توطئة

قُدِّم إليَّ مَهْد آيةَ بنت السجين ظلما هشام الصباح أحد الرجال السبعة نزلاء سجن عين قادوس بفاس، فلمّا مِلْت عليها لأقبّلها خِلْتُها هَمَسَت في أذُنَيّ هَمْسا رقيقا نافذا عَنَّ لي أن أتَرْجِمه لكم فيما بعد كلمات في أبيات. ولولا أنّي أوتيت فَهْم أنَّاتِ الصِّغار، ولولا أنّه سَكَتَ عَن الصّدع بالحَقّ الكِبار، لما تجرّأ مني ثَغر أن يُترجم عن بَشَر مَلائكة طُهر ما يُحسّون به من آلام الجَوْر والقَهْر ولما كانت الترجمة أبياتا مِن شعر. هي ذي بترجمة حرفيّة عن آية الصّبّاح نِعْمَ البُنَيّة، أنْقُلها لَكم بِكُلّ أمانَة وَرَويَّة، مَعَ تَقديم العُذر والتماس ردّ التحيّة، وللحديث بقيّة.

أبَتاهُ

أَبَتاه بَعد الموتِ1 هذا مَولِدي *** سِفْرٌ جَديدٌ فوق رفّ المُعتدي
إِن كان والدُ بَلَّةَ الغالي قَضى *** والابن غاب عن الجنازة في غَدِ
فَلَحُزْنُ صَبّاحٍ أَشَدُّ مَضاضَةً *** مِن حُزْنِ بَلَّةَ يا لَهَولِ المَشْهَدِ
هُوَ راحِلٌ عَنِ الدُّنيا إِلى *** رَبٍّ رَحيمٍ والنَّعيم السَّرمَدي
وأَنا أَتَيْتُ إلى الحياةِ بِلا أَبٍ *** يُصْغي لأَنّاتي ويَأْخُذُ باليَدِ
هُوَ مُظْعِنٌ مِنْ بَعْدِ عُمْرٍ حافِلٍ *** بالخَيْرِ والبَرَكاتِ نِعْمَ المُهتَدي
وَأَنا أَتَيْتُ إلى الدُّنى مُرْتابَةً *** هَلْ للهُدى أَم للضَّلالَةِ أَغْتَدي
هُوَ مُقْبِلٌ مِنْ بَعْدِ رَوْضاتٍ إلى *** جَنّاتِ عَدْنٍ وَالجِوارِ الأَسْعَدِ
وأَنا على دنيا الوَرى صَبّاحَةٌ *** رَهْنَ انْتِظارِ الحكم مِن مُسْتَأسِد
هُوَ خارِجٌ مِن سِجن دنياهُ التي *** حَكَمَ الإله بِها عليه لِيَهْتَدي
وأَنا ابنَةُ المَظلوم جِئْتُ ضَنينَة *** مِن سِجن رحمان إلى سِجْن رَدي
أَبَتاه ليس أَمَرَّ مِن يُتْمِ التي *** ما ماتَ والِدُها ولَم يَسْتَشْهِدِ
بَل حاوَلوا قَتْلَ الأُبُوَّةِ بُعْدَهُم *** مَنْ أَوْدَعوا الأَبَ في ظَلامٍ أَسْوَدِ
حَرَموا البُنَيَّةَ مِنْ أَبيها عُنْوَةً *** ظُلْماً وَزوراً مِنْ مُبيرٍ مُفْسِدِ
مَنَعوا أَباها مِنْ حُضورِ قُدومِها *** ظُلْمُ العِدى للمُنْتَهي والمُبْتَدي
أَبَتاهُ يا صَبّاحُ ساءَ صَباحُهُم *** القَحْطُ مَوْعِدُهُم وَمَوعِدُنا نَدي
ولَسَوف تَخْرُجُ مِن زَنازِنِهِم فَتى *** وَلَسَوْفَ يَرْتادون أَسْوَأَ مَوْرِدِ
فالعَدْلُ آتٍ عَن قَريبٍ صُبْحُهُ *** بُشْرى لِيوسُفَ والصَفِيّ المُنْجِدِ
مَنْ جَرَّموا ظُلْماً وحَصْحَصَ حَقُّهُ *** عِند الأُباة وذي الحَصيفِ المُحْصَدِ2
طوفان رَبّي فاضِحٌ إِجْرامَهُم *** وَمُؤَيِّدٌ للمُهْتَدي والمُقْتَدي
ما قُدَّ مِنْ قُبُلٍ قَميصُ سَجينِنا *** بَل قُدَّ مِنْ دُبُرٍ دَليلَ تَرَصُّدِ
مِنْ بَعْدِ «فَتْحِ البابِ»3، قالَتْ “هيتَ لَك” *** قال الأَبِيُّ مَعاذَ ربّي، أَبْعدي
حاشاهُ يَرْضى أَنْ يُمَرِّغَ عِرْضَه *** في نَزْوَةِ الإِرْهابِ نَهْج تَشَدُّدِ
بَل كان سَمْحاً بالمُدَسَّس راحِماً *** لم يَحْتجِز، لم يَنْتَقِم، لَم يَجلد
أَقْصاهُ مِنْ صَفِّ الأُباة، أَعادَه *** لِحِمى الطُّغاةِ ويا لَلُؤْمَ المُبْعَدِ
أَتَكونُ جائِزَة الحَليم عِقابه *** بالخَطْفِ والتَّعذيبِ قَسْوَةَ جَلْمَدِ
ماذا جَنَيْتُم غَيرَ خِزْي في الدُّنى *** فَكَأَنَّ ربّ الخلق ليس بمَرْصَدِ4
وَكَأَنّكُم يا ظالِمين بظُلمِكم *** لا تُؤْمِنون بِوَقْفَةٍ في المَوْعِدِ
يوم التّغابُن لا كلامَ لِظالِمٍ *** والحُكمُ يَومَئِذٍ بِأَمْرِك سَيِّدي
ما آية الرحمن إلا نسمة *** تُنسيكَ يا أبَتي سَموم الفدفَد
ما آية الرحمن إلا بسمة *** في ثغر مقهورٍ كريم المَحتِد
ما آية الرحمن إلا صفعة *** نزَلَت على خدّ الجحود المُلحِدِ
ما آية الرحمن إلا بصمة *** جلت صنيعا من رواية عَجْرَدِ5
ما آية الرحمن إلا وصمة *** فوق الجَبين تُدين كيد المُعتدي
ما آية الرحمن إلا نِعْمَة *** طيبي بِرَبّك أُمَّ آية واسعدي
مَن كان مِثلُكِ لا يَبوح بِحُزنه *** للشَّامِتين، فشَمّري وتَجلَّدي
لا تُظْهِري إلا السّعادة والرضا *** ومِن الرّضا أن تُنْشِدي وتُزَغْرِدي
ذي ليلَتي راموا اغتِصابَ سُرورها *** سُحقاً لهم ولكُلّ مُرْغٍ مُزْبِدِ
هل آية الصّبّاح إلا نَغْمَة *** مِنْ صَوتِ تالٍ للكِتاب ومُنْشِدِ
تَدْعو أَباها أُمَّها أَن يَصْبِرا *** لن يُطفِئ الثُّعبانُ نور الفَرقَد
نفخ الزَّواحِفِ لن يضير سماءَنا *** هيهات يَحفَل قائِمٌ بالمُقْعَدِ
أَمّا سُلَيمان الأَخُ الغالي فلا *** خوف عليه ولا شُجون لِمولِدي
أُنْثى وهَلْ ذَكَرٌ كأُنثى أَبْشِرَن *** ما دام جَبْرُهُم وَصِيّ تَوَأُّدي6
أَبَتاهُ لا تَحْزَن عَلَيّ فَما الدُّنى *** إِلاّ سُجونٌ حُكْمُنا لِمُؤَبَّد
هذا مَع الأَشْغالِ يَشْقى عُمْره *** هيهاتَ يَشْقى مَنْ يُعِدّ لأرغَد
للخُلد في بحبوحة الأُخرى التي *** هي سِجْنُهُم وسَراحُ كُلّ مُسَدَّدِ
يا مَنْ يُسَوّي مُجْرِما بِضَحيّة *** ذي كِذْبَة بَلْقاء فرية مُفْنِد7
إنْ كُنْتَ مُضْطَرّا فَلا تكُ باغِياً *** أو مكرها لا تطمئن لِمُعتدي
أو جاهلا فالسوء منك مُجَرَّمٌ *** إِمّا عَلِمْتَ الحقّ بادِر واشْهَدِ
إنَّ القَضاءَ أَمانَةٌ لا لُعْبَةٌ *** خابَ الذي جَعَل القَضاءَ من الدّد8
دُنيا الوَرى سِجْن وَفازَ سجينُها *** إن عاش في كَنَفِ الوليّ المُرشِدِ
في صُحْبَةٍ وجماعةٍ تَدْعو إلى *** صنع الخلافةِ ذِكرُها في المُسْنَدِ9
وَعْدٌ بَشائِرُهُ تَلألأ نورُها *** إلاّ لَدى الأَعمى وعَيْنِ الأَرْمَدِ
أَبَتاهُ لا تَأْسَفْ عَلَيّ فَقَدْ مَضى *** حَمْلي وَوَضْعي في المَسارِ الأَجْوَدِ
وَمَضى احتفالُ نَسيكَتي في رَوْعَةٍ *** تُعْمِي عيون الحاقدين الحُسَّد
كُلّ أَتى مِن كُلّ صَوْبٍ شاهِداً *** بَل نائِباً عن والِدٍ لَم يَشْهَد
ذِكرٌ وَوَعْظٌ والتواصي بالتُّقى *** بَعْدَ الصّلاة على النبي محمد
صَلّوا على طبّ القلوب حَبيبِنا *** والآل والأصحاب خير الأَعْبُدِ
ما حَنّ مشتاق لأطيَبِ بُقْعَةٍ *** مسكينة وبقيعِها والمَسْجِدِ
وَقِبابِها وَرِياضِها وَمَزارها *** خضرائها ونَزيلِها في المَرْقَدِ
إِن سُقْتُ قافِلَتي بِبَرِّ غواية *** وأَقَمْتُ قافِيَتي ببَحْرِ تَوَدّدِ
فَلَعَلّ قافِيَةَ المُحِبِّ تُجيرُهُ *** مِنْ تيه قافِلَةِ الشَّريدِ الأَبْعَدِ
وَلَعَلّ أَبْياتَ القَريضِ رَوِيُّها *** يَرْوي صَدى العَطْشانِ بَعْدَ مُصَرَّدِ10
يا رَبّ صَلّ على الحبيب فإنّها *** سَكَنٌ لِقَلْبي والقلوب السُّهَّدِ
إنّ الصلاة عليه مِسكُ كَلامِنا *** فاجْعَل بِها خَتْمَ الدّعاءِ كَما بُدي
فاس يوم : 14 شوال 1431 هـ الموافق لـ: 23 شتمبر 2010 م

هديّة من منير ركراكي نيابة عن أحباء وأقرباء هشام الصبّاح حبيس سجن عين قادوس ظلما بفاس وزوجه المصون الصابرة المحتسبة بمناسبة نسيكة ابنتهما المباركة آية التي هي آية من الرحمن في هذا الظرف العصيب، عزاء لوالديها في هذا البلاء المبين، ووصمة عار في جبين المعتدين. نسأل الله أن يفَرّج عن السجين في فتح قريب، ونصر مكين، إنّه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.

الهوامش

1- الموت: إشارة إلى موت والد عبد الله بلّة رحمه الله، وقد حُرم ابنه السجين ظلما من رؤيته في نعش موته كما حُرم هشام الصبّاح من رؤية ابنته في مهد ولادتها. وبين الموت والولادة أسبوعان سبحان الله.

2- محصَد الرأي: محكَمه و سَديده.

3- فتح الباب: إشارة إلى الأبواب المفتوحة التي أنشأتها الجماعة وسيلة للتواصل مع الشعب وصحبته، فكانت مدعاة لحملة شعواء شنّها النظام عليها بدعوى تكثيف نشاطها الذي يُخرجها عن حظيرة القانون.

4- مرصد ومِرصاد بمعنى واحد.

5- عجرد: إشارة إلى حمّاد عجرد أحد زواة الشعر في عصر تدوينه، بغية ربح ماديّ خِسّيس.

6- التوَأد والوأد بمعنى واحد.

7- المُفنِد: الكاذب أو المخَرف من هرم.

8- الدّد: اللعب والّهو.

9- إشارة إلى صناعة التاريخ، وعدا صادقا غير مكذوب، عودا على بدء الخلافة الراشدة المذكورة في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد في المُسْنَد.

10- المُصَرّد: المُقَلّل من الشراب والعطاء.