رغم الإجماع الحقوقي المحلي والدولي على سياسية الملف ومظلومية المعتقلين، ورغم استنكار الطريقة التي انتهجتها أجهزة الاستخبارات ابتداءً من الاِختطاف والتعذيب ثم القضاء في فترة التحقيق التمهيدي والتفصيلي وفي انطلاق المحاكمة في الجلسة الأولى يوم الإثنين الماضي 4 أكتوبر 2010 حيث ارتسم مسار المحاكمة السياسية المفتقدة للأساس القانوني، رغم ذلك يبدو أن الدولة عازمة على مواصلة محاكمة قياديي وأعضاء جماعة العدل والإحسان بمدينة فاس، ومُصرَّة على فتح صفحة حقوقية جديدة سوداء وتوتر سياسي لا يُعلم حدوده ومداه.

فقد تميزت الجلسة الأولى من المحاكمة بحضور العديد من المحامين من مختلف الهيئات ومندوبين عن جمعيات حقوقية وطنية ودولية، وكذا عرفت الندوة التي نظمتها هيئة الدفاع مساء نفس اليوم حضورا حقوقيا لافتا، حيث حضرت مجموعة من الشخصيات الوطنية والدولية أشغال الندوة ممثلين لهيئاتهم ومنظماتهم، وهم محمد الزهاري الكاتب العام للعصبة المغربية لحقوق الإنسان، وعبد الرزاق بوغنبور عضو المكتب المركزي للعصبة المغربية لحقوق الإنسان، وخالد السفياني محام ومنسق مجموعة العمل لمساندة العراق وفلسطين، وسميرة كناني عضو المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وأحمد ويحمان عن مبادرة ائتلاف الدفاع عن الحريات الأساسية، كما حضر يوسف شهاب من بلجيكا ممثلا عن منظمة التحالف من أجل الحرية والكرامة، والمهدي عباس محام من بلجيكا.

وفي الندوة قال المحامي البلجيكي “عيسى غيلتسلار”، الذي جاء ضمن وفد من الحقوقيين والمحاميين البلجيكيين لمؤازرة الإخوة المعتقلين، نحن هنا بصفتنا محامين ومراقبين، وقد تملكنا الاستغراب بخصوص الحضور المكثف للأمن، وبالحجم الكبير للمحيط الأمني المضروب حول مقر المحكمة، وبمنع عائلات المعتقلين من ولوج قاعة المحكمة، وبمنع قسم من المحامين من ولوجها أيضا بدعوى كثرة عددهم. وسجل غيلتسلار قلقه من أنه إذا كان “القضاء المغربي في 2010 لا يستطيع أن يضع في الاعتبار شروط المحاكمة النزيهة فمعناه أننا أمام تراجع إلى الوراء”.

كما استبقت العديد من الهيئات والمنظمات الحقوقية المغربية والدولية مرحلة التقاضي الفاقدة هيئته للاستقلال عن الأجهزة المخزنية والتنفيذية، هذه الأخيرة التي فبركت ملف معتقلي/مختطفي العدل والإحسان الثمانية وأصدرت صك الاتهام قبل أن ينتصب القضاء للفصل في التهم التي افتعلها محامي السلطة الجاسوس.

وهكذا عبَّرت “منظمة العفو الدولية” عن تخوفها من غياب شروط المحاكمة العادلة وأطلقت، في الفترة الممتدة ما بين 21 يوليوز/تموز و1 أيلول/سبتمبر 2010، حملة عاجلة للتضامن مع معتقلي العدل والإحسان السبعة الذين تعرضوا للاختطاف ثم التعذيب على يد جهاز المخابرات المغربي. وطالبت المنظمة المعنيين بمراسلة الجهات الرسمية المعنية، باللغتين العربية والفرنسية أو لغات أخرى، قبل لتمكين المعتقلين من حقوقهم داخل السجن، ودعت وزير العدل إلى “إجراء تحقيق واف ومستقل وغير منحاز في مزاعم تعذيبهم، وتقديم أي موظف رسمي تتبين مسؤوليته عن هذه الانتهاكات إلى ساحة العدالة”، وضمان “عدم الأخذ بأية أقوال انتزعت منهم تحت التعذيب أو الإكراه كأدلة في أي إجراءات قانونية ضد الرجال السبعة، وكفالة تقديمهم إلى محاكمة عادلة”.

أما منظمة “هيومان رايتس ووتش” فقالت، يوم الأربعاء فاتح إيلول/سبتمبر 2010، بأن السلطات المغربية قامت “باعتقال سبعة أعضاء بارزين في جمعية إسلامية رائدة في المغرب – دون مذكرات توقيف – ثم ظهور ادعاءات بتعرضهم للتعذيب في مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية؛ هو أمر يثير التساؤلات حول كيفية معالجة السلطات المغربية لتلك القضية”، وقالت “سارة ليا ويتسن”، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: “يبدوا أن هذه القضية تتلاءم مع نمط مضايقة السلطات المغربية لجماعة العدل والإحسان”. وأضافت: “إنهم بحاجة إلى تبديد هذا الانطباع عن طريق إجراء تحقيق محايد في شكاوى المدعى عليهم بالتعذيب ومنحهم محاكمة عادلة.”

منظمة الكرامة الموجود مقرها بجنيف، وهي من المنظمات الحقوقية العربية ذات المصداقية والتأثير الكبيرين في المجال الحقوقي، هي الأخرى أصدرت تقريرا بشأن وضعية معتقلي العدل والإحسان الجدد، وراسلت المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بمناهضة التعذيب في الموضوع، ومما جاء في المراسلة “ألقي القبض بشكل تعسفي، في شهر حزيران/ يونيو 2010، على سبعة من قادة جماعة العدل والإحسان، وهي منظمة مرخص لها قانونيا، وتعرض هؤلاء الأشخاص السبعة، في أعقاب ذلك، لأصناف التعذيب جسيم، ولا يزالون حتى اللحظة الراهنة رهن الاعتقال في سجن فاس في انتظار محاكمتهم”. والتمست منه التدخل لدى السلطات المغربية لحثها على إجراء تحقيق شامل ومحايد في وقائع التعذيب الثابتة بشكل لا يرقى إليه أدنى شك.

وعلى المستوى المحلي طالبت منظمة “الوسيط من أجل الديموقراطية وحقوق الإنسان” جميع الهيئات الحقوقية والمدنية والسياسية بالدفاع عن معتقلي العدل والإحسان وتجنب سياسة الصمت حتى لا يستفرد المخزن بالواحد تلو الآخر، وقالت في رسالة وجهتها لعدد من الوزراء والفرق البرلمانية وزعماء الأحزاب السياسية، والمرفقة ببيانها الصادر بتاريخ 14 تموز/يوليوز 2010: إن “الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان” وهو يتابع ذلك، ويستمع لإفادات عائلات المعتقلين السبعة، ويطلع من خلالها على ظروف احتجاز وتعذيب هؤلاء والواردة تفاصيلها في التصريح الموجه إليكم رفقته، فإنه يؤكد على موقفه الرافض لكل الممارسات الخارجة عن نطاق القانون والشرعية، ويذكر خلال مختلف محطات ترافعه بموقفه النابذ للجوء للعنف في تدبير الاختلافات والخلافات كيفما كان مستواها.

أما “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” فقد طالبت في بيانها الصادر في 13 تموز/يوليوز 2010 بـ: “فتح بحث بشأن كل الخروقات التي أفادتنا بها العائلات وصرح لها بها المعتقلون، والتي تشكل أفعالا يجرمها القانون الدولي والقانون الجنائي المغربي وتتعارض ومضامين المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، مع ترتيب جميع الإجراءات القانونية اللازمة في هذا الملف، والعمل على وضع حد لكل الممارسات التي تقوم بها المصالح الأمنية التي تقع تحت وصايتكم، في عبث صريح بالقانون، وضمان حق المتابعين في محاكمة عادلة، مع موافاة الجمعية بنتائج البحث والتحقيق”.

ونددت “العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان” في بيانها الصادر في 9 تموز/يوليوز 2010، وبقوة، بما تعرض له معتقلو العدل والإحسان السبعة بمدينة فاس من تعذيب وتنكيل من قبل الفرقة الوطنية للشرطة القضائية أثناء اختطافهم بمدينة الدار البيضاء، وطالب مكتبها المركزي بفتح تحقيق نزيه في ما تعرض له المعتقلون ومعاقبة المسؤولين عن اختطافهم وتعذيبهم وتقديمهم للمحاكمة.

ومن جهته أبدى “المركز المغربي لحقوق الإنسان” اهتماما ومتابعة للملف، وطالب “بفتح تحقيق حول النقاط التالية: أسلوب الاعتقال الشبيه بالاختطاف وتفتيش المنازل وحجز بعض ممتلكات الموقوفين من دون إذن من الوكيل العام الملك، الإهانات الماسة بالسلامة البدنية للمختطفين، والحاطة من كرامة المعتقلين، وذلك من خلال الاعتداء عليهم بشتى صنوف الضرب والتحرش والتهديد بالاغتصاب ، وهو ما يذكرنا بماضي الانتهاكات الجسيمة التي عرفها المغرب خلال سنوات الرصاص”. كما طالب المركز، في بيان له بتاريخ 10 يوليو 2010، ب”الحرص على توفير شروط المحاكمة العادلة للمعتقلين كما هو منصوص عليه في المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية، الحرص على إجراء خبرة طبية – نفسية وجسدية- سريعة وموضوعية ونزيهة وفق ما أمر به السيد قاضي التحقيق لدى محكمة الاستئناف بفاس، متابعة المسؤولين عن ممارسات التعذيب – في حالة ثبوته- وتقديمهم للمحاكمة طبقا لمقتضيات القانون المتعلق بتجريم ممارسة التعذيب، والمواد 2 ، 4 ،5 و6 الواردة في الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي صادق عليها المغرب”.

وبدورها قالت جمعية “عدالة” بأنها تتابع بقلق بالغ هذا الملف، وقال المكتب التنفيذي للجمعية، في بلاغ له يوم 19 يوليو 2010، “أمام الخروقات التي شابت توقيف واعتقال ومتابعة المواطنبن السبعة أعضاء جماعة العدل والإحسان بفاس ، والتي تشكل نمطا ثابثا من الانتهاكات دأبت عليه بعض الأجهزة خلال السنوات الأخيرة في حق المعتقلين السياسيين وأساسا منهم الذين يتابعون في قضايا الإرهاب ، يطالب وزارتي العدل والداخلية بصفة خاصة، ب: فتح تحقيق عاجل حول إفادات المعتقلين، فيما يخص ظروف توقيفهم وكذا تعرضهم للتعذيب وكل ضروب المعاملة القاسية والمهينة والحاطة من الكرامة، المجرم دوليا خاصة من خلال الإتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب التي صادق المغرب عليها مند يونيو 1993 والمجرم كذلك في القانون الجنائي المغربي، وذلك قصد تحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات. إطلاق سراح المعتقلين ومتابعتهم في حالة سراح. تمتيعهم بالحق في محاكمة عادلة”.

أما “منتدى الكرامة” فقد قررت، في بلاغها الصادر في 28 إيلول/سبتمبر 2010، “انتداب أحد أعضاء المنتدى لمراقبة محاكمة المعتقلين السبعة وإعداد تقرير في موضوع ضمانات المحاكمة العادلة للرجوع إليه عند الحاجة”.

ومعلوم أن قياديي وأعضاء العدل والإحسان السبعة (محمد السليماني، عبد الله بلة، هشام الهواري، هشام صباحي، عز الدين السليماني، أبو علي المنور، طارق مهلة) يتابعون بتهم ملفقة وهي: الاختطاف والاحتجاز عن طريق التعذيب، والسرقة الموصوفة باستعمال السلاح والعنف، والانتماء إلى جماعة غير مرخص لها، في حين يتابع العضو الثامن (محمد بقلول) بجنحة الانتماء إلى جماعة غير مرخص لها.