ثانيا: بحثا عن المشترك الإنساني مع الغرب

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين مخاطبا الإنسان الحديث كيفما كان وفاؤه الإيديولوجي ودينه وانتماؤه السياسي: فليساير بعضنا البعض في المشترك بيننا حتى نتواصل جيدا) 1 .

وبالنظر في فكر الأستاذ نجد تصورات مهمة لهذا المشترك الإنساني، نتحدث عن بعضها في العناوين التالية:

الفطرة البشرية

كثيرا ما يجر البعض منا محاورته للغربيين، ومحاولة التواصل معهم، من خلال محاكاتهم في أنماط تفكيرهم، إلى السقوط في انهزامية فكرية تخجل من الحديث عن المعاني الغيبية والقلبية الإيمانية، التي لا تتحدث عنها النزعات العقلانية المادية، وبالتالي يغدو الحديث عن مشترك إنساني من قبيل الفطرة ونداء الفطرة ومخاطبة الفطرة.. أمرا غير وارد على ساحة النقاش الفكري خاصة مع العالم الغربي. وبذلك نكون أمام نتاج فكري لقوم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، لكنه في الحقيقة ليس أكثر من طبعة شرقية منسوخة عن أصولها الغربية.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: إن البلاغ الإسلامي ينبغي ألا يحاكي الخطاب الثقافي الجاهلي في تثَنيه وتحذلقه الفلسفي. يجب ألا ننهزم أمام العقلانية الكافرة التي تكشط من كلام من يحاور المغربين على أرضهم كل نداءات القلب الحارة) 2 .

ومن أحر النداءات التي تنبعث من أعماق الإنسان، نداء الفطرة، تلك اللطيفة الربانية التي أودعها الله تعالى كل نفس بشرية، فهي منادي الحق الذي لا يحابي فيه أحدا، والشاهد بالقسط الذي لا يكتم شهادة الله أبدا، قد تغطيها تراكمات أوضار وأدران الكفر والجهل والمعاصي، لكنها لا تسكت صوتها الحميم، فضلا عن أن تقتلعها من قرارها المكين.

وستظل الفطرة الإنسانية تحس بالتوتر والجوع والظمإ، حتى تجد الله، وتؤمن به، وتتوجه إليه) 3 ، حتى أن أحد كبار المؤرخين يقول: لقد وجدت في التاريخ مدنا بلا قصور، ولا مصانع، ولا حصون، ولكن لم توجد أبدا مدن بلا معابد) 4 .

لذلك يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: فلنشترك، سعيا لتواصل مثمر، في الإصغاء بخشوع إلى صوتنا الحميم وإلى استعدادنا الفطري لتلقي الرسالة الإلهية التي تخبرنا عن النبإ العظيم) 5 ، نبإ الحياة الأخرى وراء ستار الموت، وعن الغاية من وجودنا في هذه الحياة.

وهو نبأ إن لم يسأل الإنسان عنه ولم يحدث به نفسه، ساءلته فطرته ودفعته حيرته وقلقه الوجودي للسؤال. حتى إنك لتسمع صوت الفطرة وأسئلتها عن الوجود والمصير ينبعث من أعماق أشخاص أبعد ما يكونون عن التدين.

قال “جواهر لال نهرو” (أول رئيس وزراء للهند بعد الاستقلال) وهو يتحدث في أحد المؤتمرات: إنني سياسي، ولا أجد وقتا كثيرا للإمعان والتفكير. ولكنني أضطر في بعض الأحيان أن أفكر: ما حقيقة هذه الدنيا؟ ومن نحن؟ وماذا نقوم به، إنني على يقين كامل أن هناك قوى تصوغ أقدارنا) 6 .

وإن في الرسالة الإلهية الخالدة التي يحملها كتاب الله تعالى، القرآن الكريم، لجوابا عن تلك الأسئلة وشفاء لذلك القلق.

إن الرجوع إلى فطرتنا والاشتراك جميعا، مسلمين وغير مسلمين، في حسن الإصغاء إليها، وإلى الرسالة الربانية التي تلبي كل حاجاتها وتجيب عن كل أسئلتها، رجوع إلى النبع ومدخل أصيل لتواصل عميق عمق الفطَر نفسها.. كما أن كل ما لا تأباه الفطر السليمة فهو من المشترك الإنساني الذي لا يختلف عليه العقلاء.

حقوق الإنسان

تعتبر حقوق الإنسان في عالمنا اليوم دين العصر وكلمته وتسبيح ضميره…) 7 . ودين الإسلام الذي جاء لسلام الإنسان وسلامته وتحريره وكرامته.. كثيرا ما يوضع في قفص الاتهام، لتقام ضده الدعاوى لمحاكمته ومساءلته عن موقفه من حقوق الإنسان، ومطالبة المسلمين بالأدلة الملموسة على احترامهم لهذه الحقوق، وهي مطالبة غير بريئة، لأن الغرب – خاصة حكوماته التي لا تعترف إلا بالمصلحة – لا يوجه نفس المطلب للأنظمة القمعية في بلاد المسلمين، والتي لا يخفى على أحد خرقها البدائي للحقوق، ولا إلى نفسه عندما يخرقها خرقا حضاريا لا تلبث أن تكشف حقيقته مذابح فلسطين وحصار أهلها والتطهير العرقي في البوسنة وجحيم غوانتنامو وأبو غريب… والقائمة تطول إذا تعلق الخرق بل الحرق بعالم المستضعفين، بينما تقوم الدنيا لخبر شوكة أصابت أحدا في العالم الآخر.

تكريم بني آدم مبدأ أكده وأمر به القرآن الكريم، وجسدته السنة المشرفة تطبيقا عمليا ومن بعدها الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم، وباقي النماذج الصالحة من تاريخ المسلمين.

قال الله تعالى: ولقد كرمنا بني آدم. وهو أمر إلهي مقدس موجه إلى جهلنا لنعامل الرجال والنساء بالقسط، بل بكل التقدير الذي يستحقه كائن يستمد كرامته من أصله ووجوده (…) ومن كونه إنسانا وليس من اعتبارات أخرى) 8 .

بل إن الإسلام كما يؤكد على ذلك الدكتور محمد عمارة في كتابه “حقوق الإنسان ضرورات لا حقوق”: قد بلغ بما جعلته الحضارات الأخرى “حقوقا” لهذا الإنسان مرتبة “الضرورات الإنسانية –الواجبة”… ولم يقف بها –كما صنعت تلك الحضارات– عند مرتبة الحقوق) 9 .

وتمتع الإنسان بهذه “الضرورات” هو مناط تكليفه بالتدين والإيمان بجوهر الدين… قال تعالى: “لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف” (سورة قريش)) 10 .

ولذلك حرص المسلمون في تاريخهم الزاهر على أن يتمتع الإنسان بكل حقوقه، لأن في المحافظة عليها محافظة على الدين ككل. وما أكثر الأمثلة على ذلك، لكن حسبنا هنا أن نورد هذه الصورة الرائعة من عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عندما سقطت درع له فالتقطها نصراني، فعرفها علي معه، فقال: هذه درعي. ولكن الرجل أنكر، فاحتكما إلى القاضي شريح، وبعد سماع الخصمين طلب القاضي من الخليفة بينة على دعواه، فلم يكن عنده، فما كان من القاضي إلا أن حكم بها للنصراني، الذي دهش لهذا الحكم، وأعلن إسلامه) 11 .

رجل من العامة، ومن غير أهل الملة، يوقف الخليفة أمام القضاء المستقل، ليدعي زورا ما ليس له، ويأخذ حق إمام المسلمين، بحكم قضائي تصدره محكمة إسلامية، يذعن لأحكامها الأمير والمأمور على السواء، موقف كهذا كان أبلغ تأثيرا في نفس النصراني من كثير من الكلام.

وسيرا على سنة الخلفاء الراشدين يجب على المسلمين أن يساهموا مع البشرية في إعلاء مطلب حقوق الإنسان بالإنجازات العملية لا بالمشاحنات الكلامية) 12 ، بعيدا عن تأثير قاصري العلم منا الذين يلخصون الإسلام في أنه دين قطع الأيادي، مساهمين بذلك في دعم الدعاية المضادة للإسلام. وكذلك عن تأثير الهيمنة الثقافية للآخر التي تلزمنا الوقوف عند حدود فهمها للحقوق، أو تجعلنا نتصدى للموضوع بنفسية المتهم الذي يلعثمه إحساس الاتهام، كلما أراد الكلام.

ورحم الله ابن خلدون عندما لاحظ في مقدمته ملاحظة ثاقبة سماها “نحلة الغالب” وشرحها رحمه الله: بأن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب).

إن علينا أن نتصدى لموضوع حقوق الإنسان وأن نحمل همه مع الحاملين من كل بني البشر، بفهمنا القرآني النبوي الذي يجعل أول حق للإنسان أن يعرف مغزى حياته ووجود خالقه، أما الحقوق الأخرى فتدور كلها حول هذا المحور) 13 .

وإن في الغرب لضميرا يستيقظ ليخدم بالفعل القضايا الإنسانية، يتمثل في “المنظمات الإنسانية غير الحكومية”، وهي التي ينبغي أن نتعاون معها ونتحاور ونحمل الهم الحقوقي.

ولا يشتبه علينا عملها بأشغال الرهبان المنصرين، الذين يقدمون الخبز لمن يترك دينه ويعتنق الصليب، ولا بعمل الحكومات التي لا تعرف إلا المصلحة والماكيافيلية في العلاقات الدولية وما يحكمها من قوانين. فمثلا إذا نظرنا إلى أسمى هذه القوانين ألا وهو “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”، الذي يفترض أن يعبر عن آمال كل العالم في الحرية والانعتاق، نجد أنه يقسم الإنسانية في ديباجته إلى سيدة مسيطِرَة وأخرى مَسودة مسيطَر عليها وموضوعة تحت ولاية الأولى، هذا مع العلم أن المادة الأولى من الإعلان، والتي تأتي مباشرة بعد العبارة السابقة، تنص على أنه يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق)!!.

ثارت الشعوب وانسحب الاحتلال، وبقي الإعلان العالمي معتمدا على نفس التقسيم الذي وضع بُعيد الحرب العالمية الثانية، والذي لا زالت تجلياته وتطبيقاته إلى الآن.

ومع ذلك تبقى فكرة حقوق الإنسان –كما يقول الشيخ راشد الغنوشي-: فكرة مهمة جدا، وطموحا إنسانيا عظيما، رغم أن البون لا يزال شاسعا بين هذا المثال: أن تكون للناس جميعا حقوق متساوية، والواقع القائم على الحيف والظلم والتمييز. ولكن ذلك لا ينتقص-بحال– من قيمة الفكرة ذاتها فهي فكرة تقدمية بحق. ولا يسع الإسلام إزاءها إلا التعبير عن سعادته بها فقد كان خطابه إنسانيا يتجه إلى البشرية كلها) 14 .

ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن التفاصيل التطبيقية لهذه الفكرة، قد تختلف من بيئة حضارية لأخرى، ففي الغرب مثلا، لا اعتبار في كثير من الحالات إلا “للحرية الشخصية”، بينما ينظر الإسلام لممارسة الإنسان لهذه الحرية، ليس بوصفه فردا مستقلا فقط، بل بوصفه كذلك عضوا في جماعة بشرية، تشكل ممارسة الفرد لحريته في إطارها عاملا مهما في التأثير عليها سلبا أو إيجابا.

فمثلا في البيئة الغربية هناك اتجاه عام اليوم إلى رفع كل الضوابط عن الممارسة الجنسية عدا ضابط الحرية الشخصية بما يجعل الاغتصاب فقط هو المحظور في هذه الممارسة، وما عدا ذلك من العلاقات فمباح باعتباره فرعا من تصورهم لحقوق الإنسان الفرد. بينما لا يعتبر الإسلام هذا الضابط فقط، أي ضابط الحرية الشخصية، بل له تصور آخر للمجتمع يجعل الممارسة الجنسية فرعا لحقوق الإنسان باعتباره عضوا في جماعة بشرية، هذه الممارسة هي أداة أساسية في بنيانها والمحافظة عليها، فمنع من هنا العبث بها) 15 .

ولذلك أيضا كانت الردة العلنية عن الإسلام بعد اختيار الدخول فيه مرفوضة لأن الصدع بالمبادئ الكفرية تعني تقويض أسس المجتمع نفسها. كل فرد حر في أن يشرب حتى الثمالة من كأس الكفر المسمومة وهو قابع بين حيطان بيته ما دام الفضاء الاجتماعي –المقدس في الإسلام- محفوظا. ألا يعتبر كل مجتمع متحضر خيانة الوطن جريمة عظمى تستحق أقسى العقوبات؟) 16 .

وهو اعتبار قائم على أساس الولاء الكامل للوطن وعدم خيانته أو الخروج عليه أو المساس بنظامه العام، وفي الإسلام يمثل الولاء للدين الحق الجوهري والواجب الأساسي، الذي على كل مسلم أن يحترمه ويخضع له. ولهذا يصبح كل إعلان صاخب عن عدم احترام الله وشرع الله في مجتمع اختار الخضوع التام لله وقام على شرع الله خيانة عظمى) 17 ، وانتهاكا للنظام العام للدولة.) 18


[1] “الإسلام والحداثة” مصدر سابق، ص 36.\
[2] ذ. عبد السلام ياسين، كتاب “القرآن و النبوة” ط.الأولى. ص 53.\
[3] “الخصائص العامة للإسلام” مصدر سابق، ص 13.\
[4] المصدر نفسه ص 16.\
[5] “الإسلام والحداثة” مصدر سابق، ص 36.\
[6] وحيد الدين خان، “الإسلام يتحدى” ص 248.\
[7] كتاب “العدل: الإسلاميون والحكم” مصدر سابق، ص 315.\
[8] “الإسلام والحداثة” مصدر سابق، ص 237-238.\
[9] د. محمد عمارة “الإسلام وحقوق الإنسان” سلسلة عالم المعرفة ماي 1985. العدد 89 ص 17.\
[10] د. محمد عمارة “الإسلام وحقوق الإنسان” مصدر سابق، ص 16.\
[11] انظر تفاصيل القصة في كتاب “الخصائص العامة للإسلام” ص99.\
[12] كتاب “العدل: الإسلاميون والحكم” مصدر سابق، ص 316.\
[13] “الإسلام والحداثة” مصدر سابق، ص 238.\
[14] الشيخ راشد الغنوشي “الدولة الإسلامية تعبير اجتماعي عن التوحيد” –مجلة منار الهدى، العدد8 ص 143.\
[15] المصدر نفسه والصفحة.\
[16] “الإسلام والحداثة” مصدر سابق، ص 238.\
[17] المصدر نفسه والصفحة.\
[18] محمد المر واني “الدولة الإسلامية دولة مدنية” مقال بمجلة منار الهدى العدد8 ص 37.\