تبتدئ يوم الإثنين 4 أكتوبر 2010 محاكمة معتقلي العدل والإحسان الجدد في واحدة من أبرز المحاكمات السياسية التي يعرفها مغرب “العهد الجديد” في حق الجماعة.

وينتظر أن تتجه أنظار الحقوقيين والسياسيين والإعلاميين وكثير من المنظمات الحقوقية المغربية والأجنبية إلى الغرفة الجنائية بمحكمة الاستئناف بمدينة فاس، والتي تنظر في ملف معتقلي العدل والإحسان الثمانية الذين اختطفتهم أجهزة الاستخبارات يوم الإثنين 28 يونيو 2010 وعذبتهم قبل أن تحيلهم على قاضي التحقيق الذي قرر المتابعة رغم انتفاء أسبابها ومسوغاتها القانونية.

ويتابع قياديو وأعضاء الجماعة السبعة (محمد السليماني، عبد الله بلة، هشام الهواري، هشام صباحي، عز الدين السليماني، أبو علي المنور، طارق مهلة) بتهم ملفقة وهي: الاختطاف والاحتجاز عن طريق التعذيب، والسرقة الموصوفة باستعمال السلاح والعنف، والانتماء إلى جماعة غير مرخص لها، في حين يتابع العضو الثامن (محمد بقلول) بجنحة الانتماء إلى جماعة غير مرخص لها.

محاكمة سياسية بامتياز

وعشية انطلاق هذه المحاكمة السياسية قال د. محمد سلمي، منسق الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان، بأن “هذه المحاكمة سياسية وليست قانونية لأن المتابعين لم يرتكبوا أي فعل جرمي”، موضحا أنهم “يحاكمون لانتمائهم السياسي لجماعة العدل والإحسان، ولأن الجهات المخزنية التي فبركت هذا الملف تريد أن تتخذه وسيلة أخرى للضغط على الجماعة ومساومتها على خطها السياسي ومواقفها المبدئية”.

واسترسل منسق الهيئة الحقوقية موضحا، لموقع aljamaa.net، ومتسائلا باستغراب “أليس غريبا أن يفتح هذا الملف بعد أن استكمل معتقلو العدل والإحسان الإثني عشر “طلبة وجدة” مدة محكوميتهم الظالمة 18 سنة سجنا؟ ! أليس واضحا أن ملف معتقلي فاس جاء في سياق حملة مخزنية مسعورة في حق الجماعة انطلقت من 24 ماي 2006 وخلفت الآلاف من المعتقلين والمتابعين والمهددين في أمنهم وأرزاقهم؟ !”.

وقال ردا على تهمة تعذيب محامي فاس لثنيه عن الاستقالة من الجماعة “واضح لكل مبتدئ في العمل الجماعي والجماهيري أن الانتماء لأي تنظيم والاستقالة منه مسألة طوعية واختيارية ولا يمكن لأحد أن يكره أحدا على الانتماء أو ثنيه عن الاستقالة! وإنما هي تهمة ساذجة لإخفاء خيبة المخابرات المغربية في اختراق الجماعة من خلال عميلها المحامي المدسوس”.

المحاكمة العادلة.. مؤشرات غيابها

وسبق لهيئة دفاع المعتقلين أن صرحت، لموقع الجماعة نت، بأنها رصدت مؤشرات كثيرة تؤكد أن مسار الملف سياسي وليس قانونيا وهو ما قد يفقد المحاكمة العدالة المطلوبة.

وعددت هذه المؤشرات انطلاق منذ بداية الملف حيث تمت عملية الاقتحام والاختطاف والتعذيب بالشكل الذي عرفه الجميع وخالف جميع القوانين. وإحالة الملف على الفرقة الوطنية للشرطة القضائية مع أن الملف عادي ما دام يتعلق بشكاية عادية. ثم كان خرق آخر وهو نشر وكالة المغرب العربي للأنباء قصاصة تفيد التحقيق معهم في وقت لم ينطلق التحقيق بعد ولم تعرف عائلاتهم مكانهم ولما يعرضوا بعد على الوكيل العام. ثم أعقب ذلك إرغام المعتقلين على توقيع محاضر جاهزة إبان اختطافهم في مقر الفرقة الوطنية. ثم منع هيأة الدفاع من زيارة المعتقلين أثناء وجودهم في مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية رغم حصول هيأة الدفاع على إذن الزيارة من الوكيل العام. ومن أخطر تلك الخروقات التي لم يتعامل معها القضاء بحياد واستقلال آثار التعذيب التي كانت بادية على المعتقلين أمام قاضي التحقيق، والتأخر في إجراء الفحص الطبي لمدة 8 أيام لتختفي آثار التعذيب..

كما تقدمت هيأة الدفاع بمجموعة من الملتمسات لدى قاضي التحقيق لكنها قوبلت بالتجاهل والرفض رغم وجاهتها ومساعدتها للوصول إلى الحقيقة والعدالة، ومنها رفضه استدعاء ممثل اتصالات المغرب للوقوف على كذبة تمكن محمد بقلول من إمكانية التنصت على مكالمات “المشتكي” (الجاسوس الذي اكتشفته الجماعة وفصلته) من داخل وكالة تجارية عادية، ورفضه إجراء خبرة خطية حول رسالة سلمها المحامي المشتكي للسيد عبد الله بلة وأنكر صلته بها أمام قاضي التحقيق وتتعلق ببعض الوقائع المرتبطة الملف. ومن ذلك مواجهة هيأة الدفاع “للمشتكي” بجملة من التناقضات وردت في تصريحاته الإعلامية التي أدلى بها لمجموعة من الجرائد الوطنية وحين إنكاره أنه قدم أصلا تصريحات لتلك الجرائد تقدمت هيأة الدفاع بطلب استدعاء ممثلي تلك الصحف (أخبار اليوم، الصباح، المساء، نيشان، تيل كيل) للاستماع إليهم وهو ما رفضه أيضا قاضي التحقيق. كما رفض القاضي استدعاء كاتبة “المشتكي” للاستماع إليها بخصوص اتهامه بعض المعتقلين بأنهم زاروه وهددوه في مكتبه. ومن أبرز مؤشرات غياب المحاكمة العادلة أن الوكيل العام للملك (عبد العزيز بوزيان) ورد اسمه في الملف على لسان “المشتكي”/الجاسوس على أساس أنه أرغم على القول بكونه كان ينقل له أخبار الجماعة ولنائبه (موفق) مما يجعله طرفا مباشرا في الواقعة.

كل هذه المؤشرات وغيرها تؤكد بأن الملف سياسي والمحاكمة ستأخذ هذا الطابع، وبأن القضية برمتها ورقة جديدة تحاول من خلالها السلطات المخزنية الضغط على جماعة العدل والإحسان ومساومتها على مواقفها.

إجماع حقوقي

وكانت العديد من الجمعيات والمنظمات الحقوقية المغربية والدولية عبرت عن استنكارها لاختطاف وتعذيب ومتابعة معتقلي العدل والإحسان الثمانية بمدينة فاس.

وفي هذا الصدد أكد الدكتور سلمي أن الهيئة الحقوقية وعائلات المختطفين/المتابعين وهيئة الدفاع تواصل التحرك على عدة جبهات لكشف زيف هذا الملف، وهو ما أثمر تعاطفا حقوقيا قويا داخل وخارج المغرب.

وكشف عن اتصالات في الآونة الأخيرة مع العديد من الهيئات الحقوقية ومنها منظمتي “أمنستي أنترناسيونال” و”هيومان رايتس ووتش” اللتان تتابعان، وغيرهما كثير، هذا الملف السياسي بقلق كبير.