تحل هذه الأيام الذكرى العاشرة لانطلاق الانتفاضة الثانية عام 2000، ويتجدد بحلولها سؤال القضية والحصيلة والواقع والمصير، خاصة أن هذه الذكرى توافق انطلاق المفاوضات المباشرة بين سلطة رام الله والعدو الصهيوني.

وما أبعد الشقة بين ما عاشته القضية الفلسطينية وعاشته معها الأمة كلها إبان الانتفاضة الأولى والثانية من تَوَحُّدٍ على المقاومة وتوثبٍ للنصر توكلاً على القوي العزيز، وبين ما نعيشه اليوم من حصار بغيض للمقاومة الشريفة في غزة العزة، وتكبيلٍ لأهلها في الضفة بيد إخوة الأرض والدم والعقيدة، وتسولٍ لمن بيدهم الأمر للمواقف الدولية تَوَكُّلاً على “الشرعية الدولية” وعلى شركاء العدو التاريخيين في جريمة احتلال فلسطين. تَسَوُّلٌ على موائد الأعداء أخطرُ ما فيه التنازلُ الرخيصُ عن مصدر القوة الأساسي وهو الحق في مقاومة المحتل، وَأَخْطر ما فيه محاولاتُ انتزاعِ اللبِّ والقضاءِ على الجوهرِ وقتلِ الروحِ التي تجعل من تحرير أولى القبلتين وثالث الحرمين قضية عقيدة وإيمان وأمانة وحسابٍ بين يدي الحسيب الجليل، وتحويلِها إلى مجرد صراع على أرض تُباعُ وتُشترى وتُستَبْدَل، وسكانٍ لا يسعهم في أرض فلسطين ما يسعهم في غيرها.

وقد وجد أعداء الأمة فينا من ضِعاف الإرادة ومن قليلي المروءة مَنْ يهرول تسويقا للبديل النَّكِد عن المقاومة، ويُهْرَعُ إلى الاِنبطاح والتسليم بأرخص ثمن وَأَخَسِّ مقابل. واصْطُنِعَتْ مِنْ حول هؤلاء جوقةٌ من المطبعين المطبلين المزمرين سياسيين وإعلاميين ومثقفين يَخْطُبُون في مأتم القضية وعلى رؤوس الأشهاد تحت عنوان “الواقعية السياسية”، وإن هي إلا “المتاجرة السياسية” يَغْتَنُونَ بما تَدُرُّه عليهم من ثروات على حساب القضية والأرض والأمانة والدم والشهداء، ويبيعون آجلاً غاليا بعاجلٍ رخيص، كأنه لا حسيب هنالك ولا حساب.

إن الْمُسْتَخْلَصَ من ستة عقود من الصراع المرير من أجل تحرير الأرض المباركة ليشير إلى جملة خلاصات أهمها:

أولاً: إن القضيةَ الفلسطينية هي قضية عقيدة وإيمان قبل أن تكون قضية أرض مغتصبة، والقيام بمقتضيات الجهاد لتحرير فلسطين هو استجابة لمقتضيات الدين الذي يجعل من يموت دون أرضه شهيدا، فكيف بمن يموت دون أرض باركها الله وبارك ما حولها تُتْلَى آياتُها آناء الليل وأطراف النهار.

ثانيا: إنه لا حق يُمْنَحُ تَسَوُّلاً على أبواب الأعداء، إلا سَقْطُ فتات الموائد يشغل عن طلب الحق العظيم، بل الحق يُؤْخَذ غِلابًا ومغالبةً ويُنْتَزَع انتزاعا. والمقاومة الْمُعِدَّةُ للقوة المتوكلة على الله المتطلعة إلى ما عند الله هي الكفيلة باسترجاع المغتَصَب وإعادة الحق إلى نصابه.

ثالثا: إن الأمة مهما أصابها من كيد العدو وخذلان بعض أبنائها ونكوصهم لا يأس مما فيها من خير لا ينقطع إلى يوم القيامة، وإن ظهر للبعض أنه لا أمل في انبعاثها من جديد. خير يبشر به الوحي أن بعد عُلُوِّ العدوِّ اندحارًا، وبعد انكسار المؤمنين انتصارا، يحمل لواءَه جيل الصحوة المباركة ورجال المقاومة المتوضئة.