المدخل الثاني: البحث عن المشترك الإنساني مع الغرب

أولا: وقفة مع الحضارة الغربية

يعرف أحد “علماء الاجتماع” الغربيين “الحضارة” بأنها: تشمل الوسائل المنفعية المادية للحياة الإنسانية الاجتماعية. وأن لها طابعا عقلانيا يفرضه تقدم الظروف الطبيعية المادية للعمل والإنتاج والتكنولوجيا) 1 .

وأول ما يمكن ملاحظته على التعريف الغربي لكلمة “حضارة” المترجمة عن الكلمة الفرنجية “سفلزسيون”، أنه تعريف ذو حمولة مادية دنيوية محضة، بحيث يقصر الحضارة على “الوسائل المنفعية المادية للحياة”، ولا إنباء له عن رب هذه الحياة، ولا عن علاقتها بالحياة الأخرى بعد الممات، ولا عن غاية الإنسان من العيش فيها، إنه تعريف نموذجي للحضارة المادية التائهة التي لا تحركها سوى الدوافع الأرضية المادية، ولا غاية لها سوى الوصول إلى الاستفادة القصوى من المتع المادية، في تغييب كامل لمعنى الإنسان ولجوهر الإنسان، الذي تتيه به بعيدا عن القصد في خضم “الظروف الطبيعية المادية للعمل والإنتاج والتكنولوجيا”، ولا تستحضر أنه روح لطيفة قبل أن يكون أجساما كثيفة.

وهذا الوصف ينطبق تماما على الحضارة الغربية، التي أجمع المفكرون الإسلاميون- كما يقول الأستاذ منير شفيق- على أنها حضارة قامت على أساس العصبية القومية والتفكير المادي 2 . وذلك منذ بزوغ فجر تاريخها الذي يجد امتداده في الإرث الإغريقي–الروماني ممزوجا بالنصرانية التي رضعت منه أفكاره الفلسفية الوثنية الغارقة في المادية الأرضية، فخرجت بذلك عن تعاليم الرسالة المسيحية المبنية على التوحيد والزهد والبساطة والتسامح إلى ما صار في النصرانية من عبادة للصور والتماثيل، وأيما امرؤ شهد بعض المظاهر والشعائر الدينية في الكنيسة الكاثوليكية، يستطيع أن يدرك لماذا ارتد عليها المصلح الديني المشهور لوثر، الذي كره الطقوس وكره القوانين وكره الأذكار. وادعى أن الدين ماهو إلا موقف باطني) 3 .

كذلك فإن ما أصاب الكنيسة النصرانية ومعها الحضارة الغربية من احتقار للشعوب واستعمار واستعباد لها، فهو في جزء منه راجع إلى ذلك الإرث الروماني الاستعماري الذي قسم العالم إلى “أوربيين” هم وحدهم المتمدنون وأطلق على من سواهم اسم “البرابرة” (أي المتوحشون). و لازالت آثار هذا الاعتقاد بالتفوق العنصري، بادية إلى اليوم على الإنسان الأوربي الذي يحس بتفوقه على سائر البشر.

كما أن الخلط الذي حصل بين الوثنية الرومانية وتعاليم الرسالة المسيحية، جعل النصرانية مزيجا فكريا مناسبا تماما ليكون إيديولوجية استعبادية تبناها قياصرة روما في القرن الرابع الميلادي، وبذلك نشأ الشعار الشركي: “ما لله لله وما لقيصر لقيصر”، ليؤكد الولاء السياسي للقياصرة. إلى جانب ذلك تأصل عند النصارى تقديس القس والخضوع للكنيسة وقبول خرافاتها، التي انبنت عليها سلطة البابوات، وبذلك صار لها الولاء الروحي، بجانب الولاء السياسي للقيصر. ومن هذا التفريق بين ما هو روحي ديني وما هو سياسي متعلق بالدولة بدأت نشأة اللائيكية، التي سيزداد تجدرها في الفكر والحضارة الغربيين مع الثورات التي عرفتها الشعوب الأوربية بداية بالثورة الفرنسية وما تلاها من ثورات ضد سلطة الكنيسة وحليفتها الارستقراطية المستبدة، والتي لخصها الشعار الشهير للثورة الفرنسية: “اشنقوا آخر أرستقراطي بأمعاء آخر قسيس”.

والمشكل أن هذه اللائيكية، لا تميز دينا من دين، وتسحب ذنوب الكنيسة التي سخر منها فلتير وعابها ماركس وخنقها لينين على كل ما تَسمى دينا) 4 .

مقوم آخر ارتكزت عليه الحضارة الغربية، وهو الثقافة اليهودية–النصرانية، وذلك في تحالف مكشوف بين اليهودية والبروتستانتية المصهينة، التي يقرأ أتباعها توراة اليهود مباشرة ولا ينتظرون تفسير الكنيسة الرسمية، ويؤمنون بمملكة صهيون الألفية. وفي تضامن كاثوليكي عبرت عنه مراسيم أصدرها البابا في مجمع “فاتكان الثاني” سنة 1956، برأ فيها اليهود من قتل المسيح عليه السلام. “وفي تاريخ 24/06/1985 أصدرت اللجنة المختصة بالعلاقات الدينية في الفاتكان وثيقة فيها: إن هدف الفاتكان هو إحياء التراث المشترك للنصرانية واليهودية اللتين يتعذر الفصل بينهما. وتشجيع التعاون المتبادل بينهما على كافة الأصعدة، وخصوصا مجال التربية الدينية لإحياء التراث الديني المشترك).

في شهر أغسطس من سنة 1985 بتاريخهم عقد أول مؤتمر صهيوني كاثوليكي في مدينة بازل السويسرية حضره أزيد من ستمائة قس ومفكر نصراني رفعوا صوتهم بالاعتراف بإسرائيل دولة وبالقدس عاصمة لها… 5 .

هذا التحالف اليهودي–النصراني ركن ركين في بناء النفسية المعادية للإسلام) 6 ، فإذا أضفنا إليه الاصطدام العنيف الذي وقع بين الأوربيين والمسلمين في بداية القرن السادس الهجري، والمتمثل في الحروب الصليبية ونتائجها التي أصلت العداوة للإسلام في الغرب، ظهر لنا حجم العوائق الكامنة في الحضارة التي نسعى للتواصل معها.

من خلال هذا الموجزة عن بعض العوامل التاريخية والفلسفية المؤسسة للحضارة الغربية، نضع الأصبع على أهم منابع عقبات ومعيقات التواصل مع الغرب، والتي يمكن أن نجملها فيما يلي:

1- الطبيعة المادية الضاربة بجذورها في أعماق الحضارة الغربية.

2- الإرث النفسي التاريخي المتمثل في شعور الإنسان الأوربي بتفوقه العنصري.

3- الإقصائية اللائيكية للدين، أي دين دون تمييز، وما يجري في مساقها من عقلانية كمذهبية فلسفية ترفض كل تفسير غيبي للكون، ولا تؤمن بوجود مدرَكات لا يدركها العقل، وليس العقلانية كمنهجية علومية عقلية، فهذه الأخيرة من الحكمة التي لا يستغني عنها عاقل.

4- التحالف اليهودي–النصراني المباشر منه وغير المباشر.

5- الحروب الصليبية وتأصيلها للعداوة المباشرة للإسلام.

وهنا نقف لنتساءل عن مدى توفر فرص للتواصل مع الغرب في ظل وجود كل هذه العقبات؟

إن معرفة الواقع لا تعني أن ننحني أمامه ولا نحرك ساكنا، بل إن المسلم مدعو إلى اقتحام العقبة، والسعي إلى فك رقاب الخلق من قيود الرق والعبودية، وأشدها عبودية الإنسان لغير الله عز وجل، والمساهمة في إطعام جوعتهم وسد حاجاتهم، وأعظمها الجوع الروحي والحاجة المعنوية. كما أن منافذ الدعوة وفرص التواصل مع الغرب، لا تقل عن عقباته، وأهم هذه المنافذ هي شقوة الإنسان الغربي وواقع البؤس الحالي الذي أنتجته حضارته المادية المترفة، رغم كل إنجازاتها، بؤس لا يمس فقط مستضعفي العالم الذين يعانون كل أنواع الحرمان، لينعم 20% من المترفين ب80% من خيرات العالم. بل حتى أبناء هذه الحضارة لم يسلموا من بؤسها ومن الخواء الروحي الذي لا يجدون له إجابات في هذيانها.

ولننظر إلى بلدين كسويسرا والسويد، يوفران لسكانهما مستوى دخل من أعلى المستويات في العالم ومع ذلك يضرب فيهما الرقم القياسي للانتحار.

وما أكثر الأمثلة التي تبين مدى البؤس الذي وصلت إليه هذه الحضارة، وسنكتفي بمثال واحد يعتصر له ألما كل قلب لازالت تسكنه الإنسانية.

ينقل الأستاذ وحيد الدين خان في كتابه “الإسلام يتحدى”، شهادة شاهد من أهلها، وهو طبيب بأحد المستشفيات الغربية، يقول فيها: كانت بين المرضى الذين كنت مشرفا على علاجهم في المستشفى عجوز في السبعين من عمرها، أصيب أعلى فخذها بصدام، وأكدت صور الأشعة أن أنسجة جسمها تلتئم بسرعة، فقدمت لها تهنئاتي لسرعة شفائها، وأشار لي كبير الجراحين: أن أطلب منها العودة إلى بيتها بعد أربع وعشرين ساعة، لأنها استطاعت أن تمشي دون أن تستند إلى شيء.. وكان ذلك يوم أحد، حين جاءت ابنتها تزورها على عادتها الأسبوعية، فقلت لها: إن والدتك تتمتع بصحة جيدة الآن، وعليك أن تحضري غدا لترافقيها إلى البيت، ولم تلفظ الفتاة بشيء أمامي بل توجهت إلى أمها، وقالت لها: أنه تقرر بعد مشورة زوجها أنهما لن يستطيعا تدبير عودتها (الأم) إلى بيتهما، وخير لها الآن أن تنظم لها سكنى بإحدى “دور العجزة”. وبعد بضع ساعات مررت بسرير العجوز، فشاهدت أن انهيارا سريعا يطرأ على جسمها، ولم تمض أربع وعشرين ساعة حتى ماتت العجوز، لا بسبب فخذ مكسور، بل جراء قلب كسير) 7 .

والمشكل أن الحضارة الغربية تحمل عوامل دمارها في أحشائها، كما يعبر عن ذلك المفكر “مالك بن نبي”، إذ كلما توغل الإنسان في متاهاتها كلما ازداد اكتواؤه بويلاتها، كمن يشرب ماء البحر، فلا يزيده ذلك إلا عطشا.

ولا بد لنا هنا من التنبيه على وجود مفارقة مهمة بين ما يظهر في مجتمع المسلمين من انحرافات وبين ما تعرفه الحضارة الغربية. يقول الأستاذ وحيد الدين خان: أن انحلال مجتمع المسلمين ناجم عن ابتعاده عن الإسلام، بينما انحلال الحضارة الغربية نتيجة التزامها بمبادئها. لقد ظهر الفساد المتواجد لدى المسلمين بسبب التباين بين المبادئ وتطبيقها، بينما انفسخت الحضارة الغربية بسبب تناقض مبادئها مع حقائق الفطرة) 8 .

إن وضعا كهذا يتطلب من المسلمين أن يظهروا للعالم مبادئ دينهم السمحة، وما فيه من رحمة هي الأمل لكل من فقد الأمل، وإنه للكنز المفقود في الغرب لو يعلمون، وإنه للجنة الخضراء التي نتفيأ ظلالها في دنيا المكابدة والبلاء، والسفينة التي لا عبور إلا بها إلى السعادة الأبدية في دار البقاء. والبشرية كلها، كما يقول سيد قطب رحمه الله، في حاجة إلينا، وهي حاجة ناشئة من كوننا مؤتمنين على تبليغ رسالة الإسلام إلى الناس أجمعين، وإلا ماذا سيحتاج منا عالمٌ المسلمونَ فيه اليوم، في مجموعهم، غثاء يسوقه طوفان الحضارة الغربية حيث شاء. ولا يمكن لأي حركة في بلاد المسلمين، لا تنطلق من مبادئ الدين الحنيف، ولا تقترحه على الناس، أن يكون لها قدرة على الوقوف في وجه ذلك الطوفان الغربي، فضلا عن أن يكون عندها حاجة تقدمها إليه، لأن الغرب –وببساطة– قد جرب ما تدعو إليه وتتبناه من إيديولوجيات ونظريات هو مَصدرها بل والمُصَدر لها. وعليه فبالإسلام والإيمان، لا بغيرهما، يكون لنا شيء نتفوق به على العالم، ويكون لنا كيان نتميز به وندعو إليه ونحتمي ببيضته ونجتمع تحت رايته، وبالسير على منهاج نبينا صلى الله عليه وسلم نكون قد سلكنا طريق الخلاص.. فإن تركناه ساوينا الآخر في فراغه المعنوي، ولم نساويه في قوته المادية، فتتوالى علينا الهزائم النفسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية وغيرها… لا يعني ذلك أن نقعد عن إعداد القوة المادية، بل على العكس، علينا أن نجعل من نجاحنا الاقتصادي نوعا من العطاء الذي نؤلف به القلوب ونحبب إليها النموذج الإسلامي في الداخل والخارج.

ومن هذه الحاجة الإنسانية -بعد عقيدتنا في الله– نحن نستمد قوتنا وثباتنا على الدعوة إلى عقيدة الإسلام وشريعته ونظامه الاجتماعي الخاص) 9 .

وأمثل سبيل لتعريف الغير بما نقترحه على العالم من حلول لمشاكله، هو التواصل والتحاور، وأول مدخل وأقرب مسلك لذلك هو البحث عن المشترك الإنساني مع الآخر، فمنه تكون البداية والانطلاقة الصحيحة التي تشيع أجواء الثقة والتفاهم، وتمكن من الاستمرار في الحوار، وتخفف من حدة الاختلافات. وليس من الحكمة في شيء ولا من البر، أن يكون المختلف فيه هو أول ما يوضع على المائدة، لأنه فقط سيلهب النفوس ويفقدها الرغبة في التواصل والتحاور، وهذا هو المنهج الذي تسلكه النظريات التي تتبنى الصدام والصراع بين الحضارات، حيث أنها تسعى لتضخيم الاختلافات الحضارية وجعلها في قلب النقاش. ولا يعني ذلك إهمالها أو التغافل عنها، بل لا بد من معرفتها وفهمها ودراسة حيثياتها وترتيبها حسب درجة حدتها، على ألا تكون هي أساس التواصل الحضاري، وألا يكون همنا هو رفع الخلاف من الأرض، فذلك طمع فيما لا مطمع فيه.


[1] كتاب “العدل: الإسلاميون والحكم” مصدر سابق، ص175.\
[2] ذ. منير شفيق، “الفكر الإسلامي المعاصر والتحديات” مصدر سابق، ص 51.\
[3] د. حسن الترابي “تجديد الفكر الإسلامي” مصدر سابق، ص 25.\
[4] “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” مصدر سابق، ص 229.\
[5] “سنة الله” مصدر سابق، ص 221.\
[6] “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” مصدر سابق، ص 225.\
[7] وحيد الدين خان، “الإسلام يتحدى” مصدر سابق، ص 257-258.\
[8] وحيد الدين خان، “المرأة بين شريعة الإسلام والحضارة الغربية” الطبعة الأولى 1994. دار الصحوة للنشر القاهرة، ص 111.\
[9] “نحو مجتمع إسلامي” مصدر سابق، ص12.\