هذه قولة مشهورة مرتبطة بواقعة ملخصها أن الإمام أبا حنيفة النعمان، رحمه الله، جلس ذات يوم جوار أحدهم خُيل إليه من هيئته ووقاره أنه ذو علم وفهم، فكان من مقتضيات الأدب والتواضع أن جمع الإمام رجليه رغم الألم الذي كان يعانيه.

وبعد هنيهة طلب الجالس الوقور ماء ليشرب، فلما قضى حاجته استزاده الساقي فكان جوابه: “يكفوني…” عند ذاك أطلق الإمام رجليه، وقال قولته المشهورة: كفاني منك يكفوني، آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه…).

كلمة واحدة صدرت عن “متظاهر” كانت كافية ليعرف الإمام حقيقة الجالس قربه ومقامه… وأنا أسوق هذه الحكاية المثال لكل من يدعي أنه قائم على دولة تراعي الحقوق وتطبق القانون، ولكل ساكت عن الحق، ممسك عن النطق، أو مُتَّهِمٍ غيرَه بالاستقواء بالأغيار من الحقوقيين الأحرار على “أهل الدار”.

أقول لهم، لا بحالي كمعتقل فقط، بل بحال ملايين المغاربة المقهورين: كفاني منكم حال البلاد والعباد، فهي أصدق ناطق على بوار الحقوق تحت وطأة الفساد، وهي أوفى عربون على دولة المظاهر…).

وبلغة “كفاني” أقول: حسبي أن أقدم عناوين وإشارات عن هدر الحقوق والقيم نتيجة الأزمات والأوبئة التي تعيشها “دولة الحق والقانون” المزعومة.

كفاني مثالا أنك لا تكاد تجد مواطنا مغربيا يحس بالأمن عند ذكر رجال الأمن المغاربة، لما عرف عن بعضهم من خروقات تصل حد بث الرعب في النفوس واللاثقة في الأداء… ولعل الوباء كل الوباء آت من الأجهزة الأشباح المندسة وسط هذا الجهاز الكبير الذي من المفروض أن يكون محط تقدير كل المواطنين… حيث ينضوي من بين من ينضوي تحت هذه المؤسسة جهازا مخابرات هما جهاز مراقبة التراب الوطني (الديستي) وجهاز الاستعلامات العامة (الآئرجي)، عطلا وظيفتهما الأساسية في مراقبة ورصد كل ما يهدد أمن المواطنين وسلامتهم، سواء تعلق الأمر بما يحاك من الأعداء الخارجين المندسين داخل الوطن أو فيما يتعلق بالجريمة والجريمة المنظمة التي سارت بذكرها الركبان… وأصبح همهما ـ كل الهم ـ اصطياد الشرفاء ومحاولة الإيقاع بهم، ومساومتهم تارة بالترغيب وتارة بالترهيب…وإحصاء أنفاس الأحرار، والتضييق عليهم في حركاتهم وسكناتهم… لا لشيء، إلا لكونهم يريدون لصوت الحق أن يسمع، ورفضوا أن يقولوا “نعم” من داخل المستنقع.

وكفاني مثالا جهاز قضاء ارتضى بعض النافذين فيه لأنفسهم أن يكونوا عملاء، وأدوات مسخرة في يد جهازي المخابرات المذكورين سلفا وفي غيرهما من ذوي النفوذ… وإنها، لعمري، أكبر مهانة تعيشها العدالة المغربية في زمن الرضوخ للتعليمات.

وللحالمين باستقلالية القضاء المتشوفين إلى نزاهة المحاكمات نقول: لكم في الوقائع اليومية وفي أحاديث الركبان ما لفظاعته تشمئز الأنفس وتقشعر الأبدان.

وبين هذا وذاك كفاني، وكفاك معي، أن يكون الجهازان ـ الأمن والقضاء ـ بيدي وزارتي “سيادة ومهابة” “لا يأتيهما الباطل من بين يديهما أو من خلفهما…”

لقد اقترن اسم الأولى منهما بصفة سرت على ألسن جميع المغاربة : “أم الوزارات” فكانت وزارة الداخلية هي الآمر والناهي في البلاد، ولا زالت يدها تطول لتهيمن على أكثر من اختصاص… ونظرا لنفوذها وذيوع صيتها تخرج منها “حكماء” نطقوا بما فيهم من عنجهية وخيلاء، لا يخلوان من ازدراء وافتراء شاهدين بمقولاتهم الشهيرة على بوار الحقوق والحريات. فقال أولهم عن محاصر في داره عقدا من الزمن: نحن لا نفرض عليه إقامة جبرية، بل هي حماية إنسانية: نحميه من نفسه؟؟؟) وقال الثاني: من أراد النزول إلى الشواطئ فلينزل إليها بشروطها وآدابها ولباسها المتعارف عليه…)؟؟؟ وقال الثالث: إنه بتكثيفها لأنشطتها تكون جماعة العدل والإحسان قد وضعت نفسها خارج القانون…)!!!

وسيأتي زمان تُجمع فيه سخافات العهدين “القديم” و”الجديد” في سجل أسوإ تاريخ…

أما في الوزارة الثانية فيكفي أن تسمع عن هذا “مرتشي”، وعن الآخر خاضع لأجهزة بعيدة عن دوائر القضاء لتعرف مسار القانون في البلاد، ومصير العدالة تحت وصاية “النبلاء الأسياد”.

وبعد… كفاني منك أيتها الدولة المتظاهرة بالحق والقانون ما يعيه ملايين المغاربة من بؤس وشقاء… نهبت شرذمة نافذة خيرات البلاد، وأغرقت العامة في سوق الانحطاط والفساد: أمية وجهل وتفقير، وعطالة، وسياحة جنسية، ومهرجانات ميوعة وتبذير… وسوء تدبير بإصرار وعناد… فأين الحق في العيش الكريم يا من يضحك على الذقون؟؟؟ يا من ينطق زورا على رؤوس الأشهاد؟؟؟

كفاني منك “يكفوني” وأنهم بجرمك “صنفوني” في آخر الدرجات بين العباد…

وبلسان جميع المغاربة أقول: كفانا منكم ويكفينا أن أجهزتم على حقوقنا، وحطمتم كرامتنا، وقتلتم أحلامنا… وأضحينا بسفاهتكم حديث كل نادي. فإلى الله المشتكى وإليه نبرأ من كل متجبر معاند متنكب سبيل الرشاد.

عبد الله بلة، أحد معتقلي جماعة العدل والإحسان السبعة بسجن عين قادوس ـ فاس.