تقديم

ما أتفه ما وصلت إليه الدبلوماسية العربية، وما أغرب التخريجات التي بِتنا نسمعها بين الفينة والأخرى عن حل الصراع العربي الإسرائيلي على لسان الزعامات العربية. فبينما يمعن الصلف الصهيوني في قضم الأرض بإنشاء آلاف المستوطنات، والتهويدُ على أشده، والتهجيرُ مستمر بوتيرة متصاعدة، والانتهاكاتُ متواصلة، والاعتقالاتُ اليومية للأطفال والنساء والشيوخ والمقاومين- بلغ عدد المعتقلين من سنة 2000 إلى الآن أزيد من 72 ألف-، وتجريفُ الأراضي، والغارات التي يشنها الطيران الحربي الصهيوني، والحفرياتُ تحت الأقصى، وجدارُ الفصل الذي لا يبقي ولا يذر، في مقابل كل هذا، تطلع علينا الدبلوماسية العربية بأنباء التمسك بالمفاوضات، و”سلام الشجعان”.والكل يصفعهم وهم ببلاهة يتضاحكون *** فكأنهم لا يسمعون ولا يرون ولا يعونوليت شعري، أي أرض يتفاوضون حولها، وأي سلام يكون مع من احتل الأرض، وقتَّل وذبّح وهجَّر وهوّد وعتا في الأرض والعرض فسادا؟ بل ويلوح إلى جهوزيته لكل الاحتمالات في حال فشل المفاوضات، ويبدو أن الطرف الثاني لم يُرد سماع الرسالة أو تغافل عنها.

وأخيرا وصلوا إلى مفاوضات، قيل إنها تروم الوصول لحل لإقامة الدولة الفلسطينية الموعودة، وما أدراك ما الدولة الفلسطينية؟!

وما أدراك ما الدولة الفلسطينية

دولة بحدود غير حدود الدولة الفلسطينية التاريخية، ذاك الوقف الإسلامي، وكأن الأمر لا يتعلق باحتلال وغصب للأرض، بل هو نزاع حدود. وكأننا بهم يريدون طمس الذاكرة العربية كي تنسى فلسطين والأقصى والقدس، وفلسطين عمر بن الخطاب وصلاح الدين، وننسى معها آلاف الشهداء الذين دافعوا وقاوموا المحتلين وسقوا الأرض بدمائهم كي تنبت بعدهم حرية واستقلالا. يريدون منا أن ننسى الزيتون والرمان الذي لا زال يحلم في عناق من يطرب لأنامله وهو يسقيه ويجنيه. يريدون منا أن ننسى صبرا وشاتيلا ودير ياسين ومحرقة غزة… يريدون منا أن نقول للمحتل: مرحى يا من جلدتَ ظهورنا وغصبتنا أرضنا وحرمتنا الماء والهواء والأرض والحياة، وسمتنا سوء العذاب.

إنها دولة قابلة للحياة على حد تعبير “السيد الأمريكي”، دولة منزوعة السلاح لا تملك لا الأرض والماء ولا الكهرباء ولا الحدود. دولة بلا مدفع ولا طائرة ولا دبابة، تعيش جنبا إلى جنب مع دولة خارجة عن القانون تملك مئات الرؤوس النووية والتأييد والدعم الدوليين. دولة في الهواء لا هي من أهل الأرض ولا من أهل السماء. دولة من سراب يحسبه المغفلون دولة حتى إذا جاؤوه وجدوه على شاكلة كذبة أبريل، ورتبوه في عاشر المستحيلات إن وجدت الثامنة والتاسعة.

هي دولة لابد أن يصول فيها الجيش الصهيوني ويجول صباح مساء ويحرق ما شاء ويجرف ما شاء ويعبث كيف شاء ويعتقل من شاء. هي دولة مستباحة أشبه ما تكون بلعبة متاهات للمجندين الصهاينة الجدد. هذه الدولة لا وظيفة لها سوى حماية أمن الصهاينة من سكان هذه الدولة العائمة في الفضاء. فاعجب لدولة تكون إقامتها لا حماية أمنها ومواطنيها وحدودها وأرضها، كما عرفنا في التاريخ والسياسة والقانون، بل لحماية كيان آخر هو معاد لها لا يماري في ذلك إلا مكابر.

إذا كان هذا هو ما ينتظر أن تتمخض عنه المفاوضات بكل أنواعها، فلا داعي إذن للحديث عن مبتدإ خبره معلوم، وإذا كانت النتيجة لا ترقى إلى الموقف الشرعي أو السياسي أو المصلحي، فلا اعتبار لهذه الأسباب التي يراد لنا أن نعض عليها بالنواجذ، وأن نتجند وراء المفاوض الفلسطيني، وأن نصفق للمواقف العنترية لهذا المفاوض الذي طالما ركب الشجرة وندم، لينزل ذليلا محسورا. ولم لا ندعمه وهو يملك غطاء عربيا من لجنة المتابعة المؤسسة في قمة الجزائر لتسويق المبادرة العربية للسلام، لتتحول بين عشية وضحاها إلى مرجع لاتخاذ القرار الفلسطيني في المفاوضات. اختصاص ودور ينكره أعضاء هذه اللجنة أنفسهم وينقسمون حوله.

نصيحة

لكل علماء التاريخ والجغرافيا وعلم السياسة والتاريخ والفلسفة والمنطق… ولأصحاب المعاجم بكل لغات الدنيا، نصيحة أن تغيروا تعريفاتكم للدولة فما عاد يصلح معنا، فدولتنا الموعودة بدون حدود، وسكانها على غير أرضها، وعدونا يدخلها بدون قيود، قلبها ينبض تحت إمرة بني صهيون، ورئتاها أُوكلتا إلى الدول المانحة، وما تحت الأرض لا نملكه وما فوقها لنا نصف عُشره، حكومتنا ورقية، تعيش في الهواء، مهمتها حماية الأعداء، تسوس الجان، وتنظم الذباب…

بل الأجدر للجامعة العربية أن تتوجه إلى ذوي الاختصاص للحصول على براءة هذا الاختراع أعجوبة الزمان، وأضحوكة الأنام: الدولة الفلسطينية.

لا يَفُلُّ الحديد إلا الحديد

لن يتمخض جبل المفاوضات لا عن فأر ولا بعوضة، والجعجعة لا طحين وراءها. ما تسوقه المفاوضات ليس إلا وهما اسمه دولة، وسرابا في صحراء قاحلة، واستغفال للمواطن الفلسطيني والعربي الذي لم يجن إلا الويلات والمحن على مدى سبع عشرة سنة من مفاوضات التسوية المباشرة وغير المباشرة، السرية والعلنية، داخل أرض فلسطين وخارجها.

إن أي خيار أو قرار لا يحترم دين المواطن العربي وعقله وحقوقه الكاملة غير منقوصة، ولا يقيم لكرامته وزنا أو اعتبارا، لن يكون مصيره إلا إلى مزابل التاريخ. وأما من أراد أن يتحدث باسم العرب وقضياهم، فعليه أن يعود أولا إلى رشده وإلى وطنه ودينه، إلى أجداده الذين أثلوا في أمثالهم وحفظوه في كتبهم وأسفارهم على مر العصور والأزمان: “لا يفل الحديد إلا الحديد”.