انتقدت جماعة «العدل والإحسان» الأصولية المحظورة، موقف السلطات المغربية من قضية ثمانية من أعضاء الجماعة يتابعون بتهمة احتجاز محام في فاس وتعذيبه، بعد اتهامه بالعمل لصالح الأجهزة الأمنية المغربية، ونقل تفاصيل لقاء تم في دمشق بين وفد يمثل الجماعة وخالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس».

وقالت الجماعة إن السلطات المغربية أضفت طابعا سياسيا على قضية المعتقلين الثمانية، ولم توفر لهم شروط المحاكمة العادلة من خلال إجبارهم على التوقيع على محاضر أقوال غير صحيحة، وذلك تحت التعذيب، ومنع ذويهم من حضور جلسة المحاكمة أول من أمس، وهي الجلسة التي تم تأجيلها إلى 29 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وفي غضون ذلك، انتقد محامون أوروبيون بدورهم ظروف المحاكمة.

يشار إلى أن أعضاء الجماعة الذين يتابعون منذ يونيو (حزيران) الماضي في فاس هم: محمد السليماني، عبد الله بلة، هشام الهواري، هشام صباحي، عز الدين السليماني، أبو علي المنور، طارق مهلة؛ حيث وجهت لهم تهمة «الاختطاف والاحتجاز عن طريق التعذيب، والسرقة الموصوفة باستعمال السلاح والعنف، والانتماء إلى جماعة غير مرخص لها»، في حين يتابع المتهم الثامن محمد بقلول، بتهمة «الانتماء إلى جماعة غير مرخص لها».

وتقول الجماعة إن أجهزة الأمن «اختطفت» هذه المجموعة صباح يوم 28 يونيو الماضي وعذبتهم قبل إحالتهم إلى قاضي التحقيق الذي قرر متابعتهم «على الرغم من انتفاء الأسباب والمسوغات القانونية»، حسب زعم الجماعة. وقالت هيئة الدفاع عن المعتقلين، في لقاء صحافي جرى الليلة قبل الماضية في الرباط، بعد انعقاد الجلسة الأولى للمحاكمة في فاس: إن المحاكمة عرفت خروقات كبيرة ولم تحترم القانون، وانتقدت قرار تأجيلها على الرغم من أن ملف القضية جاهز.

في هذا السياق، قال محمد أغناش، وهو محام بهيئة الدار البيضاء: إن عائلات المعتقلين منعت من حضور الجلسة خلافا لما ينص عليه القانون المغربي والمواثيق الدولية.

وأضاف أنه عندما تشبثت هيئة الدفاع بحق الأهالي في الدخول إلى قاعة المحكمة تمت محاصرة الجميع من عائلات ومحامين من طرف عناصر الأمن التي فرضت طوقا أمنيا.

وزاد: «في لحظة من اللحظات لم نتمكن حتى من التحرك، وبدأت حالة من التدافع». وأضاف أغناش، وهو واحد من المحامين الثلاثة الذين انتدبتهم هيئة الدفاع إلى جانب محمد جلال والبلجيكي عيسى غيلتسلار للحديث مع الصحافيين، أنه كان يطلب من كل من يريد حضور الجلسة إظهار الاستدعاء، بدعوى أن هناك تعليمات. وقال أغناش: «كنا ننتظر محاكمة عادية، لكننا فوجئنا بمجموعة من الأحزمة الأمنية التي تترصد كل من يذهب إلى المحكمة»، ووصف الأجواء في محيط المحكمة بأنها ترهيبية، وقال إن الأوضاع بقيت على حالها على الرغم من الاتصال بالنيابة العامة وبرئاسة المحكمة. وأشار أغناش إلى أنه في الجلسات السياسية يمنع دخول الجمهور، لكن هذا المنع لم يشمل يوما عائلات المتهمين والصحافيين.

وانتقد أغناش تأخير المحاكمة إلى نوفمبر المقبل على الرغم من أن ملف القضية جاهز. وقال إنه على الرغم من إخبار المحكمة بعدم وجود هيئة الدفاع كاملة باستثناء ثلاثة محامين، فإنهم تمكنوا من الدخول إلى قاعة المحاكمة بصعوبة، وسجلوا أنفسهم وطلبوا معاينة علنية الجلسة. واعتبر أغناش أن هذا التأخير جاء لرفع الحرج عن جهة أمنية، وهو ما يطعن في نزاهة المحاكمة من دون أن يحدد هوية هذه الجهة. وقال: «ليس مسوغا أن يتم تأخير البت في الملف فقط لأن المعتقلين أصروا على حضور محاميهم». وأشار إلى أن هناك تقارير طبية كشفت عن أن المعتقلين تعرضوا للتعذيب، ونسبت إليهم أقوالا لم يدلوا بها. واتهم أغناش الأجهزة الأمنية بعرقلة السير العادي للمحاكمة، وأكد تشبثه بالحكم ببراءة المتهمين. ووصف المحاكمة بأنها سياسية، وقال إن السلطات عندما أضافت تهمة الانتماء إلى جماعة غير مرخص لها إلى لائحة التهم تكون قد أعفت الجماعة من إثبات أن المحاكمة سياسية، خاصة إذا أخذت بعين الاعتبار الترتيبات والمراحل التي مرت بها المحاكمة. وقال: «إن السلطات قصدت الإيقاع بالمتهمين وتوريطهم في هذا الملف فقط لكونهم ينتمون إلى جماعة العدل والإحسان»، على حد قوله. وقال إن كل ما تطلبه هيئة الدفاع هو توفير شروط المحاكمة العادلة وعلى رأسها علانية الجلسات باعتبار ذلك أبسط حقوق المعتقلين. وأبدى قلقه حول مصير المعتقلين الذين يتابعون بتهم تصل عقوبتها القصوى إلى المؤبد.

من جهته، قال عيسى غيلتسلار، وهو من هيئة المحامين ببروكسل: إن المحاكمة مثيرة للقلق.. وعبر عن استغرابه من مجموعة من الأمور فيها، في مقدمتها الحضور الكثيف لرجال الأمن في محيط المحكمة، وقدر عددهم بأكثر من 200 عنصر أمني، إضافة إلى رجال الأمن الذين كانوا داخل المحكمة وأمامها، بالإضافة إلى منع أهالي المعتقلين من حضور الجلسة، وكذا منع المحامين بدعوى أن هناك عددا محددا من المقاعد خصص للصحافيين، بالإضافة إلى تأجيل الجلسة. وقال إنه من الصعب تصديق أن ذلك يحدث في بلد يعرف تطورا في المجال الديمقراطي.

وقال: «نحن نحب هذا البلد ومتعلقون به كثيرا، ولا نريد لمسيرته الديمقراطية أن تتعثر». وزاد: «المغاربة يستحقون دولة قانون وليس ممارسات ترجع ببلادهم إلى سنوات مضت».

وأضاف غيلتسلار: «هذا امتحان، ونحن كمحامين ومراقبين نترقب ما سيحدث، ونؤكد ضرورة احترام حقوق الإنسان، كما نرفض أن تنساق المحكمة وراء فخ قدم لها»، وزاد: «لسنا هنا لإعطاء دروس للمغاربة أو الضغط عليهم، لكننا هنا من أجل المراقبة والمؤازرة فقط». وأضاف أن حضوره وزملائه يدخل في إطار الاتفاقات القضائية بين البلدان، والتي تتيح حضور المحامين لمحاكمات في البلدان التي تجمع بينها هذه الاتفاقيات.

من جهته، قال محمد جلال، وهو محام من هيئة الرباط: إن قاضي التحقيق عاين آثار التعذيب على المعتقلين بالعين المجردة.

وأضاف: «التقرير الطبي كان سندنا، لقد حاولوا إخفاء آثار التعذيب، لكنها كانت جلية». وقال جلال: إن المحكمة قررت تأجيل الملف بدعوى استدعاء الشاهد الذي هو المشتكي في الوقت نفسه، مشيرا إلى أن كل ما في الأمر هو أن هذا التأجيل من أجل التطويل وتهدئة الأجواء.

من جانبه، قال المحامي عباس مهدي، من هيئة بروكسل لـ«الشرق الأوسط»: إن السلطات المغربية تقول إنها عنفت المعتقلين بسبب إقدامهم على الاعتداء على عناصرها والاشتباك معهم، بينما يوضح التقرير الطبي أنهم تعرضوا للضرب على أقدامهم. وتساءل: «هل يعقل أن يكون قد حصل بالفعل اشتباك فيما يحمل المعتقلون ضربات على أقدامهم؟».

وأضاف أن عددا منهم تعرض لنزيف من جراء اغتصابهم من طرف عناصر الأمن عند استنطاقهم، مشيرا إلى أن المغرب عرف تقدما مهما في مجال الحريات لكنه لا ينبغي لمثل هذه الممارسات أن تجعله يتراجع.

وقال مهدي إنه ليس بصدد مناقشة براءة المتهمين أو تورطهم، لكنه يجب على الأقل توفير شروط المحاكمة العادلة.

يشار إلى أن الجلسة الأولى من محاكمة معتقلي جماعة «العدل والإحسان» انطلقت بحضور جمعيات ومنظمات حقوقية ودولية.