مدخل

كثيرة هي القضايا التي تتسابق لتحظى بمكانتها اللائقة ضمن أولويات إشكالاتنا الوطنية. وكثيرون هم الفاعلون الذين يتزاحمون لتقاسم وتبني هذه القضايا، ويجعلون منها مادة وموضوعات لمطالباتهم ومعاركهم النضالية. يلتقون في بعضها مع الفاعل الرسمي متمثلا في القصر، كقضية الصحراء وملف سبتة ومليلية والجزر المستعمرة. ويختلفون معه في البعض الآخر وهو الأعم والأكثر، كقضايا الفقر والأمية والتعليم وقضية المرأة والقضية الأمازيغية والديمقراطية والحكامة واستكمال شروط إرساء دولة الحق والقانون والشفافية والمساءلة. وهي القضايا نفسها التي يدعي الفاعل الرسمي بأنه يوليها اهتمامه. ويجتهد في تدبيرها، لكن بشروطه ووفق تصوره الخاص والفريد الذي يظل في كل الأحوال بعيدا عن أي إجماع أو توافق وطنيين.

في هذا المقام لن أتحدث عن القضايا الخلافية بين القصر وجهازه الحكومي وبين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، فهي كثيرة وتحظى عموما باهتمام ووعي من قبل كلا الفاعليْن الرسمي وغير الرسمي، لكن كل حسب أجندته وزاوية مأخذه. كما أنه لا يمكن الإحاطة بها في هذا المقام.

سأتحدث إذن عن المشترك والمتفق عليه بين القصر وبين باقي الفاعلين من أحزاب ومنظمات وجمعيات، من حيث المبدأ وليس من حيث أسلوب التناول والتعاطي والتدبير. وهذا المشترك والمتفق عليه هو ملف تحرير الثغور المحتلة سبتة ومليلية والجزر من قبضة المستعمر الاسباني وملف الصحراء.

هذا الإجماع الحاصل حول قضية الصحراء وحول ملف سبتة ومليلية لم ينعكس بالإيجاب على مستوى الإشراك الفعلي والحقيقي من طرف النظام لمختلف الفاعلين والمهتمين. فالقصر مازال يمسك بكل تفاصيل هاتين القضيتين المحوريتين والحيويتين لكل المغاربة. بدء بتصور سيناريو معالجتهما وحلهما، وإبداع أشكال ومبادرات المطالبة بتسويتهما. لكنه يهمل أي إعمال لمبدأ التشارك والتشاور والحوار الذي يقتضيه تدبير ملفات بهذا الحجم وبهذه الأهمية.

هذا الاستئثار وهذا التحكم بشأن هاتين المسألتين لا يختلفان في شيء عن استبداد النظام بمجمل مصير وقضايا الشعب المغربي جِلها ودِقها. فكما أن النظام لا يحتفي برأي المواطن في اختياراته، ولا يعبأ بتطلعاته وانتظاراته. فإنه لا يلتفت إليه فيما هو أدنى من ذلك ولا فيما هو أسمى منه.

أولا: الصحراء، إرث وأثر

قبل التطرق إلى ملف سبتة ومليلية موضوع هذه المقالة، لابد من إلقاء لمحة على قضية الصحراء.

وأوجه الارتباط والتشابه كثيرة بين القضيتين، غير أن استهلالي بالحديث عن قضية الصحراء تمهيدا للخوض في ملف المدينتين المحتلتين، يبرره استمرار “العهد الجديد” في نهج نفس أسلوب “العهد القديم” في مباشرة ملف الصحراء. مما يوحي بأن نفس النهج سيعرفه التعاطي مع ملف سبتة ومليلية. وهو ما لا أريده ولا أرضاه كمواطن لي الحق في المشاركة في اختيار مستقبل هذه المنطقة التي انتمي إليها. مشاركة حقيقة تأسيسية لا مشاركة ذيلية تابعة كما هو شأن كل المبادرات التي تدعو الشعب لتزكية ومباركة قرار واختيار النظام وأعوانه المستفيدين من كل ملف ومن كل قضية من قضايا هذا الشعب المقهور والمغيب.

1 – لازِمة الانفراد

لقد ظلت قضية الصحراء في منأى عن أي تدبير تشاركي ينخرط فيه إلى جانب القصر مختلف الفاعلين، منذ ما قبل إطلاق المسيرة الخضراء ومرورا بسنوات المواجهات العسكرية مع جبهة البوليساريو، إلى غاية الإعلان عن وقف إطلاق النار في 1991 والشروع في مسلسل التسوية السلمية السياسية والقانونية في إطار مشروع الاستفتاء، الذي كان يحمل في طياته بذور الفشل نظرا لكونه يتسم بصفة الإلزام لقبول نتائجه، وهو الأمر الذي عارضه المغرب. وانتهاء بتقديم مقترح الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية سنة 2007 أمام المنتظم الدولي كحل تفاوضي للنزاع القائم.

لا أبالغ حينما أقول بأن هذا الملف يعتبر حملا ثقيلا بكل ما للكلمة من معنى، وثقله لا ينحصر في كونه قد أضحى معضلة طال عمرها وتعذر حلها فحسب، أو أنه صار مَغرَما أرهق الدولة وأضعف كاهلها، وبذل الشعب في سبيله من دماء أبنائه الشيء الكثير، بل إن ثقل هذا الإرث يتمثل في كونه يشكل واقعا قائما ومفروضا.

وأبهى ما يكون عليه تَمَثل الخلف لسيرة السلف من حكامنا، نجده في سلوك الاستبداد والتدبير الأحادي لشأن البلد. وهو ما طبع ولازَم مسلسل هذا النزاع حول الصحراء الذي يشرف على إتمام عقده الرابع. فاستحال الإرث أثرا يُتبع وطريقا يُسلك. ناهيك عن طقوس الحكم المخزني الغارقة في الاستعلاء، التي ترهق كاهل الشعب وتلقي عليه زيادة على مفسدة الاستبداد، وطأة الإذلال والاستعباد.

وكما ورث الحاكمون عن أسلافهم مقاليد الإخضاع ورثنا نحن عن أجدادنا قيود الخضوع. فكن من شئت وما شئت، أيها الصحراوي أو الريفي أو الشلحي أو السوسي… أيها المغربي، في نفسك وفي أهلك وقومك وقبيلتك، من عز وإباء وكرامة ونخوة وعلو شأن، فكل ذلك لا يغنيك ولا يعفيك من أن تُطأطئ رأسك ليطأه كبرياء وميراث الحاكمين.

إن الاعتراض الذي قد يسجل على أسلوب التعاطي مع قضية الصحراء لا ينصب بالضرورة على ما أبدعه القصر من سيناريوهات ومخارج لتسويتها وإنهاء النزاع القائم حولها. إنما الاعتراض يهم منشأ هذه الخطوات والمبادرات، والسياق الذي جاءت فيه.

فلو أن القصر عمد منذ البداية إلى فتح المجال أمام كل الأحزاب السياسية والمنظمات وكل الفاعلين بدون إقصاء ولا استثناء. وتداعى كل هؤلاء إلى التداول والتشاور والبحث في هذه القضية. والعمل على إدراجها ضمن التحديات و الإكراهات الوطنية الراهنة والمستقبلية، السياسية منها والحقوقية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وخلصوا إلى إبداع تصور مشترك نابع من وعي وإدراك الشعب، يستجيب لحاجاته وتطلعاته. ليُرفع بعد ذلك إلى المؤسسات التنفيذية والتشريعية لاستكمال النقاش وترتيب الأولويات ثم المصادقة على القرارات والتدابير ومشاريع القوانين ذات الصلة. لأصبحت بذلك قضية الصحراء قضية وطنية بالفعل وبالملموس. لتعود أدراجها نحو الشعب ونحو الحضن الذي آواها ورعاها أول مرة، وينهض عن بكرة أبيه إلى العمل من أجل المطالبة بإنهاء هذا الملف وإنفاذ قراره واختياره.

لكن لا القصر آنذاك كان ليرضى اقتسام معالجة هذا الملف مع الأحزاب وغيرها من الفاعلين للأسباب والظروف التي كان يعرفها المغرب بُعَيد الاستقلال ثم بعد تولي الحسن الثاني للحكم، ولا أحزاب الحركة الوطنية كانت مستعدة في ذلك الوقت للانخراط في هذه العملية وخاصة اليسار، لأن رهانها لم يكن يستحضر استكمال الوحدة الترابية كأولوية في برامجها النضالية، بقدر ما كانت تعمل وتخطط للوصول إلى السلطة أو على أقل تقدير اقتسامها مع القصر.

واليوم، ورغم انفراد القصر بهذه القضية لا أحد قد ينكر حقيقة الإجماع الوطني الذي تحظى به. وهو إجماع مبدئي وأصيل، لكن ليس هناك من قد يؤكد أن ثمة اشتغالا وانشغالا شعبيا بها. فالشعب المغربي يدفع ضريبة هذا الإجماع وهذا النزاع من دمه وماله، لكنه لا يشترك في تدبير واختيار حاله ومآله.

يتبع..