ليس كتاب “القرآن والنبوة ـ الذي صدر هذه السنة للأستاذ المرشد “عبد السلام ياسين”ـ كتاب سياسة وإن كان يندرج ضمن مؤلف أضخم هو “دولة القرآن”. بل هو ـ كما عرفه مؤلفه ـ كتاب منهاج: ليس هذا الكتاب كتاب تاريخ ووصف، إنما هو كتاب منهاج) 1 . همه الأول والأساس التصدي للإجابة عن سؤال كبير هو: كيف لنا أن نعيد للقرآن الكريم والنبوة الشريفة تلازمهما ودورهما في تحقيق ذلكم المشروع التجديدي الشامل ببعديه العدلي والإحساني؟ وبأي فهم، وبأية إرادة نتعامل مع القرآن الكريم والنبوة الشريفة من أجل تجديد الإيمان في القلوب والعزة في الأمة؟) 2 .

وبالرغم من ذلك فلم يخل الكتاب من إشارات سياسية مهمة تتطرق لبعض الهموم التي تشغل المخلصين من المسلمين بصدد واقع أمتهم ومستقبل دينهم. وقد تمحورت تلك الإشارات حول مفهوم دولة القرآن بحيث سعى الكتاب لتقديم أجوبة مركزة عن التساؤلات التالية:

– ما طبيعة الواقع الذي سترثه دولة القرآن؟

– ما الأساس الذي ستقوم عليه هذه الدولة؟

– ما مدى إمكان تحققها واقعيا؟ أم أنها مجرد حلم يراود يصطلي بنار الواقع البعيد عن منهج الله ورسوله؟

– ما هي المرتكزات التي تستند عليها دولة القرآن؟

– ما السبيل لإقامة هذه الدولة؟ وما وسيلة تحقيقها؟

– كيف يتحدد فعلها داخليا وخارجيا؟

تشخيص الواقع

لقد استهل الأستاذ المرشد كتابه هذا بالحديث عن وضع العالم وعن واقع المسلمين المضطرب والمليء بالمصائب والمنبئ عن حالة عامة من التخلف والانحدار على كل الأصعدة وفي معظم مجالات الحياة، الأمر الذي نتج عنه استضعاف وتكالب قوى الجاهلية على وحدته وثرواته وقيمه ودينه تفتيتا ونهبا ومسخا. عروتنا منفصمة وكبوتنا هزائم فظيعة في كل ميدان والاسم الإسلام على الواجهة. والكتاب يتلى في المذياع والأشرطة. والشقوة تزداد تحققا. ودواء دائنا في القرآن ودولة القرآن. ودولة القرآن إنما تستحق الاسم إن اتخذنا القرآن إماما، كل القرآن، في كل المجالات، فإن الضلالة لا توافق الهدى) 3 . كما ورد هذا التشخيص في ثنايا الكتاب: إن عرض حاضرنا على السنة المطهرة كفيل أن يكشف لنا بالمقارنة فداحة الخراب. كما أن استعراضنا لتاريخنا كفيل أن يدلنا على مراحل النقض والتدمير. كانت النظرة واحدة، وكان شمل القلب والعقل مجتمعا، وألفة القلوب رابطة بين عباد أحبوا الله وأحبهم الله حين اتبعوا الإمام المبين. كانت لهم في رسول الله إسوة لا تغيب فتنسى، ولا تضعُف فَيَفْتُرَ في الهمم طلب وجه الله. واليوم ما سبيل جمع ما أصبح شتيتا؟ ما منهاجه؟ جاهلية اليوم من نوع جديد على التاريخ. لا مكان فيها للدين إلا في رُكْنٍ تنسحب عليه أحكام القانون. الحياة الشخصية لا بأس أن تُترَك لشرائع “الأحوال” الشخصية. القاضي يطلق ويزوج في حدود عدم تعدد الزوجات مثلا. الأخلاق من شأن الأسر والمدرسة والجمعيات “الدينية”. خارج المسجد لكيلا يفسدوا على الدولة توجيهها للدين. حياة المجتمع الاقتصادية والسياسية واليومية والثقافية والترفيهية لا دخل فيها للدين بتاتا. وصحوة ناشئة أمامها ركام الخراب الضخم. فماذا تجمع؟ وكيف تعود بالأمة لوحدة المنهاج النبوي وتماسك الأمة وأخُوة الإيمان والعزة على الأعداء؟) 4 . ثم وضع يده على المخاطر الأربعة التي تنخر في كيان المسلمين حيث قال: كتاب الله وعترة رسول الله صلى الله عليه وسلم توأمان. وهما الثَّقَلان فينا كما جاء في لفظ الحديث. ثَقَلاَنِ يُرَزِّنَانِ المسلمين مخافَة أن تستخِفَّهم الطائفية، أو السطحية، أو العقلانية الإلحادية، أو التأويلية التي تبعدهم عن روح الإسلام. وروحُ الإسلام هو المنهاج الذي نحتاج، ويحتاج الشيعة، أن نبحث عنه، وننفي عنه رواسب قرون الانحطاط والحروب بين المسلمين. ننفي عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.) 5

أساس دولة القرآن

لا بد لكل دولة من أساس تقوم عليه، يحدد هويتها ويرسم إطار اختياراتها وسياستها، فما هو الأساس الذي تقوم عليه دولة القرآن؟ يحدده الأستاذ المرشد “عبد السلام ياسين” بقوله: إن ركائز دولة القرآن لا يمكن أن تكون ضرورة سياسية، ولا احتراما للتراث، ولا اقتناعا بجدوى المذهب الاقتصادي السياسي الاجتماعي للقرآن، ولا قهرا على رقاب الأمة باسم القرآن. إنما عماد دولة القرآن الإحسان، أي موقف جماعة المسلمين من ربهم موقف العبيد المطيعين. شمولية العبودية التي لا تبعض فتشرك بالله وأمر الله جزئية في الحاكمية، أو التشريع، أو الأخلاق، أو الفكر، أو الاقتصاد، أو السياسة، أو النظام الاجتماعي. عبودية لله شاملة، لا شمولية إيديولوجية تستعبد الإنسان”. ص 25. “ودولة القرآن إنما تستحق الاسم إن اتخذنا القرآن إماما، كل القرآن، في كل المجالات، فإن الضلالة لا توافق الهدى) 6 . في دولة القرآن يجب أن يسود القرآن سيادة مطلقة. من لا يدخل تحت لوائه فذلك فرقان ما بيننا وبينه.) 7

واقعية دولة القرآن

من التحديات التي ووجهت بها صحوة الإسلام منذ زمان ولا زالت مطروحة للنقاش مسألة مدى واقعية طموح الإسلاميين في إقامة دولة مرجعها القرآن. فكثيرا ما يطرح خصوم الدعوة الإسلامية تساؤلات حول إمكان تحقق ذلك الطموح بل كثيرا ما يتهمون أصحاب هذا المشروع بالمثالية والإغراق في الأحلام. ويجيب الأستاذ المرشد هؤلاء بقوله: الذي ينفرد به الإسلام هو الشهادة التاريخية، المتمثلة في السيرة النبوية وفي الخلافة الرشيدة، ثم بعدُ في ومضات تاريخية هنا وهناك، بأن القرآن قابل للتطبيق، وبأن دولة القرآن ليست مثالا حالما تمخضت عنه الفلسفة الأرضية كما تمخضت عن المذاهب الفكرية، حتى إذا وقفت المذهبية على أرض التطبيق أسفرت عن ثغرات تملأها رؤوس الملايين من البشر وآلام الشعوب وأنين المقهورين وبؤس الإنسان”… “وينفرد الإسلام وحده بتلك الصفحة السماوية من تاريخ الأرض، يَحتفظ بها كل مسلم ذكرى حية. هي صفحة النبوة ثم الخلافة على منهاج النبوة. انتظار الأمة للإمامة المهدية إنما هو انعكاس تلك الصفحة على مرآة الأمل، يؤيد إخبار السنة النبوية بعودة الخلافة على منهاج النبوة بعد عهود العض والجبر ذلك الأمل. وتحفز الصحوة الإسلامية اليوم حادِيَ الانجذاب لتجديد مثال تحقق في التاريخ ويمكن أن يعاد تحقيقه. بل يتأكد تحقيقه بإذن الله كما قرأنا في حديث الخلافة الثانية. وفرق ما بين الصورة الإديولوجية الفلسفية للمجتمع الفاضل وبين التركيب الإلهي أن تلك موكولة لقدرة البشر على حبك نظام المجتمع على غرار الصورة المتخيلة، بينما يصحب التوفيق الإلهي سعي المومنين. وكان التوفيق والعصمة رائدي السيرة النبوية.) 8

دعائم دولة القرآن

تقوم دولة القرآن حسب كتاب “القرآن والنبوة” على أربعة دعامات أساسية هي:

– الرحمة

أهم هذه الدعائم الرحمة وهي الروح التي يجب أن تسري بين أبناء المجتمع المسلم. فكيف يتصور إقامة صرح الاسلام دولة ومجتمعا إذا كانت الصِّلات التي تربط المسلمين بعضهم ببعض تختزل في مجموعة من المصالح المادية والعلاقات النفعية المحضة. فدولة القرآن لا تقوم إلا في مجتمع متجمل بأخلاق القرآن. إقامة دولة القرآن على المنهاج النبوي تبغي تركيبا اجتماعيا روحه الرحمة الجامعة بين المومنين، محبة وتَوادُداً عضويا يصل العباد بربهم، ويرشحهم ليحبهم الله بمحبتهم لله ولمن يحبهم الله. قال الله عز وجل: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ، ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ 9 . وقد حرص الأستاذ المرشد على التنبيه لخلل كبير في فهم الاسلام اعتبره وهما يجب التخلص منه حيث قال: يجب أن نُزيل وهما يتمثل في اعتقاد أن القرآن مجرد مجموعة نصوص، وأنه متى جعلنا هذه النصوص دستورا فقد حكمنا بما أنزل الله، وخرجنا من دوائر الكفر والظلم والفسق. نعم في القرآن أحكام مضبوطة وأصول للاجتهاد وشريعة تتناول بالتفصيل أو بالإجمال كل نشاطات الإنسان وكل علاقات المجتمع. لكن الوهم الخطير هو أن نتصور الحكم بما أنزل الله عملية قانونية فقهية، بالمعنى الدارج للفقه لا بالمعنى القرآني. من الوهم أن نتصور أن دولة القرآن تقوم بمجرد رفع النصوص شعارا. والإلزام بها، والناس كالناس، والقلوب جافة من معاني الإيمان والرحمة، ناشفة منها.)

– الشورى

الشورى مرتكز أساس لدولة القرآن فهي مبدأ محوري في نظام الحكم. وقد خص الأستاذ المرشد هذا المفهوم بكتاب عنونه بـ”الشورى والديمقراطية” أسهب فيه الحديث عنه وتعمق في دراسته. وفي كتاب “القرآن والنبوة” سيتطرق المؤلف لمفهوم الشورى بشكل مركز مبرزا شموليته وتميزه عن المفاهيم الأرضية كالديمقراطية والاشتراكية. فهذه الأخيرة مهما بلغت من دقة وشمولية على مستوى النظرية إلا أنها تبقى قاصرة حين التنفيذ عن استيعاب الطبيعة البشرية وإمكاناتها. أما الشورى فمفهوم له سياقه الخاص وإطاره المتفرد: اسمع كيف يصف الله عز وجل شورى المسلمين، وكيف وردت في سياق إيماني لا يفصلها شيء عن الشرعية الكلية التي تحرر الإنسان من بغي الإنسان حين تجعله عبدا لله وحده لا شريك له. قال تعالى: (فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ، وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ) (سورة الشورى، 36-39). لا إله إلا الله، ما عند الله خير وأبقى. فمن هذه الزاوية ينظر المومن لأمر الدنيا، ومنها يعالج المومنون أمرهم بالشورى وقد تطهروا من الآثام والفواحش. ولمكان ما عند الله في قلوبهم يغفرون إذا غضبوا. ولنفس السبب ينتصرون على البغي ولا يقبلون الظلم. سياق جميل؛ لكن هل تجسد هذا في التاريخ؟ نعم، وهذه خاصية الإسلام أنْ جاء مع القرآن الشاهد التاريخي: السنة النبوية والخلافة الأولى.) 10

– الدستور

يعتبر الدستور في أنظمة الحكم المعاصرة المرجع الأساس الذي يحدد طبيعة النظام السياسي وأصول القوانين التي تنبثق عنها قوانين تفصيلية لتسيير شؤون المجتمع وتدبير العلاقات بين أفراده. فلا غنى للدولة في زماننا عنه. وقد تحدث الأستاذ المرشد عن الدستور المكتوب الذي اعتمده الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة واعتبر أنه كان دستورا مفصلا يعطي الحقوق والواجبات بدقة وعدل. لكن اليهود خانوا وغدروا وتآمروا. ففقدوا بذلك حقوقا سمحة أعطتها إياهم يد حكيمة يصرفها الوحي. هذا الدستور سابقة تشرع لنا وضع دستور ينظم دولة القرآن غدا فيما يخص توزيع السلطان، والمسؤوليات، وأمور الأمن والخوف، وعلاقات المسلمين فيما بينهم، وعلاقتهم بأهل الذمة بيننا، وعلاقتهم بعدئذ بالعالم.) 11

– الاقتصاد

الاقتصاد عصب الدعوة والدعامة المادية الأساس للدولة. وطبيعة تدبير هذا المجال هو الذي يحدد الهوية السياسية والأيديلوجية للدولة. كما أن هاتين الخاصيتين تؤثران بدورهما في الاختيارات والأسس التي تقوم عليها السياسة الاقتصادية لكل دولة. والدولة المرجوة التي يتحدث عنها الأستاذ المرشد ليست استثناء في هذا الصدد وهذا ما دفعه إلى اعتبار أن هويتها و شعاراتها ومبادئها لن تكتسي مصداقية في الواقع البشري – الذي يعج باحتياجات الناس وهمومهم المعيشية – إذا لم تبن اقتصادا يحقق العدل ويقضي على التظالم الاجتماعي والتفاوت الطبقي بمستوياته المختلفة وعلى رأسها احتكار فئة من المجتمع للثروات على حساب الغالبية المستضعفة، فلا يمكن تأسيس دولة القرآن على قواعد اقتصاد يكون فيه الإنسان عبدا للمصالح الأنانية، ويحتكر فيه فريق من الناس الأرزاق بينما يبقى فريق يتسول الصدقات) 12 ، والأسوة في هذا لغد الإسلام في دولة القرآن، ومغزاه ومرماه، أن تكون إعادة القسمة وإحلال عدل الإسلام ورخاء الإسلام القاعدة الماديَّةَ التي يختل البناء وينهار بدونها. فإنه إن زعم زاعم أنه يحكم بما أنزل الله ثم يُبْقِي قوما في المهنإ والترف، وقوما في الكدح والبؤس، فإنما هو زعم وباطل. تُكَذِّبُ فيه الحقائق الأولية النافخين في البوق. ولا بد في ذلك من تَدَرُّج حتى يُكبَحَ جِمَاحُ الرأسمالية والأنانية الطبقية دون أن تُكسر عجلة الاقتصاد.)

كيف تتحقق دولة القرآن؟

المدخل لدولة القرآن وبوابتها الرئيسة هي القومة. هذا المفهوم المنهاجي الذي طالما ورد الحديث عنه مفصلا ومجملا في معظم مؤلفات الأستاذ المرشد “عبد السلام ياسين” ومنها كتاب “القرآن والنبوة”. وكثيرا ما يقارن بين مفهومي الثورة والقومة، ويعتبر أن هذا الأخير هو الأكثر تعبيرا عن مقاصد الاسلام من التغيير لكونه مفهوما قرآنيا وتعبيرا صحيحا عن التحول العميق الذي أحدثه النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية الأولى: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قومة شاملة ضد كل شرك وطغيان. كلمته الجامعة لا إله إلا الله، هي رفض للجاهلية والاستكبار، هي تحقير لكل من يناوئ دين الله، هي عزة لا نهاية لها بالله. كذلك ينبغي أن يتحرك جند الله اليوم ليغيروا وجه العالم تغييرا شاملا، لا تغريهم إصلاحية جزئية، ولا تصطادهم حبائل المساومة ليتنازلوا عن صرامة لا إله إلا الله) 13 . لأجل ذلك يصرح الأستاذ المرشد دائما بأنه لا يرغب عن مفهوم القومة بديلا. ويقول: المسلمون في تواريخهم يستعملون كلمة “ثورة” للدلالة على خروجٍ عنيف بغير حق. وفي كلمة “ثورة” إيحاء بالعجلة والعنف والاضطراب. ويستعمل مؤَرِّخونا كلمة “قومة” للإخبار عن الخارجين على الظلمة بحق. وكلمة “قومة” موحية بالقوة والثبـات والثقـة) 14 .

القومة هَبَّةٌ إيمانية جهادية غايتها إقامة الدين في قلوب الناس وسلوكهم وبناء صرحه في واقعهم ليعبدوا الله وحده لاشريك له ويستسلموا لمنهاجه في تفاصيل حياتهم. القومة إذن قيام بالدعوة لله عز وجل بما هي رحمة ورفق وهي كذلك قيام في وجه الباطل والاستكبار لنزع الشرعية عنه وشهادة بالحق والعدل. إذن فالقومة ليست نزهة عابرة أو فعلا بسيطا بل إن سبيلها محفوف بالمخاطر. لأجل ذلك اعتبر الأستاذ المرشد “عبد السلام ياسين” أن إنجاز القومة يتطلب من جند الله التخرج من مدرسة الشدائد. يقول: ولكي تكون قومةٌ إسلامية على النمط الأول لا تكفي شدائد تاريخية تجمع غضب الأمة، بل لا بد من مرور كل مومن من مدرسة الشدائد، يتربى فيها تربية تمكنه من الانقطاع عن ماضيه، وحاضره، ومألوفه، وراحته، وعلاقته بكل ما يشده إلى الأرض وشهواتها، ليرتبط بموعود الله، ولتملأ جوانحه محبة الله، والشوق إلى لقائه. فيهون عليه الموت، ويهون عليه من دونها بذل المال والجهد. من هذه المدرسة مَرَّ المهاجرون والأنصار أفرادا. حتى إذا آنَ أن يتجمع منهم جند الجهاد، تجسدت فيهم تلك التربية، وهي روح الجماعة، تنظيما مرصوصا لا يُقاوَم.

من حديث أخرجه أبو نُعيم والطبراني أن المقداد بن الأسود قال: “والله لقد بُعِث النبي صلى الله عليه وسلم على أشد حال بُعث عليه نبي من الأنبياء”.) 15


[1] ص 75.\
[2] ص 7.\
[3] ص 16.\
[4] ص 37/38.\
[5] ص 68.\
[6] ص 16.\
[7] ص 18.\
[8] ص 26/27.\
[9] ص 35.\
[10] ص 30.\
[11] ص 85.\
[12] ص 83.\
[13] ص 47.\
[14] كتاب “العدل، الإسلاميون والحكم”، ص 246.\
[15] ص 75.\