لعل التفاضل، في عرف نظم الحكم العربية المستبدة، أصبح بين السيِّء والأسوإ والقبيح والأقبح؛ إذ في الوقت الذي يتباهى فيه نظامٌ بالاستفراد بالحكم يتبجَّح آخرُ بتأبيد هيمنته على مقاليد السلطة، وحين يتعالى حاكمٌ على بني جلدته وجنسه يَتَسيَّد آخَرُ ويَتأمَّر على شعبٍ بغير اختيار ولا رضا، وحين تحكم دولة بقوانين تضييق الحرية وتحجيم الرأي تحيى أخرى على قانون الطوارئ فَتُكَتِّمُ الأنفاس وتخنق الحرية، فتعلو لغة القمع والعصا والسجن على كل لغة.

مناسبة هذا الحديث أن بعضنا في المغرب كان يستغرب، من موقع “البراءة” وكأننا في دولة القانون والحرية، صمتَ إخواننا المصريين على العيش في ضيق وعَسْف قانون الطوارئ منذ 1981، حتى اكتشفوا بِمُسَلَّمَات القانون والحقوق والسياسة أننا في “المملكة السعيدة” نُحكَم بقانون طوارئ غير معلن.

قانون طوارئ يمكن في ظله أن تُختَطف وتُعذَّب وتُحاكُ لكَ التُّهم وتُفبرَك ضدك الملفات وتمُنع عائلتك من حضور مشهد سلخك وهيئة دفاعك من حق مؤازرتك، بل قانونُ طوارئ بإمكان منفذيه أن تزداد جرعة تعذيبهم لك فتخرج الروح إلى بارئها ولا حسيب ولا رقيب، فالمعتقل -كما العادة- كان مصابا بمريض خطير!

قانون طوارئ يُرفع فيه باستمرار سيف الحرب المسلط على جماعة العدل والإحسان التي أبت الركوع لغير الله، ورفضت تزوير إرادة الشعب المسكين، وتمنَّعت على التدجين والإدماج في جوقة المسبحين بحمد نظام الجبر، فكان الحصارُ والسجنُ والاعتقالُ والاختطافُ والإقامةُ الجبريةُ والمنعُ والقمعُ نصيبَها ونصيبَ مرشدها وقيادييها وأبنائها وأنشطتها طيلة الثلاثة عقود من عمر دعوتها ومسيرتها، وكانت الملفاتُ السياسية لطلبة وجدة الاثني عشر ومجلس الإرشاد وندية ياسين ومحمد عبادي وعمر محب… وليس أخيرا ملفُّ معتقلي العدل والإحسان الثمانية.

قانون طوارئ لا يستثني حتى من ظنوا أنهم تَلافَوْا شرَّ حكام البلد المتحكمين فيه، فحُبكت التهم للسياسيين الستة وأصدر المخزن على لسان القضاء حكم الإدانة الظالم، وأزيحت من الخارطة الحزبية أحزاب بجرة قلم وتصريح لسان، واتُّهم حزب العدالة والتنمية -وما يزال- بازدواجية الولاء وثنائية الخطاب، وضُخِّم ملف “السلفيين الجهاديين” حتى عُدّ المتهمون بالآلاف.

قانون طوارئ لم يسلم منه الحقوقيون والإعلاميون والمثقفون والسياسيون، كل شيء ممكن في ضوئه وكل أمر وارد، تهمة سياسية أو أخلاقية، اختطاف أو موت.

من كان ينوي البارحة حضور محاكمة معتقلي العدل والإحسان الجدد بفاس، خاصة إذا أقبل من خارج المدينة وبدا له وهو يقترب من حمى العاصمة العلمية ضوء جمالها وعراقة علمها وجزالة أدبها وأصالة تراثها، ثم قصد محكمة الاستئناف التي عاشت لحظتها حالة استثناء أمني وبوليسي، سيكتشف فداحة الكارثة التي يعيشها البلد وحجم الخسارة التي يعرفها الوطن، وسيعلم حقا أن المخزن المتسلط يهدم كل البناء الحضاري والقيمي للمغرب، وسيقف عن كثب على حقيقة قانون الطوارئ غير المعلن.