قيل قديما إن الثعلب أضر به الجوع، في يوم من الأيام، ولم يجد طعاما يأكله، ففكر في حيلة يأكل من خلالها، فخرج ذات صباح بعد أن لبس كأي مخادع لباس أهل الصلاح، وادعى الورع والتقوى، وطلب الديك ليؤذن لصلاة الصبح. ونظرا لمعرفة الديك بشخصية الثعلب الماكرة والمخادعة، وتذكر ما حل بأهله وفصيلته الذين مزقتهم مخالب الثعلب، وكانوا جميعا لقمة سائغة في فمه، كان جوابه كالتالي:بلغ الثعلب عـني *** عن جدودي الصالحين
أنهم قــالوا وخير الـ *** ــقول قول العارفين
مخطـئ من ظن يوما *** أن للثــعلب ديـنا
وأغرب من قصة الديك والثعلب، قصة المخزن وحقوق الإنسان، لم يتحمل المخزن عملية الخطف والتعذيب اللذين تعرض لهما ولد سلمى، والذي لم يكن من جرم اقترفه سوى أنه عبر عن رأيه، مؤيدا الحكم الذاتي بالصحراء، وأمام هذه النازلة حرك المخزن كل الأجهزة المرئية منها والمخفية للتنديد والشجب وفضح العصابة التي انتهكت كل القوانين الدولية بحرمان ولد سلمى من حقه الطبيعي وهو حرية التعبير؟؟؟

من كان لا يعرف المخزن وتاريخه أحسن به الظن وهو يرى كل هذا الصراخ وهذه الضجة الكبرى، ومطالبته المجتمع الدولي بالتحرك الفوري من أجل إنقاذ ولد سلمى، وإطلاق سراحه و تمتيعه بحريته وكافة الحقوق المغتصبة وعلى رأسها حرية التعبير.

من كان لا يعرف المخزن ظن أن المغرب هو البلد الذي لا يظلم فيه أحدا، والأرض التي ترفرف فوق سمائها رايات العدل والحرية.

كثيرون هم أولئك الذين انخدعوا بهامش من الحرية في بداية العهد الجديد وهم يرون ارتفاع وتيرة الجرأة لدى الصحافة “المستقلة” ونخب المجتمع المدني في تناولها لقضايا وملفات تخص الملك شخصيا، وارتفع معها وتيرة الجرأة على كل ما يتعلق بالعمل الحكومي ورموزه، والأجهزة الأمنية وقادتها…

فرئيس شبكة الأورمتوسطية لحقوق الإنسان السيد كمال الجندوبي لم يفهم حقيقة الشعارات الحقوقية التي يروج لها المخزن إلا يوم 30 شتنبر 2010، اليوم الذي منع فيه من مغادرة الطائرة، وأجبر من طرف الأمن المغربي من قضاء ليلة كاملة داخل الطائرة رغم وضعيته الصحية التي لا تسمح بذلك، في انتظار ساعة الإقلاع للعودة به من حيث أتى، وكان السيد الجندوبي من بين الشخصيات المشاركة، والتي سيتم تكريمها في اللقاء الذي تعقده المنظمة يوم الجمعة فاتح أكتوبر 2010 حول “حركة المدافعين عن حقوق الإنسان في شمال إفريقيا والشرق الأوسط” وذلك لمساهمته في تأسيس قواعد التضامن بين نشطاء حقوق الإنسان بالمنطقة.

لم ينتبه القوم إلا بعد فوات الأوان، أن السنوات الأولى من العهد الجديد كانت سنوات تثبيت عرش الملك الجديد، وتأسيسه لمخزنه، فكان طبيعي أن ينهج سياسة تساهلية تجاه مكونات المجتمع المدني، ولم تكن هذه السياسة التي سلكها المخزن في بداية العهد الجديد سوى الشجرة التي أريد بها إخفاء غابة هدر الحقوق والحريات للمواطنين.

صحيح أن المخزن في السنوات الأخيرة حاول التركيز على حقوق الإنسان، فكانت هناك أنشطة متنوعة في هذا الصدد، ندوات، ملتقيات، برامج تلفزيونية، إنشاء لجن ومؤسسات حقوقية لتبييض وجه النظام، وتسويق هذا المنتوج المغربي الصنع إلى دول أخرى.

ما أكثر هذه المشاريع حين تعدها، ومن بين المؤسسات التي أنجبها المخزن سفاحا، نذكر منها:

– 1990 تأسيس المجلس استشاري لحقوق الإنسان، وفي اليوم نفسه الذي تم الإعلان فيه عن تأسيس هذا المجلس، كانت محاكمة أعضاء مجلس الإرشاد لجماعة العدل ولإحسان قائمة وفاضحة لمسرحية حقوق الإنسان بالمغرب. وإن تعجب فعجب ما قام به هذا المجلس، بدل أن يدافع عن حرية التعبير، والضغط على السلطات العمومية من أجل الإقرار قانونيا بالحق في الاطلاع والولوج إلى مصدر الخبر والمعلومات وتداولها، مع تجريم كل من يحول دون ذلك، يبادر هذا المجلس لانتهاك هذا الحق برفع دعوتين استعجاليتين لدى المحكمة الاستئنافية بالرباط ضد كل من يومية الجريدة الأولى والحياة الأسبوعية من أجل توقيف نشر بعض شهادات ضحايا سنوات الجمر والرصاص. وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَه أَيْنَمَا يُوَجِّهُهُ لاَ يَأْتِي بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم.

– 11 نونمبر 1993 إحداث وزارة حقوق الإنسان. وتم إلغاؤها في 2004.

– 1996 تصويت أحزاب المعارضة على الإصلاح الدستوري الذي ورد في ديباجته “إن المملكة المغربية تؤكد تشبثها بحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليا”.

– 2000 إنشاء مركز التوثيق والإعلام والتكوين في مجال حقوق الإنسان.

– 2001 إعادة بنية مؤسسة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان.

– 9 دجنبر 2001 تأسيس ديوان المظالم والذي من بين أهم أهدافه التفعيل الأمثل للمفهوم الجديد للسلطة بما يضمن الحقوق ويصون الحريات.

– 07 يناير 2004 إنشاء هيئة المصالحة والإنصاف، والتي باشرت عملها في أجواء انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان على إثر أحداث 16 ماي 2003.

استمر المخزن في إنجاب وتفريخ الهيآت والمؤسسات الحقوقية الصورية حتى ضاق بهم الفضاء من كثرتها:

– تأسيس لجنة جديدة لمراقبة خطة العمل الوطنية الديمقراطية وحقوق الإنسان.

– مؤسسة بنزكري لحقوق الإنسان.

– خطة تحويل المراكز السابقة للاعتقال السري إلى فضاءات ومؤسسات ثقافية من أجل حفظ ذاكرة هذه المعتقلات السياسية.

رغم كل هذه المبادرات الرسمية القاصرة، والشعارات البراقة الماكرة، بقي المشهد الحقوقي في صورته القاتمة، وبقيت معه وضعية حقوق الإنسان في تردي مستمر. وبقيت التقارير الوطنية والدولية المختصة في هذا الشأن تجمع على إدانة ما يقترفه المخزن من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. لقد أفرزت الممارسة واقعا مناقضا لكل الشعارات التي رفعت “المفهوم الجديد للسلطة” “دولة الحق والقانون” “المشروع الحداثي الديمقراطي”. الإيجابية الوحيدة لهذه الشعارات أنها تحمل إدانة رسمية واضحة للعهد السابق، والذي سيستمر في حلة جديدة وطاقم جديد، وتستمر معه معانات الأحرار الذين أرادوا لأبناء الوطن أن يعيشوا أحرارا في وطن حر.

لقد كان اختطاف سبعة من قياديي جماعة العدل والإحسان بفاس من طرف الأجهزة الأمنية القادمة من البيضاء وما رافق ذلك من استعمال كل الوسائل الوحشية في تعذيبهم، الدليل القاطع على أن العهد القديم والجديد وجهان لعملة واحدة.

وفي يوم 4 أكتوبر 2010، يوم تقديم السبعة المختطفين للمحاكمة، تسلمت كل المنظمات الحقوقية شهادة الوفاة لكل الشعرات المخزنية والمؤسسات التي أنشأها النظام لخداع الرأي العام والدولي في مجال حقوق الإنسان، عسكرة كاملة للمحكمة، منع عائلات ومؤازري المعتقلين من الاقتراب إلى المحكمة، منع بعض المحامين من ولوج قاعة المحكمة للدفاع عن موكليهم، منع الصحفيين من تغطية الحدث وانتزاع منهم آلات التصوير، تعرض الكثيرون من المواطنين للضرب والمطاردة والسب والشتم، مما دفع الكثير من المنظمات الحقوقية التي عاينت الوضع لاستنكاره، ومطالبة وزير العدل ووزير الداخلية بفتح تحقيق حول هذه الجرائم والانتهاكات التي ترتكب علانية وأمام المحكمة التي يرجى منها إنصاف المظلوم والضرب على يد الظالم.

يحدث كل هذا في البلد الذي يزعم أنه قد دفن ماضي الانتهاكات، ودفن معه كل أساليب القمع والاضطهاد والاختطاف، وأسدل الستار بصفة نهائية على عهد الجمر والرصاص!

طالما بقي الناس ساكتين عن الحق، امتثالا أو خوفا، فلا أمل من الانفكاك من طوق الاستبداد أو التقليل من أضراره.