يحتفل رجال التعليم ونساؤه يوم الخامس من أكتوبر من كل سنة بعيدهم العالمي، وهي إن كانت مناسبة للإشادة بالوظائف العظيمة التي تقوم بها هذه الشريحة المجتمعية في بناء الإنسان وتربيته وتعليمه وتكوينه والتقدم بالمجتمع كله إلى مراقي الرقي والازدهار، فهي أيضا فرصة سانحة نستثمرها لتوجيه تذكرة إلى هؤلاء البناة -رجالا ونساء- لا نستثني أحدا علها تجد قلبا مصغيا وأذنا واعية، والهو من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

بشرى لكم

ما أحوج رجال التعليم إلى من يذكرهم بعظمة الأمانة التي انبروا لحملها، أمانة تكتسي عظمتها من عظمة المهمة الجليلة الملقاة على عاتقهم، نذكر رجال التعليم بما يحفزهم ويبعث الأمل في جوانحهم في زمن ادلهمت عليهم فيه الملمات، وكثرت فيه المثبطات، واستأسد فيه مروجو البهتان في الميدان بعد أن استأسد الحمل لما استنوق الجمل، وخلا الجو لقبرات الزور وناعقي الغربان فباضت فسادا في أعشاش النسور.

نستقي بشائر الخير من أعظم مصدر من الوحي الرباني:

نذكر رجال التعليم أن أول ما نزل من كتاب الله عز وجل كان هو: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. وانظر رحمك الله إلى قرن التعليم والتعلم ـ والقراءة بابهما ـ بمعرفة الخالق، وربط العلم بكرم الله وعطائه فأيما أمة قرأت إلا فتح الله لها أبواب كرمه وعطائه الحضاري المتنوع، ثم افهم من الآية أن المعلم الحق هو الله عز وجل هو العليم الخبير الحكيم. فتصدي رجل التعليم لهذه الوظيفة النبيلة والمهمة الجليلة تخلق بأسماء الله الحسنى وتحل بتجليات أنوار الجمال الأبدي والجلال السرمدي والكمال الأزلي.

نذكر رجل التعليم أن التعليم وظيفة الأنبياء رسل الله إلى خلقه، إلى جانب وظائف التزكية والتربية والهداية العامة، هي وظيفة الرسول الأكرم سيد المعلمين وإمام المربين وقائد الحكماء محمد صلى الله عليه وسلم: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، تلاوة وتزكية وتعليم للكتاب وللحكمة وظائف تعليمية لمعلمنا النصيب الأوفر منها إن اتبع منهاج الرسول المعلم الأعظم.

نبشر رجلنا المعلم ببشرى رسول الله لمعلم الناس الخير: “يستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء”رواه أبو داود والترمذي، و”إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير” 1 . أعظم بها من بشرى وأكرم بها من وسام يتقلده من يتصدى لتعليم الناس الخير.

هذه البشائر القرآنية والنبوية نعتبرها أعظم محفز يمكن أن ينطلق منها رجل التعليم نبراسا يقوده في درب مسيرته التعليمية ينير بها سبيله، فيكون القصد في الوظيفة عظيما بعظمة المقصود، وتكون الوجهة سامية بسمو الغاية، وتكون القدم راسخة لما اتضحت الطريق وصلحت النية وإذا عظمت الغاية تعبت في مرادها الأجسام كما يعبر الشاعر.فأي وظيفة هذه وجب علينا تذكير المعلم بها؟

حامل رسالة لا عبد حوالة

رجل التعليم معلم الناس الخير هو حامل رسالة في المقام الأول رسالة تبليغ كلمة الخير ومعاني الخير إلى العالمين، ما ينبغي له أن يكون عبدا لحوالة مصرفية ينتظرها آخر الشهر يقضي بها مآربه ثم ينتهي الأمر بانتظار الحوالة الأخرى في دوامة لا تنتهي ودورة لا تكتمل.

من تصدى لهذه المهمة وانبرى لتربية فلذات الأكباد أمامه ثلاث وظائف رئيسة:

• التربية بما هي تغيير لما بالنفس من رعونات الفتنة، صحبة للمتعلمين ورعاية وعناية وإيناسا، وحنوا أبويا، وعاطفة رقيقة، وأذنا مستمعة، وصدرا رحبا، وقلبا يسع الكل، ما يكتفي معلم الناس الخير بشحن العقول وملء الأدمغة بما قاله فلان ورتبه علان ونقده هيان، إنما يصحب متعلميه ويوجههم ويربيهم برفق في غير ضعف وقوة في غير عنف.

• التعليم بما هو عملية تلقين للمعارف وإطلاع على العلوم دقيقها وإنسانيها، معاشها ومعادها، وأول العلم وأشرف العلم العلم بالله العلم الرافع، ثم العلم النافع في الدنيا والأخرى مما أثله المتقدمون، وزاد عليه المتأخرون، ومما أنتجته الحكمة البشرية وأبدعته العقول الإنسانية.

• التغيير حيث المعلم رجل الميدان القائم الشاهد بالقسط، المشارك في هموم وسطه التعليمي، المنفتح على محيطه العام، المبدع في آدائه، الحاضر في معيش الناس اليومي، غير المستقيل من صحبة الأمة ومعايشة ظروفها، الفاعل لا المفعول به، المتجاوز لأنانيته المستعلية وذهنيته القاعدة وعاداته الجارفة.

وأنى لهذا المعلم أن يحقق هذه الوظائف متكاملة متوازنة مندمجة إن لم نوفر له الأرضية العدلية الذي تجعله يرتقي عن سماع أغنية الخبز التي لا يسلك غيرها في مسامع الجائع المحروم المفقر المجهول المهمش المقتول.

بأي حال عدت يا عيد؟

يفري ـ والله ـ الجوانح ما يحياه تعليمنا من مآس جعلت منه كارثة بكل المقاييس: جدية مفتقدة، هدر دراسي شلال، أمية متنوعة، مخططات استعجالية، تجارب أرنبية، بحث علمي هزيل، بطالة متفشية، تضخم سرطاني في البرامج والمضامين والمناهج، وجودة سراب، والكل مسهم في مسرحية رديئة مخرجها، ضحلة مضامينها، مغلوب على أمرهم ممثلوها، والمستهدفون ضائعون تائهون ترتكب في حقهم أبشع جرائم اغتيال الذخيرة الحية التي يعدها عقلاء العالمين للمستقبل فلذات الأكباد أبناؤنا.

ثم يأتي من يحمل رجل التعليم وحده تبعات إفساد المفسدين وتبذير المبذرين.

إن تحقيق رجل التعليم لوظائف التربية والتعليم والتغيير رهينة بعد جعل التعليم في يد الأمة بعيدا عن استبداد المخزن، وعن رهنه بإملاءات الاستكبار الاقتصادي العالمي بتوافر عناصر أو شروط نراها ضرورية بغيرها نحرث في صخر وننحت في بحر:

أولها: الشرط الاجتماعي: إن لم نحقق لرجل التعليم ما يحفظ له كرامته ماديا ومعنويا نكون ممن يبني السراب ويشيد الأحلام، إذ المنشغل بالخبز اليومي لن يفرغ للتعليم بله التربية. وثانيها الشرط العلمي: إذ لا بد من كفاءة علمية عملية تقنية تساعد على أداء الواجب في أحسن الظروف. ثم ثالثها: الشرط الأخلاقي: إذ الباطل لا يغير باطلا مثله أو أشد منه، فلا يربي من يحتاج على تربية ولا يعلم من هو في حاجة لأن يعلمه، من هنا لا تحمل مسؤولية التعليم إلا لأفاضل الناس من يجمعون الأمانة والقوة الأخلاق والدراية.

وسط هذه الوضعية التي تفتقد هذه الشروط وتتحكم فيها تلك الصورة التي قدمنا، لا بد لرجل التعليم أن يؤسس لذهنية الواجب وذهنية الحق، يؤدي المعلم وظائفه على قدر جهده دون أن يتنازل عن المطالبة بحقه، في بناء لنوع من المقاومة التي يمكن تسميتها بمقاومة البناء الممانعة، وسط الفتنة العارمة يكون حضور الشهادة بالقسط مدافعة ومنافحة وإتيانا لبنيان الخراب من أسسه وقواعده إن بقيت له أصلا أسس وقواعد إذ الظلم والفساد مؤذنان بالإهلاك وعيد ممن لا يخلف وعده، ولا يتأخر وعيده.

والله غالب على أمره.


[1] حديث حسن رواه الترمذي.\