“جماعة العدل والإحسان عصية على التصنيف” عبارة كثيرا ما تتردد في أسئلة الصحفيين والمحللين والمهتمين بالشأن الإسلامي الحركي، فهؤلاء يعترفون بعجزهم عن تصنيف الجماعة أو خندقتها ضمن هذا الخط أو ذاك. ذلك أن أدواتهم التحليلية ومعاييرهم المتبعة في عملية التصنيف يجدون أنها لا تنطبق تماما على جماعة اسمها العدل والإحسان. هذه الجماعة التي بدأت تكتسب مواقفها موقعا متقدما ومتميزا ضمن الحركات الإسلامية في العالم العربي باعتراف كثير من المراقبين في الداخل والخارج، وذلك لكونها نجحت في الجمع بين السياسي والتربوي والدنيوي والأخروي. وغالبا ما يكون من الصعب فهم هذا الصنف أو التعامل معه من طرف من يحترف السياسة كخبز يومي.

وهنا بالضبط تكمن محنة النظام المغربي المشهود له بحنكته وبراعته في ترويض المعارضين حتى ينتهي بهم المطاف إلى بيت الطاعة، ولكنه اليوم يجد نفسه أمام معارضة لا قبل له بها والتي تختلف تماما عن باقي المعارضات المسبوقة. فلا هي -أي الجماعة- تتبنى خيار التشدد والعنف والتطرف ليسهل معها تبني التعامل بالعنف المضاد والخيار الأمني الاستئصالي المفضي إلى التشتيت (وربما هذا حلم يراود البعض)، ولا هي تتبنى الاعتدال السلبي (بالمفهوم السياسي للكلمة) ليسهل احتواؤها وبالتالي دمجها -طوعا أو كرها- في المشهد السياسي القائم في أفق اغتيالها وإعدامها سياسيا (وربما هذا حلم آخر يراود البعض الأخر).

لقد حاولت السلطات أكثر من مرة استعمال أسلوبي الجزرة والعصا مع الجماعة كمحاولة يائسة وفاشلة لاستدراجها نحو أحد هذين الخيارين، ففي مطلع عقد التسعينات -وبينما كان المرشد تحت الحصار والقيادة في السجن- قامت السلطات بالتلويح بالجزرة عبر سلسلة من الإغراءات المادية والسياسية أثناء “المفاوضات” التي احتضنها المركب السجني بسلا صيف 1991، وكان الغرضَ منها جرُّ الجماعة تدريجيا نحو مربع “الاعتدال”. إلا أن هذه المحاولة باءت بفشل ذريع بسبب تشبث القيادة بالمبادئ. وبعد الجزرة وأسلوب الترغيب جاء دور العصا وأسلوب الترهيب عبر بوابة الجامعة، وذلك بإشعال فتيل المواجهات الطلابية في جامعتي فاس ووجدة كردة فعل غاضبة من طرف السلطات على فشل سياسة الإغراء. وقد أعقبت تلك الأحداث موجات من الاعتقالات والاختطافات طالت المئات من أنصار ومتعاطفي الجماعة في مختلف مدن وقرى المغرب. وكان الغرض من تلك الحملة هو إخراج الجماعة عن جادة الصواب وبالتالي استدراجها نحو مستنقع العنف والتطرف، غير أن تعقل الجماعة وثباتها فوت الفرصة وأفشل المخطط.

لقد سبق للأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه “الإسلام وتحدي الماركسية اللنينية” أن تساءل׃ أثوريون نحن أم إصلاحيون)؟ فأجاب قائلا׃ لا إصلاحية ولا ثورية لأنهما ممارستان من غير وادينا) 1 . وفي كتابه “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا” يقول׃ نرى في تاريخ البشر أن موجات الثورة والإصلاح سرعان ما تتكسر على صخرة الطبيعة البشرية. فبعد ذهاب وجوه وأفكار ونمط عيش يحتل الأرض والسلطان وجوه أخرى لا تلبث أن تتلون بالبيئة الموروثة وكأن هذه النفس البشرية حرباء لونها لون ما تقع عليه).

إنه خط سياسي ثالث يختلف تماما عن الخطين السائدين حاليا الثوري العنيف والإصلاحي المهادن يبدو أن الجماعة بصدد رسم معالمه الواضحة. خط يتميز بنبذ العنف والتشدد دون السقوط في متاهات “الاعتدال السياسي” المبني على المساومات والتنازلات والمهادنة تحت يافطة: “الواقعية تقتضي”‼ و”الحكمة تقتضي”‼

إنها دعوة للمحجة اللاحبة، دعوة وفق السنة النبوية. والسنة النبوية في مدافعة الباطل -بتعبير الأستاذ فتح الله أرسلان- قوةٌ في غير عنف ورحمةٌ في غير ضعف ومخالطةٌ داعيةٌ في غير ذوبان وعزلةٌ شعوريةٌ في غير هجران وسريةٌ في غير مهادنة وجهريةٌ في غير مداهنة ووضوحٌ في غير انفضاح وقومةٌ في غير سفاح. وكل ذلك بعدل وإحسان وصدق وبرهان طلبا لوجه الله تعالى بعد طلب جنته ورضاه). عن كتاب׃ “عبد السلام ياسين… حصار رجل أم حصار دعوة”؟ للأستاذ فتح الله أرسلان. إنها قولة بليغة يبدو أنها تلخص ماهية العدل والإحسان سياسيا وتربويا.

فهل ستصبح جماعة العدل والإحسان الفتية غدا ملاذا آمنا للثوري المستعجل الذي أوصلته ثوريته إلى الباب المسدود وللإصلاحي المهادن الذي أوصلته إصلاحيته ومهادنته إلى الدوران في الحلقة المفرغة؟

يبدو أن المعطيات الواقعية تؤكد ذلك. وهذا ما ذهب إليه رئيس تحرير مجلة “فلسطين المسلمة” -سابقا- الكاتب الفلسطيني المشهور والمتخصص في شؤون الحركات الإسلامية السيد ياسر الزعاترة في مقاله المنشور بجريدة “الشعب” المصرية في معرض حديثه عن الانتخابات التشريعية المغربية الأخيرة. يقول في مقاله: … وعموما فإن سياسة العدل والإحسان ما تزال متفردة بين الحركات الإسلامية، وهي قد تعدو سياسة رائجة في المستقبل لدى الكثير من الإسلاميين إذا استمرت الديمقراطية في وضعها البائس القائم).

لقد تحدثنا عن خط سياسي ثالث ولكن في حقيقة الأمر ليس بالشيء الجديد بل هو إحياء لخط أصيل يستمد قوته ومشروعيته من سيرة الأنبياء والرسل عليهم السلام وعلى رأسهم سيد المرسلين محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم الذي تعرض بدوره لسياسة الترغيب والترهيب من طرف كفار قريش، فظل ثابتا على المبادئ إلى أن أخزى الله الظالمين ومَنَّ الله عليه بالنصر والتمكين.


[1] ص 123.\