تحديث الإدارة

تجاوزا لما تعانيه الإدارة المغربية من خلل جعلها موضوع اهتمام تقارير المؤسسات المالية الدولية لعقود، حيث اعتبرت من عوامل إخفاق المشاريع والمخططات التنموية، تبنى المغرب أشكالا متعددة لرفع مردودية الإدارة كان آخرها اعتماد الأسلوب الالكتروني الذي تم تسويقه باعتباره العصا السحرية التي تخلص الإدارة من الشلل وتخلص المواطن من كابوس الطوابير والتسويفات أثناء إنجاز الوثائق الإدارية، لينتقل المغرب من مرحلة البطاقات الورقية إلى مرحلة البطاقات الالكترونية.

خدمات أم استثمار

وبقدر ما تفاءل المغاربة بهذا التحديث فوجؤوا بكلفته التي حولته إلى استثمار في وثائق المواطنة التي يفترض أن تكون مجانية أو على الأقل بثمن الكلفة؛ أما أن تنحو منحىً استثماريا فهذا أمر غير أخلاقي.

ولتقريب الصورة نعرض أمثلة لثمن رسوم تغيير الوثائق الإدارية ذات الصلة بالهوية أساسا دون كلفة استنساخ الوثائق وثمن السفر والتنقل:

1. بطاقة التعريف الوطنية تكلف: 130 درهما.

2. جواز السفر يكلف: 300 درهم.

3. رخصة السياقة العادية: 400 درهم أما رخصة سياقة وسائل النقل العمومية فكلفتها: 600 درهم.

هكذا يصبح المواطن المغربي ملزما بدفع حوالي 1000 درهم لاستبدال وثائق هوية كان المفروض أن تكون مجانية لحث المغاربة -الذين لا تخفى عليهم نوايا السلطة غير المعلنة من هذا التحديث- على الانخراط في إصلاح الإدارة وتحديثها.

تحديث “بنكهة” الاستبداد

على الرغم من أن الخطاب التسويقي لهذا التحديث -بطاقة التعريف الوطنية نموذجا- كان مقنعا، إذ جعل بطاقة التعريف الوطنية الالكترونية متعددة الخدمات، فهي بطاقة هوية وشهادة سكنى ونسخة من عقد الازدياد ما جعل التهافت على الحصول عليها كبيرا إلا أن واقع حال الإدارة المغربية لا يواكب الخطاب التسويقي لهذه البطاقة، إذ بقيت دار لقمان على تخلفها؛ فحيثما توجه المواطن يطلب منه الإدلاء بنسخة من عقد الازدياد وشهادة السكنى وأحيانا نسخة كاملة من عقد الازدياد التي يتطلب الحصول عليها التنقل من أقصى المغرب إلى أقصاه، ومن الطوام أن الإدارة المغربية وهي تستشرف عهد الإلكترون والبث الرقمي لا تعترف لا بالفاكس ولا بالإرسالية الالكترونية المصورة.

إذلال واستخفاف

تَعوَّد المغاربة بحكم التجربة أن الفرق شاسع بين ما يروج في وسائل الإعلام من تسهيلات وتيسير في مختلف الخدمات والعمليات وبين ما يوجد في الواقع، ويكفي أن يفكر المواطن المغربي البسيط في تغيير أو إنجاز بطاقة التعريف الوطنية مثلا ليجد نفسه ملزما بالتوجه لإدارة الأمن الوطني في الساعات الأولى من الصباح (الثالثة صباحا) ليسجل اسمه ضمن اللائحة ليغادر الإدارة إذا كان محظوظا على الساعة الثانية أو الثالثة بعد الزوال، لا لشيء إلا لأن الأطر الإدارية ووسائل إنجاز العمليات المختلفة أقل مما يتطلبه عدد المواطنين المتوافدين على الإدارة.

إذا كان هناك من لا يمانع في تحديث الإدارة والرفع من مردوديتها خدمة للمواطن، فالأولى أن يتخذ القائمون على الإدارة المغربية كافة الترتيبات لتحسين الخدمات وتبسيط المساطر وتفعيل شعار: “الشباك الواحد” لتسويق صورة حقيقية عن إدارة مواطنة ترسخ في المواطن حب الوطن والاعتزاز بالانتماء إليه، لا أن يعتبر نفسه مهاجرا غير شرعي في بلده.