ويكيليكس تطالب بتطبيق العدالة في حق من كونوا الفرق الخاصة للتعذيب والخطف في العراق، فمن سيتابع الفرقة الوطنية ومثيلاتها من الأجهزة المعروفة والخفية حول أشكال التعذيب التي تمارسها من قبيل الضرب على الرأس، والجر على الأرض، واستعمال الطيارة والخنق بالماء، والصعق بالكهرباء، والشيفون، واستعمال القنينات الخبيثة، والعبث بالأجهزة الحساسة، ومحاولات الاغتصاب….

وإذا كانت تقارير ويكيليكس تدعو إلى معاقبة من تستروا على جرائم الحرمان من المحاكمة العادلة أو ساهموا في هذا الحرمان، فمن سيعمل على ذلك لمقاضاة من منعوا حضور جلسات المحاكمات حتى على الأقارب والمحامين في سابقة خطيرة تذكر حقا بأجواء المحاكمات العسكرية. ومن سيحقق في العنف الممارس على من حضروا لمآزرة المختطفين يوم المحاكمة.

ما أشرف أن يعترف المجرم، ولو مع نفسه أو على وثائق سرية. وما أحقر أن يمارس المجرم أفعاله من غير أثر، إلا الآثار المطلة من على أجساد أو أنفس أو أعراض أو أرزاق من انتهكت حقوقهم.

إن أعمالا مجرمة في القوانين الدولية مثل هذه، تحتاج إلى ويكيليكس من نوع خاص، خبير بالممارسة العنفية العربية التي ترتكب جرائمها في صمت مطبق ومن دون أثر.

فأي مغرب نريد به دخول عالم المنافسة، وأية مؤسسات نريد بها تحقيق الحكامة الجيدة، وأية حقوق نريد بها بناء مواطنة فاعلة.

إن العقلاء يراهنون على الأسباب لتحقيق النتائج، أما غيرهم فيسوقون الوهم بكل تلويناته للحفاظ على مركز نفوذ زائل.

لا مفهوم لدولة حديثة إلا بمسؤولية مؤسساتها، ولا معنى للمسؤولية إلا بمواطنة صادقة بعيدة عن المزايدات، ولا مواطنة حقة إلا بحريات مصونة وحقوق مضمونة.