تقديم

في كثير من الأحايين تجد شبابا كثرا، في سجالات ومجادلات لا تنتهي، بل تتحول إلى خصومات وعداوات يعظمون بها صغيرا ويحقرون عظيما، ويقطعون رحم الدعوة فيما بينهم، لا لشيء إلا لاختلاف بسيط، لا يرقى ولو إلى مستوى الفروع، سالت له أقلام العلماء والفقهاء، وصنفت فيه الأسفار الطويلة من فحول ورجال. يقرأ أحدهم مقالة لعالم من علماء المسلمين الأبرار فيحملها سيفا بتارا يقطع بها رقبة مخالفيه، يطعن تواد المسلمين وتحابهم طعنات مميتة، يقرأ المقالة مبتورة من سياقها التاريخي والاجتماعي والنفسي فيسيء المتحمس من حيث أراد أن يصلح، ويهدم صروح المودة ظانا أنه يبني للدين وللإسلام كيانا.

اختلف سادتنا العلماء، لكن ما كان ذلك لينقص مثقال ذرة من سموهم وتحابهم، وإجلالهم لبعضهم البعض، بل إن قلوبهم العامرة إيمانا لم يكن ليتسرب إليها دخان الخلافات – التي وضعوها في محلها الصحيح – حتى لا تثمر في القلوب حقدا وجفاء، ويكون الحصاد كراهية وبغضاء كما هو الحال. كل ذلك ما كان ليولد في النفوس تنافرا وتنابزا وكِبْرا. بل إن إزالة هذه الأمراض هدف من أهداف الإسلام ويتوعد من هو غذاها حتى استمكنت منه بالويل والثبور. فهو دين المحبة التي حملها الأولون ودعوا بها ولها ونشروها في الأنفس والآفاق، وجزوا عنها خير الجزاء. وما بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلا ليتمم مكارم الأخلاق، وأي إسلام يستقيم إن غابت عنه جلائل الأخلاق وأعظمها، وأي تدين يكون إن هو خلا من الرفق والمودة والرحمة واللين.

شباب في البدايات يلوكون كلام عمالقة الإسلام، يتأولونه ويسكونه سيوفا يشهرونها في وجوه العامة والخاصة، يتطاولون على العلماء، ويوزعون الأحكام بالجملة جزافا، لا يستثنون عمروا ولا زيدا من أمة مفتونة.

“إنما المؤمنون إخوة”

بهذا نطقت شرعة الله عز وجل، وكان ذاك منهاجا نبويا أعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه عمل الصحابة رضوان الله عليهم والسلف، فالمؤمنون رحماء بينهم أشداء على الكفار. هذه السنة، وهذا هو المنهاج النبوي في علاقة العباد بربهم، علاقة تنظم الجماعة في سلك الرحمة الإلهية الممتدة بركة من السماء وشحنة بين المؤمنين على الأرض) 1 .

ففي الحديث الذي رواه الإمام أحمد رحمه الله وهو دعاء كان يدعو به رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه أنا شهيد أنك الله وحدك لا شريك لك، اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه أنا شهيد أن محمدا عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة”.

وفي سورة الحجرات يعلمنا الله عز وجل أن الأمة جمع مجموع من المسلمين والمؤمنين، والأنصار والمهاجرين والأعراب، وأن المؤمنين إخوة نسير بينهم بالإصلاح، كما تعلمنا أن الناس شعوب وقبائل يتعارفون فيعرفون المعروف وينكرون المنكر. والكل جمع مجموع، إن لم يؤمن وقعد في أعرابيته، فهو مسلم لما يدخل الإيمان في قلبه. هو إذن منا ونحن منه. تجب له حقوق المؤمن على المؤمن، يحرم ماله ودمه وعرضه، تجب موالاته المؤمنون بعضهم أولياء بعض. وتكون حرمته أعظم حرمة. هذه النصوص وغيرها كثير، كلها تحث على الجمع، ولم الكلمة، والتعفف عن السخرية وبخس الحقوق، وفي نشوة حماس وغضب تضيع كل المعاني التي ما جاء الإسلام ورسوله إلا بها “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. فما بال كثير من العباد لا يجيدون غير فنون التفريق والتشتيت، يكيلون للمؤمنين الذي يزاحمهم على أبواب المساجد بالمناكب أنواع السباب والتنقيص والتحقير، لا محبة ولا صلة لرحم الأخوة في الدين، ولا نصيحة. بل يتطاولون على العلماء، حتى بتنا نسمع ألقابا وأسامي ما يليق بالمؤمن الحريص على دينه أن يتلفظ بها في حق العامة فأحرى علماء وأعلام الأمة بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان. وفي زحمة هذا الانحراف الخطير إن ظفرت بتحية أو سلام منهم فذاك نادر ندرة الكبريت الأحمر، ولا جنة ولا إيمان إلا بإفشاء السلام.

الأصل أولى من الفرع

إن هذا المرض الذي فشا في الأمة مرده إلى الاهتمام بالتفريعات الفقهية، على حساب الأصول الإيمانية فجعلنا من الأول أصلا والثاني فرعا، وابتلي صنف من العباد بالنبش في الخلافات، بل إحياء ما قد انتهى منها وطوي في التآليف والمصنفات، والمغالاة فيه وجعله مدار الدين ورحاه، مع عدم التحري، وتغييب الحكمة والرحمة.هذا المرض العضال جعل من مجتمعنا المسلم المؤمن وأمتنا أشلاء جسد متناثرة، هي جواهر ثمينة ولبنات قوية لكنها متناثرة، لبن ركام، لا تواد ولا تعاطف ولا تراحم.

عندما يفقد المؤمن بوصلة التوجيه السليم، يضيع في دهاليز مظلمة، ويتعثر خطابه، وتزيغ خطواته آنذاك لا يروم إلا إفحام الآخر بمنطقه وفصاحته، ولا يريد أن يرى في الآخر إلا مرآة تعكس صورته. فما بال هذه القضايا العظيمة الشائكة في تاريخ المسلمين تختزلها في كتاب أو صفيحات بدرهم ودرهمين؟!!

قرون من التاريخ والعلم والجدال تحصرها، وتحاصر آراء الآخرين وما غرفت من أمهات الكتب ولا تتلمذت لأرباب التربية، فصرت قاضيا لا داعيا، توزع الإدانات وصكوك الغفران، ولا تتورع في مسائل شابت لها الولدان، فأفسَدْت من حيث أردت الإصلاح، وفرقت الناس وأنت تدعي الجمع، تدعي وصال ليلى، وليلى لا تقر لك بذاك).

هذه الحالة المأزومة إنما هي حصيلة تقديم الفروع على الأصول، وتيه في الفروع الفقهية وتضييع للأصول الإيمانية، فروع يعمل فيها اللسان والعقل والمنطق، وأصول تخدم وتصلح القلب، ولا صلاح ولا إصلاح إلا بصلاح هذه المضغة، “ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله” 2 . هذا الفقه والعلم والقرآن صرنا ننثره نثر الدقل لأننا لم نطعم حقيقة الإيمان، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: “أوتينا الإيمان قبل القرآن….” إيمان قبل قرآن!!

إن تحصيل الأصول التربوية الإيمانية من ذكر ومحبة وصدق ومراقبة وإخبات ومصاحبة لأرباب العلوم وأطباء القلوب و… هي الأصول الكفيلة بأن تغلف الخلاف بألوان ترضاها القلوب، ولا تنكرها الفطر السليمة.

كانت لأئمة الدين وفقهاء المذاهب اختلافات كبيرة وكثيرة، لكن إجلالهم لبعضهم وتعظيمهم لبعضهم سطروه سلوكا وعملا قبل أن يدونوه في كتبهم، أو ينقله عنهم من عاشرهم وصاحبهم. صلى الشافعي رحمه الله الصبح قريبا من مقبرة أبي حنيفة رحمه الله فلم يقنت -والقنوت عنده سنة مؤكدة- فقيل له في ذلك، فقال: أخالفه وأنا في حضرته؟!) 3 . إذا كان هذا موقفه من قبره ومن بعد وفاته فلك أن تتصور أي علاقة كانت له في حياته من شخصه، فالأقلام تعجز عن بلوغ ذلك.

نكون ناجحين إن نحن سعينا في مشروع قلب يصل الرحم مع الآخر تعارفا ودعوة، ومع المؤمنين تحابا وتوادا وعملا مشتركا، نعلن التوبة إلى الله عز وجل، ونجدد إيماننا، كي تنصلح السرائر، فما ينفع مع فسادها صلاح ظاهر.نُحصل الأصل/القلب، نعده زادا للقاء ربنا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.


[1] ذ. عبد السلام ياسين، القرآن والنبوة.دار لبنان للطباعة والنشر. ط 1 ص31. \
[2] رواه البخاري ومسلم.\
[3] أدب الاختلاف في الإسلام. كتاب الأمة9، ص119.\