تشق قافلة “شريان الحياة 5” طريقها إلى غزة بعد طول انتظار، وقلوب أعضاء هذه القافلة البواسل تسبق خطاهم إلى ثرى أرض المقاومة ونسائمها لتعانق رجالها الأفذاذ تستمد من عزائمهم الماضية قبل أن تمدهم هي بما استطاعت من أجهزة ومعدات طبية وأدوية ومساعدات تعليمية وإغاثية.

وفي كل مرة تتهيأ قافلة للإبحار إلى غزة المحاصرة يُطرح سؤال ملح: ما هو المطلوب إلى المعنيين بقضية فلسطين؟

فأما الْمَعْنِيُّ الأول، وهي هذه الشعوب المغلوبة على أمرها، فالمطلوب إليها الوعيُ بأن ما تقدمه إلى القضية الفلسطينية إنما تمد به ذاتها هي، وتحقن به شرايين الحياة فيها هي، وتقوي به مقومات الكينونة الإنسانية فيها هي. والمطلوب إليها الوعي بأن آسرَها هي وآسرَ الأرض المباركة إنما هما عنصران متكاملان لتركيبة واحدة وإن اختلفت مسمياتهما؛ فالاستبداد والاِحتلال آفتان لوباء واحد، ولا يُتَخَيَّل التخلص من الثاني إلا بمغالبة الأول، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).

وأما الْمَعْنِيُّ الثاني فهو مجتمعنا المدني، الذي يُطلب إليه أن يجعل من القضية الفلسطينية بوصلة يقيس إليها قضاياه وتحدياتِه ومشاريعه وأصدقاءَه وخصومَه. مجتمع مدني يُوَجَّه، للأسف، إلى ما يمحو القضية من جدول أعماله، ويمحوها من سجل اهتماماته، ويشتت شمل الفكر على ما صَغُرَ من تفصيلات لا يجمعها إلى القضية جامع. وأبسط مقارنة مع المجتمعات المدنية في الدول المجاورة تنبئ عن مدى التقصير الذي يطبع مجتمعنا المدني تجاه قضايا أمتنا.

وأما الْمَعْنِيُّ الثالث فهو الإعلام، هذا “الساحر العليم” الذي يستطيع أن يجعل من قضايا الأمة هَمَّ الناس الأول، أو أن يرميها في زاوية مهجورة يُغَيِّبُها عن اهتمامات الأمة بما له عليها من سلطان.

وأما الحكام، في حقيقة الأمر، فلا يعنينا أمرُهم ما دام لا يعنيهم من قضية فلسطين إلا الْقَدْرُ الذي يَذُرُّون به الرماد في العيون، يحسبون أن بعض العنتريات يمكن أن تغطي على خَرَس بعضٍ وتخاذل بعضٍ وتواطؤ بعضٍ، ولا يبذلون موقفا إلا بحسب ما يُسَوِّقُونَ به لتضامنهم الزائف المكشوف مع قضايا الأمة، وبقدر ما ينفسون به ضغط الشارع مكتوم الأنفاس.

إن المطلوب إلى شعوبنا ومجتمعنا المدني وإعلامنا الالتفاف حول قضية فلسطين بما هي رمز لتحرر الأمة، وبما هي المقياس الدقيق لنبض قلبها، والامتحان الحقيقي لمن يدَّعي من الحكام دعم القضية، في الظاهر، ويتربص بها الدوائر ويتواطأ في الكواليس وفي دهاليز السياسة الإقليمية والدولية.

أما أرقى المطلوب إلينا فهو أن نجعل من قضية فلسطين ومن كل قضايا الأمة مرقاة لنا في درجات العبودية لله تعالى، وأن نربط، في عقولنا وقلوبنا وحركتنا، بين السعي لنيل رضا الله تعالى وبين السعي لتحرير هذه الأمة الشهيدة الشاهدة. نربط بين الغايتين كما ربط بينهما الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما رواه الحاكم والبيهقي: “مَنْ أَصْبَحَ وَهَمُّهُ (مِنَ التَّهَمُّم) غَيْرُ اللهِ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ وَمَنْ أَصْبَحَ لاَ يَهْتَمُّ للْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ.”