القضاء

القضاء جهاز مستقل في دساتير الدول، واستقلاليته تؤهله ليحمي الأفراد والجماعات من شطط السلطة الحاكمة. وقوة استقلالية القضاء ونزاهته تقوي ثقة المواطنين في نظام بلدهم السياسي، إذ لا معنى لدولة قضاؤها مرهون بإرادة الحاكم الذي يوظف القضاء لتصفية الحساب مع خصومه السياسيين بمطرقة هذه السلطة.

وقد ظل القضاء المغربي ومنذ عقود خلت محل اتهام الفاعلين السياسيين الذين كانوا ضحايا محاكمات صورية تعقد جلساتها لإضفاء “الشرعية” على اغتيال الحقوق والحريات، مثلما أدين من طرف المؤسسات المالية الدولية؛ عندها اضطر الملك الراحل الحسن الثاني إلى تحديد الآفات الثلاث التي هددت استقرار المغرب بالسكتة القلبية وجاء القضاء على رأسها متبوعا بفساد الإدارة وعقم النظام التعليمي.

ومنذ ذلك التاريخ لا يكاد يخلو الخطاب الرسمي من ضرورة إصلاح القضاء، فعقدت الندوات والملتقيات وتدارست المعضلة لتخلص إلى ضرورة تحديث دواليب مؤسسات القضاء وتجهيزها بأحدث الوسائل ورفع عدد العاملين في القطاع وتحسين دخل السادة القضاة، دون التجرؤ على الحديث بأن معضلة القضاء جزء من المعضلة العامة لتدبير الشأن العام للبلاد، وإلا من يكبل جهاز القضاء ويسلبه استقلاليته ويرهنه بالتعليمات؟

كلمة حق أريد بها باطل

لا يخجل المسؤولون الحكوميون، ومن يمني نفسه أن يلتحق بركبهم يوما، أن يرددوا في الفضائيات: “نحن في دولة الحق والقانون، والجميع سواسية أمام القانون”؛ “القضية أمام القضاء الذي سيقول كلمته”؛ “قال القضاء كلمته”. والأدهى من ذلك أنهم أحيانا يسبقون القضاء فيوجهون التهم ويصدرون الإدانات، وكأن هذه المحاكمات شرائط سينمائية شاهدوها قبل الجمهور المغربي، وإلا عن أي استقلالية للقضاء وعن أي قانون يتحدث هؤلاء في قضية مختَطفي العدل والإحسان بفاس؟ هل يعتبر هؤلاء المخزنيون الجدد مداهمة البيوت في ساعات متأخرة من الليل والاختطاف والتعذيب والتنكيل ونهب الممتلكات سلوكا مقبولا قانونيا؟

واليوم، وبعد شهور من الاعتقال قرر القضاء بدء محاكمة مختطََفي العدل والإحسان بفاس في أجواء أشبه بمحاكمة عسكرية، إذ سارع المخزن لتطويق محكمة الاستئناف بفاس بكل أنواع أجهزته الأمنية في صورة تكشف “الجهود” المبذولة لعسكرة البلد وتسخير مقدرات البلد لاقتناء أحدث وسائل القمع على حساب تأهيل البنية التحتية من طرق وقناطر وإنشاء المدارس والمعاهد وتوفير شروط الاستثمار المحلي قبل الأجنبي وتحرير فئات عريضة من الشعب من طوق الفقر في أعالي الجبال وضواحي المدن حيث تفتقد معاني الكرامة الآدمية.

سلوك مخزني يدفع لمساءلة من صرحوا بالأمس القريب أن في البلد قانونا وقضاءً يجب الاحتكام إليه: أين هي شروط المحاكمة العادلة وأبسط مظاهرها العلنية؟ وهل هناك محاكمة دون تمكين المتابعين من الحق في الدفاع؟

ارفعوا أيديكم عن القضاء

حديثنا عن القضاء المرتهن بقرار سياسي كجهاز، لا يعني أن ليس فيه قضاة نزهاء مستقيمون، ولكننا نتحدث عن الوضع العام للجهاز والذي يشكو من تشويش للسلطة التنفيذية أو توجيهها له من خلال فبركة المحاضر وكيل التهم، كما حدث في قضية مختطًفي العدل والإحسان بفاس. فالجهاز القضائي في شخص النيابة العامة لا علم له بحالة تدخل أعوان المخزن ومداهمتهم لبيوت المختطًفين، والحال أن الأجهزة الأمنية لا تتحرك إلا بأمر من وكيل الملك، هذا من جهة المبدإ والأساس القانوني. أما الخروقات الجسيمة في حق المختطًفين فقد سارت بأخبارها المنظمات الحقوقية وصمت آذان المسؤولين عن سماعها، وإن أجبروا على التعليق عليها أنكروها ولوحوا أن على المتضررين الالتجاء إلى القضاء وطلب خبرة تحقيقها ومتابعة الجناة فيها أبعد من المريخ، لأمر بسيط هو أن المتورطين في مثل هذه الخروقات ينفذون أوامر وتعليمات فوقية أن كسروا عظام فلان، وأطلقوا سراح ابن الوزير وأغلقوا ملف المتابعة في حقه: إنه ابن الوزير ألا تفهمون؟

مسكين قضاؤنا يحتاج لعملية تضامن وحملة جمع توقيعات وتأسيس جمعيات من فاعلين من المجتمع المدني وانطلاق قوافل تجوب المغرب شرقا وغربا، شمالا وجنوبا لحشد تعبئة شعبية تمكن القضاء من استقلاله.

مفارقـة عجيبـة

سبق قبل سنوات أن نظر القضاء في قضية بابتدائية بني ملال تقدم فيها المندوب الجهوي لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وقتذاك بشكوى ضد أحد موظفيه يتهمه بالتهديد بالقتل في مكتبه، وكان قرار المحكمة أن أدين المشتكى عليه بشهرين مع وقف التنفيذ، ولم يتطلب الأمر مداهمة بيت المشتكى عليه ولا العبث بمتاع بيته ولا نهب ممتلكاته، بل توبع في حالة سراح عكس ما حدث في قضية المختطًفين السبعة بفاس ما يدل -بما لا يدع مجالا للشك- أن المخزن يصفي حسابه مع جماعة رفضت الخنوع، وهي بذلك تدفع ثمن مواقفها الرافضة للاستبداد.

هكذا يصر المخزن على أن يستمر في نهج سنوات الرصاص لأنه من شب على شيء شاب عليه، أما ما طفا على السطح من انفراجات فلا يعدو أن يكون مناورة لإعادة التموقع والانتشار ليُستأنَف مسلسل الإجهاز على حقوق وحريات من يراهم المخزن يهددونه الشرعية ويفسدون عليه نشوة ما يسمى “الإجماع الوطني”.

الكيل بمكيالين

لا يسع المتتبع لكيفية توظيف المخزن لملف اعتقال مصطفى سلمي ولد سيدي مولود القيادي في البوليساريو وتحريك الآلة الدبلوماسية والنسيج الجمعوي تنديدا بإقدام أجهزة الاستخبارات الجزائرية على اعتقاله وتعذيبه، وإن كنا من حيث المبدأ ضد سلب حرية أي إنسان ومنع الناس من التعبير عن قناعاتهم، فلماذا يضيق صدر المخزن من موقف تنظيم مدني سلمي رافض للعنف فيعلن الحرب عليه ويسخر في ذلك إمكانيات الدولة: وكالة أنباء، أقلام مأجورة، شخصيات حزبية -تخطب ود المخزن- ليزج بزمرة من خيرة أبناء هذا البلد في محاكمات رأي وتصفية سياسية.

ألا فقليلا من الحياء السياسي، وقليلا من الجرأة والإرادة السياسيتين لتصحيح مسار سفينة البلاد، وتوفير شروط انخراط الجميع في ورش التعبئة والبناء الحقيقي إنقاذا لما يمكن إنقاذه، قبل أن يستفحل البؤس وتستشري الأزمات الاجتماعية التي يؤشر عليها اقتراض المغرب مؤخرا لمليار أورو، في وقت تبذر فيه مقدرات البلد في مشاريع وهمية ومهرجانات الفسوق ونشر الفواحش.