مقالتي هاته بمناسبة قضية معتقلي العدل والإحسان بفاس، من الاختطاف والتعذيب إلى بداية جلسات المحاكمة الصورية، التي يحلم بعضُ ذوي النيات الحسنة أن تكون محاكمة عادلة، وهيهات.

وأنا هنا أبدأ بما أعتبره مسلمة تلازم الأنظمة الاستبدادية من نوع نظامنا المخزني الجبري. هذه المسلمة هي أن “اللاعدالة” هو الأصل الطبيعي في كل محاكمة ذاتِ طابع سياسي، كمحاكمة قياديي العدل والإحسان في فاس، التي انعقدت جلساتها الأولى يوم الاثنين 4 أكتوبر2010، وقبلها محاكماتٌ عديدة، اتسمت جميعُها بخروقات وتجاوزات وتلاعبات بالقانون ومساطره ومقتضياته، وبصدور أحكام ظالمة لا علاقة لها بأصول العدل ولا بقواعد التقاضي السليم والنزيه. وملف الدولة المخزنية في هذا الشأن هو ملف أسود وأشهر من أن نحتاج إلى فتحه وعرض صفحاته.

“اللاعدالة”، في اعتقادي، هو الوصف الصحيح الذي يجب أن توصف به هذه الجولة الجديدة من الظلم المخزني في حق العدل والإحسان، التي ابتدأت أطوارها في فجر يوم 28 يونيو الماضي حينما قامت عناصر من البوليس المخزني باختطاف أعضاء الجماعة في فاس، ثم تلا هذا الاختطافَ ما تلاه مما هو معروف ومنشور من سلوكات وإجراءات وتصرفات تشهد كلها أن الدولة المخزنية، بلوازم القمع والمنع والتجبر والظلم، ما تزال هي هي لم تتغير ولن تتغير إلا بزوال أصل الجور والاستبداد.

في الدرك الأسفل القضائي

تجلت الإرهاصات الأولى لـ”اللاعدالة” في ملف مظلومي العدل والإحسان الفاسيين، أولا في سكوت وكيل الدولة عما قامت به الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، ومن ورائها السلطةُ البوليسية المخزنية النافذة، من اختطاف واحتجاز وتعذيب وتلفيق للمحاضر. بل إن هذا الوكيل نفى أن يكون له علم بما حصل، وهذا النفيُ يؤكد الجرمَ الخارق للقانون، الذي ارتكبته الفرقة الخاطفُة، ويؤكد من ناحية أخرى أن سكوتَ وكيل الدولة إزاء ما حصل وعدمَ اتخاذه لأي إجراء هو عمل غير مسؤول من مؤسسة يُفترض فيها الدفاعُ عن العدل واحترامُ القانون وحمايةُ حقوق المواطنين أن تمتد إليها الأيدي الظالمةُ العادية المجرمة.

وتجلت إرهاصات “اللاعدالة”، ثانيا، في عمل قاضي التحقيق، الذي لم يحرك الملفَ قيد أنملة خارج المسار الذي وضعته فيه السلطة المخزنية. وقد كان يجب على قاض يُفترض فيه أنه مستقل أن يحقق في كل الاحتمالات التي يطرحها الملف، وعلى رأسها الاحتمالُ الأبرز الذي يَظهر فيه وجهُ السلطة الظالمة سافرا بغير قناع، فضلا عن المعلومات والمعطيات والشهادات التي تداولتها وسائلُ الإعلام وكثيرٌ من المنظمات الحقوقية، والتي تبين مدى تورط الدولة في فبركة الملف وصناعة مسوغاته القانونية بشكل ساذج ومفضوح.

ماذا فعل قاضي التحقيق خلال أربع أو خمس جلسات في غضون شهرين تقريبا؟ لا شيء. لم يكن هناك تحقيق بالمعنى القضائي للكلمة. لم يتتبع جميعَ الخيوط المحتملة. لم يتتبع الطرقَ التي من شأنها أن ترجّحَ براءة المتهمين. بل لم يستجب لمطالب الدفاع، بل لم يَخرُج بالتحقيق من دائرة الكلام بين جدران مكتبه؟

هل كان يجرؤ قاضي التحقيق، مثلا، أن يفتح تحقيقا حقيقيا في دعوى الاختطاف والتعذيب وغيرهما من الممارسات البوليسية الساقطة المُدَانة، بلْهَ الذهابَ في التحقيق إلى نهايته؟

هل كان قاضي التحقيق يجرؤ على الحفر عميقا في أرض المعطيات والشهادات والأخبار التي تُفسَّر لصالح براءة المظلومين؟

هل كان يجرؤ قاضي التحقيق -وهذا من مسؤوليته وصلاحياته، نظريا على الأقل- أن يستدعيَ رئيس الفرقة الوطنية للشرطة القضائية؟ مستحيل أن يفعل، لأن الطريق الذي تتخذه القضية منذ خروجها من مطبخ السلطة هو طريق الظلم والتعدي و”اللاعدالة”، ولا يملك قاضي التحقيق سلطةَ تغيير مسار الطريق.

في جملة، التحقيقُ، في اعتقادي، كان من أجل ذر الرماد في العيون، وإعطاء الانطباع بأننا بالفعل أمام عمل قضائي يسعى لمعرفة الحقيقة، ويبحثُ في كل الاتجاهات، وخاصة الاتجاه الذي ينتهي إلى تحميل الدولة مسؤولية خرق القوانين والاعتداء على حقوق المواطنين والاستغراق في أساليب القمع والإكراه والإرهاب.

وتجلت إرهاصات “اللاعدالة” في ملف مظلومي العدل والإحسان، ثالثا، في سلوك قاضي المحكمة في أثناء الجلسة الأولى، التي انعقدت يوم الاثنين 04 أكتوبر2010، حيث سكت سكوت قبولٍ وتزكيةٍ عن الجو البوليسي القمعي الذي فرضته القوات المخزنية على المحكمة، والذي يضرب في الصميم مصداقية المحاكمة العادلة المزعومة. لم يحرك القاضي ساكنا إزاء خرق سافر للقانون يراه الناس ويسمعونه ويكتوون بناره، ومِن هذا الخرق السافر الفاضح منعُ العديد من أفراد هيئة الدفاع من ولوج المحكمة.

ثم، ولأسباب غير واضحة ولا مفهومة لكثير من المهتمين والمتتبعين القانونيين، تم تأجيلُ النظر في القضية إلى جلسة يوم 29 نونبر 2010.

هكذا إذن كانت بداية المحاكمة، التي تشي بأنها محاكمة فيها من كل سوء إلا العدالة، التي لم يزل نظامنا المخزني رافعا لشعارها، مدعيا في كل المناسبات أنه حريص على حقوق المواطنين، وعلى ترسيخ مبادئ دولة القانون!!

بدايةٌ تخبر بما ستكون عليه أطوار المحاكمة كلها؛ بداية تؤكد وضعَ “اللاعدالة” في هذه القضية. وللحالمين أن يحلموا. وللكذّابين المأجورين أن يبهرجوا ويجمّلوا ويزوّقوا. وللأبواق الرسمية أن تتمادى في لغة الخشب، وسياسة الآذان الصماء، وخطاب التكبر والتجبر والجحود.

في درَكاتٍ سافِلة أخرى

في يوم 15 شتنبر الماضي، أبرم المجلسُ الاستشاري لحقوق الإنسان ووزارة الثقافة اتفاقيةً بينهما من أجل الاشتراك والتعاون لحفظ الذاكرة والأرشيف فيما له علاقة بما بات يُُعرف في الأدبيات الحقوقية المغربية بـ”سنوات الرصاص” وما أسفرت عنه هذه السنوات من خروقات فظيعة ووحشية لحقوق الإنسان، وذلك لأهداف يقع في مقدمتها القطعُ مع عقلية الدولة البوليسية الظالمة، وضمانُ عدم تكرار مآسي الماضي القريب، والانتقالُ إلى دولة المؤسسات والقانون وصيانة الحقوق والحريات.

حينما قرأت هذا الخبر قلت في نفسي معلقا: أيّ مسرحية ممجوجة هاته، وأيّ مسخ ثقافي حقوقي هذا، وأي نكوص وانحطاط؟

فكرُ اليسار والنضال والحداثة والتنوير ينتهي به المطاف لخدمة الدولة المخزنية، وتجميلِ وجهها القبيح، وتأثيث واجهتها الديمقراطية الحقوقية المزوَّرة بالشعارات الخادعة والخطابات الواهمة!

الفكر العلماني واللاديني يتوب بدرجة 180 درجة، ليرتقي عونا مؤمنا في جوقة مخزنية، يُؤمر ويُحرّك تحت عباءة “أمير المؤمنين”!

وكأن المناضلين المثقفين “التائبين” لا يقرأون، ولا يتابعون الأخبار، ولا يطلعون على التقارير الحقوقية، الصادرة من الداخل والخارج، ومن اتجاهات ومشارب متعددة، تعبر عن قلقها تجاه تجاوزات الدولة وخروقاتها للقانون، في قضية أعضاء جماعة العدل والإحسان في فاس.

وكأن الأمر لا يعني حقوقيينا “الرسميين”، وأشباه مثقفينا الذين ذاقوا لذاذة الجوائز المخزنية.

وكأن الماضي، في وعيهم المضطرب، قد طُوي وحُفظ بمجرد دخولهم إلى دار المخزن.

وكأن “الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان” قد ولّت ودُفنت لغير رجعة بمجرد أن أصبحوا متمتعين بمظاهر السلطان، متقلبين في المناصب والامتيازات المُغدقة عليهم.

وكأن الأسْوَد بات أبيض، وإلى الأبد، بمجرد تحولهم إلى أعوان للدولة، يأتمرون بأمرها، ويسوّغون سياساتها، ويدافعون عن قراراتها، مهما كانت هذه القرارات.

في اعتقادي، لن تكون هناك ذاكرةٌ محفوظة وجوهرُ ماضي “الانتهاكات الجسيمة” ما يزال مستمرا في الحاضر، بأشكال وألوان وأساليب مختلفة.

الجوهر ما يزال ثابتا ومستمرا: معارضُ الدولة المخزنية، وإن كان يركب أسلوبا سلميا رفيقا، وينهج طريق التحاور والتواصل والإقناع بالحسنى، هو عدوّ متهمٌ ومُدان قبل أن تُلفق عليه المحاضر، وتُعقد له المحاكماتُ الصورية، وتصدر في حقه الأحكامُ القاسية الظالمة.

ماذا تغير في الجوهر حتى يتحول مناضلو “أيام زمان” إلى شياطين خُرْس، ومنهم شياطين ناطقون، يشهدون الزور، ويجتهدون لتبييض الصفحات المخزنية السوداء.

ومن الدركات السافلة، في تناول قضية مظلومي العدل والإحسان في فاس، ما يصدر عن بعض الصحافيين، الذين يزعمون أنهم مستقلون، والذين ينطلقون من افتراض أن تكون الدولةُ صادقة وعلى حقٍّ فيما تدّعيه على أعضاء الجماعة في فاس، بل يجعلون هذا الافتراض هو الأصل والأساس، رغم كل القرائن والدلائل والمعلومات والشهادات، التي تُرجّح مظلومية المُتّهَمين، وتجعل براءتهم في مقدمة الاحتمالات.

وفي رأيي أن الصحافي المستقل لا يتردد في السير في الاتجاه الذي تفرضه المعطيات والمعلومات والوثائق المتوافرة. فماذا في ادعاء الدولة غيرُ قصةِ الاختطاف والتعذيب والتهديد بالقتل التي لا يحتاج الصحفي المستقل بحقّ إلى عناء كبير ليعرف أنها قصة موضوعة ومفبركة من ألفها إلى يائها؟

فماذا في مقالة الادعاء غيرُ كلام المُدّعي، الذي لا يستسيغه عقل سليم، ولا يُسلّم به الرجل العادي، وبالأحرى الصحافي الذي يملك من الخبرة والأدوات والتجربة ما يسهّل عليه تمييزَ الكلام الزائف من الكلام الصحيح؟

ومن هؤلاء الصحافيين الذين يُسيئون إلى شرف مهنة المتاعب منْ يقول في هذه القضية بالتريث وانتظار المحاكمة قبل تكوين أي رأي، مع أو ضد. وهذا الموقف يعني أن المحاكمة قد تكون عادلة، وعندئذ يمكن معرفةُ إن كان المتهمون جناة أم أبرياء.

وبعدَ صدور الحكم الابتدائي بالإدانة، سنقرأ لهؤلاء الصحافيين نفس المقالة، وهي الانتظار ريثما تبدأ أطوار الاستئناف، وبعد الاستئناف ننتظر النقض والإبرام، وكل هذا من أجل التهرب من تبني رأي واضح وصريح دلّت عليها كل المعطيات والقرائن المتوافرة. وأنا أرى أن هذا الصنف من الصحافيين هو فاتِل، أراد أو لم يرد، عن حسن نيّة أو عن سوء نيّة، في حبل التوجه المخزني، ومُعضّد لمزاعم الخطاب الرسمي في شأن دولة المؤسسات واستقلال القضاء.

إن موقف هذا الصنف من الصحافيين هو عندي أقربُ إلى التبعية والخضوع لمنطق الدولة منه إلى الاستقلالية والرأي الحر.

ومن الدرك الأسفل، في تناول موضوع معتقلي العدل والإحسان في فاس، في مجال الفكر والدراسة والتحليل، نكراتٌ من الناس، تزيّوا بأزياء أهل الفكر والدراسة والتحليل، وانتحلوا صفات الباحثين المتخصصين، وجعلوا ينشرون مقالاتٍ ويصدرون تصريحات ويعبرون عن آراء كلها، بلا استثناء، دفاع عن الدولة المخزنية وتبرير لادعاءاتها وتسويغ للظلم الواقع منها على جماعة العدل والإحسان عموما، وعلى معتقليها في فاس خصوصا.

ولقد فَضحَ هؤلاء الادعياءُ أنفسهم، على الهواء عبر الفضائيات، وفي غيرها من المنابر المقروءة والمسموعة والمرئية، حيث كشفوا عن قلّة بضاعتهم، وضحالة مستواهم، وتهافت معلوماتهم وتحليلاتهم، واختلال منطقهم وطريقة تفكيرهم، وكان يجدر بهم أن يبقوا مستورين بدل التعرّض للفضيحة على رؤوس الملايين من الأشهاد.

يكررون، بلا كلل ولا ملل، أن جماعة العدل والإحسان جماعةٌ لا تعترف بمؤسسات الدولة، ولا بقوانينها، وتسعى أن تكون دولة داخل الدولة، وأن تفرضَ رأيها بالقوة، إلى آخر مزاعمهم الفجّة وأباطيلهم المختلقة، وسخافاتهم المبتذلة المُغْضِبة المُنفِّرة المُضْحِكة.

وبناء على أباطيلهم هاته، فإن جماعة العدل والإحسان عندهم تستحق كل ما يقع عليها، وأكثر، من قمع ومنع وظلم وسجن ومحاكمات وغيرها من الممارسات الجائرة للسلطة المخزنية.

وفيما يخص ملف معتقلي الجماعة في فاس، فلا شك، عند هؤلاء “المتخصصين” في الكذب والتزوير والدعاية لأطروحات الجبر والاستبداد، لا شك عندهم أن الدولة محقة في كل ما تدّعيه، وأن الجريمة ثابتة على المتهمين قبل أن تبدأ المحاكمة، بل إن المحكمة عندهم ما هي إلا وسيلة لتأكيد حكم الإدانة.

حقدٌ مَرَضِي دفين، وشرّ شيطاني مستطير، يحاول، ولا حياء، أن يتقدم للناس في صورة العلم والفكر والبحث والموضوعية. وليس هناك، في الحقيقة، إلا الكذبُ والاختلاق وإشاعة الآراء الفاجرة المنكَرة.

وأخيرا، تحياتي وتقديراتي العالية والصادقة للقانونيين والحقوقيين الأصلاء الفضلاء الشرفاء، والإعلاميين والصحفيين المستقلين الأحرار، والباحثين والدارسين والمفكرين والمحللين الموضوعيين من أهل العدل والإنصاف. فأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ.

وبعد، فعَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: “قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُمْلِى لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ”. ثُمَّ قَرَأَ (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) “(من سورة هود).

صدق الله العظيم، وصدق رسوله الكريم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.