سياق ظهور “البرنامج الاستعجالي”

عرفت سنوات 2005 و2006 و2007 صدور عدة تقارير وطنية ونتائج لدراسات دولية أظهرت تدني المؤشرات المرتبطة بالتعليم خلال النصف الأول من العشرية المخصصة للتعليم كأولوية من أولويات البلاد، مما جعل المغرب يتبوأ الرتب الأخيرة في لوائح الدول ضمن تصنيفات التقارير والدراسات الدولية.

أعلن الخطاب الملكي 1 بعد انتخابات شتنبر 2007 عن المخطط الاستعجالي لتدارك ما فات، من خلال التفعيل الأمثل لمقتضيات الميثاق الوطني للتربية والتكوين، في إطار توجيهات البرنامج الذي ستنفذه الحكومة المقبلة “المنبثقة من الأغلبية”.

وأعلن الوزير عن برنامج استعجالي لإنقاذ التعليم أمام اللجنة البرلمانية يوم 07 نونبر2007، وطالب برصد متطلبات مالية وبشرية كبيرة إضافية قدَّرَها ب32 مليار درهم، مع ضرورة إحداث حوالي 13 ألف منصب خلال 2007 و28 ألف خلال سنتي 2010 و2011، ثم صدرت الصيغة الأولى لـ”البرنامج الاستعجالي” في دجنبر 2007. وتضمنت في ملحقها 91 مشروعا.

وفي أبريل 2008 تم الإعلان 2 عن التقرير الأول للمجلس الأعلى للتربية والتكوين “حول وضعية التعليم بالمغرب”، الذي سجل تحقيق مكتسبات لا ترقى لمستوى الطموح الذي تضمنه “الميثاق”، وحدد اختلالات كبيرة في الوضع التعليمي بالمغرب، وقدم توجيهات للتدارك، مع العلم أن هذا التقرير يعتبر الثاني في نوعه، والذي يحدد اختلالات في وضعية التعليم خلال العشرية المخصصة للتعليم، بعد تقرير اللجنة الملكية المكلفة بالتربية والتكوين سنة 2005 الذي سجل عدة تراجعات.

وبذلك تكون التقارير قد اعترفت بفشل السياسة التعليمية التي اعتُبرت “ذات الأولوية” خلال العشرية الأولى من الألفية الثالثة في سياسة الدولة بالمغرب، وتناقضت سياسة الدولة واقعيا مع الجزم الذي تضمنه “الميثاق” في خلاصته بكونه “لا يقبل التسويف أو التعثر”، وقد سجل تقرير المجلس الأعلى تحقيق مكتسبات لا ترقى لمستوى الطموح الذي تضمنه الميثاق، وحدد اختلالات كبيرة في الوضع التعليمي بالمغرب، وقدم توجيهات للتدارك الوضع.

وأعلن عن “البرنامج الاستعجالي” صيغة يونيو 2008 (التي أدخلت عليها تعديلات خلال غشت وشتتنبر)، وعرفت بصيغة 23 مشروعا، ولم يتمكن السيد الوزير من إعطاء انطلاقة “البرنامج الاستعجالي” بداية الموسم الدراسي 2008-2009، والوفاء بما صرح به أمام الملك 3 أثناء عرض تقرير المجلس الأعلى أمامه.

وفي أكتوبر 2009 صدرت الصيغة جديدة “للبرنامج الاستعجالي” وتم الإعلان عن الانطلاق الفعلي 4 “للبرنامج الاستعجالي” في بداية موسم 2009-2010.

ظهرت نسخة أكتوبر 2009 من بين “ركام” وثائقي صاحب البداية الفعلية “للبرنامج الاستعجالي” والمعروفة بصيغة 27 مشروعا موزعة على 4 مجالات، وتتطلب 158 تدبيرا، مرتبطة في بشكل مباشر أو غير مباشر بالمؤشرات التي تؤخذ بعين الاعتبار في تقارير التنمية البشرية 5

.

ورغم ظهور هذه النسخة لم يكن من الممكن أن يعرف أي أحد 6 (سواء كان هذا “الأحدُ” شريكا اجتماعيا أو مسؤولا أو مهتما أو باحثا أو فاعلا تربويا ممن أسعفهم حظ الاطلاع على هذه النسخة ضمن “الركام”) إن كان يتعلق الأمر بالصيغة النهائية “للبرنامج الاستعجالي”؟

رغم أن ديباجة التقديم تقول بـتبني منهجية جديدة، تعتمد على خمسة مكونات أساسية (منها المكون الثاني)، اعتماد رؤية تشاركية تتيح إشراك كل الفاعلين الأساسيين، داخل منظومة التربية والتكوين، في بلورة البرنامج الاستعجالي).

وفي فبراير 2010 تسرب خبر من الوزارة مفاده وقف التطوير النظري لوثيقة “البرنامج الاستعجالي”، وبدأت في أبريل 2010 اجتماعات تعريفية بـ” البرنامج الاستعجالي” على عدة مستويات إقليمية ومحلية.

وهكذا تم تقديم وعرض مضامين “البرنامج الاستعجالي” للمدرسين الفاعلين الأساسيين في المنظومة التربوية، بعد 29 شهرا من عرض نسخته الأولى بالبرلمان.

إنه الاستعجال‼ بمفهومه الذي لا يفهمه إلا من وضعه.

لهذا سمحت لنفسي أن أضع مصطلح البرنامج الاستعجالي بين مزدوجتين. 7

الفرق بين “الميثاق” و”البرنامج الاستعجالي”

بخصوص عبارة “البرنامج الاستعجالي” يوجد بالفعل إشكال، على المستوى النظري، وعلى مستوى الاستعمالات الواردة في النقاش على المستوى الإعلامي وعلى مستوى الساحة التربوية، حتى إن هناك من اعتبره ميثاقا جديدا.

حسب مارد في مدخل “البرنامج الاستعجالي”، فإن هذا الأخير يعتبر نفسه “فرصة” لاستدراك التعثر الذي حصل في تحقيق أهداف الإصلاح وفرصة للتعجيل بتطبيق المضامين الذي جاء بها الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1999، ويعتبر نفسه جزء منه، حيث جاءت المشاريع المكونة له، وفق منهجية موحدة، تذكر أولا بالتوجيهات المحددة في الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ثم تذكر أيضا بالملاحظات الرئيسية التي تشخص الوضعية، ثم الهدف، وتقدم التدابير المعتمدة في خطوطها العريضة.

في تعريفات الأدبيات التربوية، نجد تعريف البرنامج هو: عبارة عن متتالية من العمليات المحددة سلفا في الزمان والمكان، ‏والمطلوب منها أن تعمل في ظروف تسمح لها بالتجسيد على أرض الواقع، ‏وإذا لم تكن الظروف الخارجية ملائمة فإن البرنامج يفشل أو يتوقف) 8 (Edgard Morin).

في حين تنطلق الاستراتيجية من تقنية السيناريوهات وتستحضر المدى القصير والمتوسط والبعيد. إنها تحضر نفسها منذ البداية في حالة حدوث جديد أو أمر غير متوقع، ‏لكي تدمجه وتستوعبه من أجل التطوير والإثراء) 9 (Van Velzen, Mies,Robin).

وإذا استحضرنا مشاريع البرنامج الاستعجالي والإجراءات المرتبطة بها، فإنها تؤكد على تدخلات تستهدف المدى القصير والمتوسط والبعيد، مضبوطة بمؤشرات.

وعندما نتحدث عن المدى البعيد فإننا نتحدث عن بعد استراتيجي وليس عن برنامج. إذن يمكن أن نتساءل إن كنا بصدد برنامج استعجالي محدد في الزمان والمكان، أم أمام مخطط يراهن على إعادة هيكلة المنظومة التربوية على المدى المتوسط والبعيد، أم أمام منهجية عمل.

لماذا منهجية عمل؟

لأن في استحضار منطلق “البرنامج الاستعجالي” ومسار تطوره خلال 29 شهرا (من نونبر 2007 إلى أبريل 2010)، حيث كان المنطلق هو الاستجابة لطلب السيد الوزير، المتمثل في تحديد مشروع عمل لكل مسؤول مكلف بمهمة، وجمعت المشاريع لتكون نسخة “البرنامج الاستعجالي” دجنبر 2007 (91 مشروعا ضمنها الغث والمحمول)، وبعد صدور تقرير المجلس الأعلى للتعليم، حيث تضمن عدة توجيهات مُبَوبَة على أربع مجالات، جاءت صيغة البرنامج الاستعجالي مرتكزة على توجيهات التقرير مبوبة هي الأخرى على المجالات الأربع.

أعلن يوم 19 أبريل 2010 عن لقاء 10 ترأسه السيد الوزير والسيدة كاتبة الدولة بحضور السيد وزير المالية والاقتصاد والعديد من ممثلي المنظمات الدولية والمؤسسات ذات الخبرة بالمجال، أعطيت الانطلاقة الرسمية خلاله لمشروع إرساء نظام PMO “Project management office”، وتم التبني الرسمي لـ”اعتماد الوزارة منهجية ومقاربة التدبير بالمشروع”، أي بعد سنتين ونصف من الحديث عن “البرنامج الاستعجالي” يتم الإعلان رسميا في حفل (طبيعة الحضور فيه له دلالة) عن طبيعة وكينونة هذا الذي جاء لتدارك وتسريع إجراءات الميثاق الوطني للتربية والتعليم، “البرنامج الاستعجالي” المكون من 27 مشروعا.

وهذا الحدث يعطي مشروعية السؤال عن وضوح الرؤية بعد سنتين ونصف لانطلاق الحديث عن “البرنامج الاستعجالي” بقيادة تتغير مكوناتها في كل مرة.

فهل أصبحت الرؤية واضحة أم لازالت لم تتضح، بعد اعتماد الوزارة منهجية ومقاربة التدبير بالمشروع؟ (خصوصا وأن التخبط لازال مستمرا، والأزمة التعليمية لا زالت قائمة، رغم انقضاء ثلاث سنوات على بداية الحديث عن “البرنامج الاستعجالي”، وتسع سنوات عن “الميثاق الوطني للتربية والتكوين”)، أم إن الموارد المالية الهائلة كفيلة لوحدها بجلب الإصلاح؟ مع العلم أن الرؤية المحددة والمعلنة التي تشير إلى الطموح المراد الوصول إليه، والخطة الاستراتيجية التي تلبي احتياجات المستقبلية، والفلسفة الواضحة المنبثقة من المجتمع، هي مكونات أساسية يضمن توفرها فرص أكبر لنجاح أي إصلاح أو تغيير.


[1] الخطاب الملكي ليوم 12 أكتوبر 2007 بمناسبة الدورة التشريعية الأولى للبرلمان بعد “انتخابات 7 شتنبر 2007″، الكارثة السياسية من حيث نسبة المشاركة التي كانت دون 20%.\
[2] وكالة المغرب العربي للأنباء، 17 أبريل 2008.\
[3] أوردت وكالة الغرب العربي للأنباء يوم 17 أبريل 2008 خبر حفل تقديم التقرير الأول للمجلس الأعلى للتعليم أمام الملك، جاء فيه “ثمن السيد أحمد اخشيشن وزير التربية الوطنية والتعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر المجهود الذي بذله في إنجاز التقرير، وخلص في نهاية كلمته، إلى أن بداية الموسم الدراسي لشتنبر2008 ستكون موعدا لإعطاء انطلاقة تفعيل هذا المخطط الذي بادر جلالة الملك محمد السادس إلى جعله فرصة حقيقية لإعطاء نفس جديد لإصلاح المدرسة المغربية”.\
[4] تصريحات عدة للسيد الوزير في وسائل الإعلام منها، حوار مع الصحافي أحمد المؤذن بالقناة الأولى شتنبر 2009.\
[5] انظر النسخة الفرنسية لأطلس التربية الصادر عن الوزارة، 2009، ص ص106-132- مضاف له 25 صفحة مخصصة لتعريف المؤشرات وأهدافها وكيفية حسابها. (Atlas : regard sur L’Education nationale 2008-2009).\
[6] بما فيهم الشركاء الاجتماعيين، النقابات والجمعيات المهنية، الذين طالبوا جميعهم بإشراكهم، بل منهم من اتخذ موقفا سلبيا لهذا السبب، ومنهم من رَجَا الوزارة لكي يطلع على “البرنامج الاستعجالي”.\
[7] بالإضافة لوجود ما يبرر وضع مصطلح البرنامج بين مزدوجتين سيأتي ذكره في موضوع لاحق.\
[8] عبدالعزيز سنيهجي، تساؤلات نقدية أولية حول مفاهيم ومنهجية البرنامج الاستعجالي، مداخلة في يوم دراسي لنقابة مفتشي التعليم، نونبر 2008، ص 3.\
[9] نفس المرجع.\
[10] “فلاش إخباري” (نشرة إلكترونية إخبارية وزارية) العدد 103، 30 أبريل 2010.\