في “إسرائيل” كما في أمريكا، وفي فرنسا كما في بريطانيا، وفي المغرب كما في مصر وغيرها من الأقطار العربية، لا تعرف الأنظمة مفهوما اسمه الشطط، ولا كلمة اسمها الانتهاك، الكل مباح على قاعدة ميكيافيلي الشهيرة “الغاية تبرر الوسيلة”، أو بتحكيم قوانين أخرى كذاك الذي عنوانه في المغرب “كل ما من شأنه”. غير أن حدة ومظاهر اللاقيم هذه، تختلف من وضع سياسي إلى آخر، ومن منظومة اجتماعية إلى أخرى.

ففي “فلسطين المحتلة” مثلا، لا تزال وسائل الإعلام العبرية وغير العبرية تطالعنا بصور العار وفيديوهات الخزي التي تظهر الجنود الصهاينة، وهم يرقصون انتشاء أمام المعتقلين والسجناء الفلسطينيين والفلسطينيات، كما عجت مواقع الإنترنيت منذ الاجتياح الصهيوني الأخير لقطاع غزة وإلى الآن بصور الاستخفاف والمهانة على مدونات الجنود الصهاينة ذكورا وإناثا، وشهادات الدناءة يفخر أصحابها بأحلى أيام قضوها من أعمارهم، تلك التي مرت في أجواء تعذيب السجناء الفلسطينيين، أو تشريد سكان الأحياء القديمة في القدس الشريف، أو تدمير المنازل والمرافق الخدمية في قطاع غزة المدمر أصلا جراء الحصار بين البحر والجدار.

أما عند الأمريكان، فالحرية مفهوم لا نصيب فيه لمسلم، بل لا حديث مع مسلم بحكم قانون أو قيم أو نحوها. ولن يكون أبو غريب أو باغرام آخر الفضائح، بل لا تزال الأنباء تتوالى من “كوانتاناموهات” كثيرة أصبحت مع مرور الزمن من عداد المصرح به من معاقل التعذيب الأمريكية شهود حقيقة على حضارة تدعوا إلى الحرية انتسابا وهي منها براء.

بالأمس القريب، عندما أرغمت أمريكا على إطلاق صراح البعض من المنفيين في كوانتانامو كوبا، سمعنا من بعضهم أبشع وأحقر ممارسات السلطات الأمريكية. حرمان حتى من الطهارة والصلاة، وعبث بالأجساد وتحرش جنسي سافر ومنع من النوم وتعليق في العراء وحياة بأغلال دائمة، وغيرها من صنوف التعذيب النفسي والجسدي، التي استعملتها ولا تزال عاصمة الحريات في حق كل من توهمت أنه إسلامي “متشدد” أو اعتقدت أنه كذلك. والطامة الكبرى أنها وقفت في المحصلة على حقيقة صادمة، أن جل المعذبين إن لم نقل الكل، أبرياء ولا وجود لأدنى دليل على إدانتهم من قريب أو بعيد.

بريطانيا العجوز المسكينة التابعة المسلمة لأمريكا، لم يكن حالها بالأحسن، فجنودها في أبو غريب كانوا أبطالا بامتياز، ولعل الجميع تابع سلوكاتهم الدنيئة، وكأنهم يبرزون مكبوتاتهم الحقيرة التي كانوا يكتمونها خوفا من عقاب القانون في بلادهم، ها هم يستلذونها على أرض خربوا عمرانها وأعدموا علماءها وأقبروا رائحة القانون فيها، فلا ترى ولا تسمع إلا قتلا أو دمارا أو فسادا. على شاشات قنوات العالم رسمت صورهم المتعفنة التي تنم عن عقلية استعمارية ضاربة في التاريخ ومتجذرة في النفوس. بل اللافت للانتباه أن هؤلاء القوم يبدون وكأنهم محرومون من أبسط متاع. فالافتخار والتباهي بالصور إلى جانب العراقيات المغلوبات على أمرهن وغيرها من الممارسات المشينة – على خستها – فهي تعبر عن حرمان من علامات الرجولة والحرية، لأن الإنسان الحر الكريم في حضارته، لا يستقوي على الضعفاء العزل، ولا يستأسد على المحصورين المحرومين مهما علت قوته وسادت دولته.

أما في المغرب، فالقضية على مقاس فريد وطراز عجيب. فالسلطة بمعناها السلبي لا يد لها في هذا البلد إلا على المواطنين المغاربة، والذين لا يعرف جلهم من المواطنة إلا الواجبات، أما الحقوق فقد أسقطت صحوا بفعل فاعل وإرادة مدبر.

في الشهور القليلة الماضية، فتحت السلطات المغربية بابا آخر من أبواب التعسف واللاقانون في حق ثمانية أطر من جماعة العدل والإحسان، على خلفية ما عرف في الأوساط الإعلامية والشعبية بقضية “المحامي العميل”. وأيا كانت السياقات والملابسات، فدعونا نقف فقط على فصل واحد من فصول مسلسل اللاقانون واللاضوابط، لنسأل الأهالي عن الخبر.

تقول الروايات المتواترة، إن أشخاصا، عرفوا فيما بعد أنهم ينتمون إلى الفرقة الوطنية، اقتحموا المنازل فجرا، وفي جنح الظلام تسللوا من السطوح المجاورة ليكسروا الأبواب، ويعبثوا بالممتلكات، ويدخلوا على المحارم في ساعات الليل المتأخرة، بل إن البعض كما تروي الشهادات الموثقة، أبى إلا أن يترك البصمات على طريقته الخاصة في إحدى مرافق المنزل.

وفي دهاليز الكومساريات، فأعتقد أن أحاديث المعانات ستحملها بطون كتب التاريخ الحديث من أدب السجون المغربية. الأنباء التي رشحت – على شحتها – تؤكد حدوث الأسوأ في دولة الحق والقانون والحريات العامة. ضرب وتعنيف وحرمان من النوم وأبسط الحقوق الإنسانية، ومنع من لقاء الدفاع. وأخرى تبرهن بالملموس على حقيقة التمسك بالقيم، تلك التي أثارتها العديد من المنظمات الحقوقية المعتبرة، والمتمثلة في “محاولات” الاغتصاب.

أما المحاكمة “العادلة بامتياز”، فقد تتبعنا أطوارها يوم الرابع من هذا الشهر. إنها بحق قيم الديمقراطية والحرية والحق والقانون في مستهل الألفية الثالثة.

لعل ما يميزنا عن باقي الدول والحضارات الأخرى في تنكر سلطاتنا للقيم والأعراف أمران:

الأمر الأول: أنه عندهم كلما علت الأصوات، وعمت البلوى، وافتضح الأمر، يسارع المعنيون – وخصوصا مسؤولوا الصف الأول- إلى الاعتذار العلني على ما حصل إن تأكدت الأمور، لأن رهاناتهم في لحظة كهذه ، تكون هي تحييد البلاد وتاريخها وأعرافها وخصائصها عن ممارسات الأشخاص، لذلك نسمع في الأعراف الدولية ونتابع المسارعة إلى فتح التحقيقات النزيهة، وإدانة المتصرفين خارج نطاق القانون، ليبقى البلد منزها والقوانين مقدسة.

أما عندنا، فالمسؤولون يبادرون إلى إلصاق التهم بالمواطنين وتبرئة المتورطين قبل معرفة الأحداث وتفاصيلها. بل المضحك أن بعض هؤلاء المسؤولين وبمجرد أن تطأ قدماه البلد بعد رحلة استرخاء أو تطبيب في الخارج، يسارع إلى الإدانة والشجب المجانيين على وسائل الإعلام الرسمية دون سابق علم، فلعله تلقى ذلك عبر المكالمات التعليمات.

إنهم لا يقدرون حجم إغراقهم للبلد وسمعته في أوحال اللاحق واللاقانون واللاحرية.

الأمر الثاني: أن تسلط الدول العظمى غالبا ما يكون على مستضعفين من دول مستعمرة أو محتلة بشكل من الأشكال أوهي في مرمى الاستهداف. فهم يحترمون القيم والأعراف والقوانين في أوطانهم ومع أبناء جلدتهم، لأنهم يعرفون جيدا أن الديمقراطية هي تقييم حقيقي لكل الممارسات.أما في بلداننا، فلا تقوى السلطات المعنية على إعمال شططها إلا على من يعترف بالقانون ويريد تحكيمه من الرعايا، أما الأجانب وخصوصا من ينتمون إلى بعض الجنسيات والديانات الخاصة، فلا حسيب ولا رقيب. يفعلون ما يشاؤون، ويفسدون كما يشاؤون، كل ذلك تحت الحراسة الرسمية المشددة، والضيافة المغربية الكريمة، وعندما يرجع البعض منهم إلى وطنه، يرسل إلينا رسائل اللاتقدير عبر الجرائد والمجلات والتقارير. شكرا لبلد الخمر والسهرات والدعارة الرخيصة وبيع الأعراض والذمم.