كم نحن سذج نتحدث عن الغيب في زمان سيطرت فيه المادة، فلا حديث إلا عنها وإليها. وكم نحن مخرفون نطيل المذاكرة في السبيل إلى معرفة الله، نصنع الفلك في صحراء زاد الكثير من العباد فيها النفاق وغايتهم فيها التطاول في بناء الدور والقصور. بل كم نحن مجازفون نتحدث بهذه المعاني النكرة، ولا نخشى على أنفسنا من أن ننعت بالرجعية أو المهداوية وما إليها.

إنما نحن قوم سمعنا نداء ربنا في كتابه العزيز: يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه. فعلمنا أنه لا محالة من اللقاء والسؤال في نهاية هذا المطاف الشاق العسير المليء بالكدح والمجابهة والمصابرة. وسمعنا كلام ربنا من فوق سبع سماوات إلى الملائكة: فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فعرفنا أن كرامتنا إنما هي بهذه النفخة الطيبة من روح الله، وما هي بطين مادي منتهاه غبار إذا هو جف من ماء الخلق الرباني.

أيستحق الإنسان – هذا المخلوق الضعيف المسكين – أن تسجد له الملائكة التي طعامها الذكر وشرابها التسبيح والتقديس لرب العزة جل جلاله، كلا وألف كلا، فما أمرت الملائكة بالسجود إلا بعد التعديل والنفخ من روح الله.

نكرة هو الإنسان وطين مسوى ورمل معدل إذا انعدمت فيه الروح، بل هو كذلك طين منقح إذا وجدت فيه هذه الروح على غير خلقتها الفطرية الأولى التي هي عبارة عن نفخ رباني. فالإنسان مستحق للاستخلاف والطاعة مادام وفيا أمينا لروح الله، محافظا على عطاء الله الذي وهبه قبل أن يخرج إلى دنيا فانية حيث كان على الفطرة، وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى. ما أعدلك من رب كريم، لا تقبل الشهادة على العبد في أصعب مواقفه إلا من نفسه، وهي أصدق شهادة إذا بقي أصحابها أوفياء لجوابهم المؤكد “بلى”، وكلمة بلى هذه، ليست كلاما حتى يشترك فيه كل العباد، بل هي يقين وعمل، يشع برهانه على الجوارح كلها نورا وهدى، حتى يراها الناس على صاحبها، فيبصرونها ويسمعونها ويشمونها ويتذوقونها عنه أخلاقا طيبة ومعاملات.

وجب الاعتذار بهذا الصدد لأقوام يدعون إلى القردة انتسابا، أو أولئك الذين يريدون منا أن ننسج على غير منوال محجتنا الواضحة، كتاب الله وسنة نبينا المصطفى عليه أفضل الصلاة والتسليم. فلن يجدوا في حديثنا هذا ما يشفي غليلهم. فلسنا دوابا حتى نعتقد مع أفلاطون أن الروح أجزاء متناغمة من العقل والنفس والرغبة، وما المسلم منا سكينا أو حديدا ماديا حتى نعتقد مع أرسطو أن الروح مرادف الكينونة، كما أننا لسنا ديماغوجيون حتى نعتقد مع ديكارت أن الروح في منطقة من الدماغ محلها، وما نحن بمشككين نستسيغ مع كانت أن الحديث في الروح هو استكمال نظرة العقل المادي البهائمي.

قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.

الروح ذات قائمة بنفسها، لكن هذه الذات تكتسي طبيعة معنوية غير ملموسة، وقد استأثر الله تعالى بعلمها، وأفاض على عباده الاطلاع على مظاهرها، فهي في كنهها وطبيعتها غامضة مبهمة بعيدة عن الإدراك المشترك، لكن ما يترتب عنها من نتائج هو في متناول الإدراك الإنساني.

ويبقى السؤال:

ما هي الروح النموذجية للاقتداء؟ وكيف السبيل إلى بنائها؟ وما هو هذا السبيل؟

يقول الدكتور النشمي: جعل الله تعالى للروح غاية ووسيلة، أما الغاية فهي الاتصال بالله عز وجل، الاتصال الحي الذي ينعكس على النفس فيوقظ فيها مراقبة الله عز وجل في كل صغيرة وكبيرة. وأما الوسيلة فهي تحريك أوتار القلب وشحذ العقل إلى النظر في عجيب خلق الله وإبداعه في النفس وفي معالم الكون العظيمة، ويستفز الحواس بعد ذلك كي تترجم هذه الأحاسيس والمشاهدات إلى خشية الله فتصبح بالتالي منهجا دقيقا للحياة، فعالا ومتحركا مع الإنسان حيثما حل وفي أي زمان وكان.

الروح النموذج إنما هي تلك التي بقيت على حالتها وعهدها الأول معترفة بالعبودية لله عز وجل، المسيطرة على النفس والموجهة لها والمتنقلة بها من الأمر إلى اللوم إلى الاطمئنان. هذه الروح السماوية التي سمت بوفائها وسما بها وفاؤها، لا تحكم في النفس والجوارح إلا شرع الله دون إفراط أو تفريط، على مراد الله ومراد رسول الله، بريئة من التكلف، دائمة الرقي في مدارج القرب إلى الله مادامت تنتفي في حقها معاني الزمان والمكان والبداية والنهاية، فهي كتلك التي عندما حملها ملك الموت وصعد بها اهتز لها عرش الرحمان إجلالا لها، أو كتلك التي عندما يصعد بها تفوح ريحا يتنسم عبقها الملائكة في السماوات.

مثل هذه الروح لا تعرف إلا ربها، فمنه تنبعث يوم النفخ وإليه تسير، ومنه تستقي وله تطلب، ومنه تخرج وحول جنابه تدور مع الشرع حيث دار.

لابد و نحن نلامس هذا الموضوع أن نشير باقتضاب شديد، إن الروح التي نتحدث عنها ونقصد السبيل إلى بنائها تتوافق أحيانا مع معنى القلب ومعنى النفس ومعنى العقل، وفي هذا يقول أستاذنا سعيد حوا: ندرك من كلام علمائنا أن النفس والعقل والقلب والروح تأتي أحيانا بمعنى واحد، وإنما تختلف التسميات باختلاف الصفة التي للروح البشرية: فإذا غلبت الشهوة هذه الروح سميت نفسا، وإذا غلبت الروح الشهوة المحرمة سميت عقلا، وإذا أصبحت لها مواجيدها الإيمانية سميت قلبا، وإذا عرفت الله حق المعرفة وأعطته العبودية الخالصة سميت روحا.

أما البناء فهو الانتقال الواعي الحاسم من روح تائهة شاردة عن الله، لا تحقق له عبودية، ولا خبر عندها أن لها ربا يعبد، إلى روح عارفة بحق الله، يقظة متحققة بالعبادة ومداومة عليها، سالكة بذلك الطريق الصحيح على هدي كتاب الله ومنهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تروم الاستمداد إلا من كلام الحق سبحانه وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم المحجة البيضاء.

كما أن البناء هو فعل متعد، منطلقه الروح وتوابعها في ذلك العقل والجوارح، وكلما سمت هذه الروح وتمسكت بشرع الله واتبعت السنة العطرة، تبعها القلب على سبيل الحتمية فصار رحيما بعد الانتقال من الغفلة والركون إلى المخلوقات إلى التمسك بالشرع وتعظيم جناب الخالق. ويستتبع ذلك تحول العقل من المحنة إلى الحكمة والاطمئنان، كما يتحول الجسد المؤمن بكل جوارحه من كيان مشبع ومنهك بالشهوات إلى ذات طيبة زكية سائرة في رحاب السنة قولا وفعلا وسلوكا.

هذه هي الروح النموذج، وهذا بناؤها، فكيف السبيل إلى البناء؟

يتفق علماؤنا الأجلاء على قواعد جامعة في هذا الدين، ومنها القاعدة التالية: ما يوصل إليه العقل، فالسبيل إليه العقل. وما يوصل إليه بيان الشرع، فالطريق إليه هذا البيان. وما يوصل إليه التجريب فالطريق إليه التجريب.

ولعلنا نتفق على أن هذا العقل البشري المادي المسكين لا دراية له بما نحن بصدد الحديث عنه، لذلك أقاله الحق سبحانه منذ البداية “قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا”. وأما الشارع فقد تحدثت الآيات والسور العديدة عن ضرورة التحلي بالإيمان والمداومة على التقرب إلى الله والتحلي بالأخلاق الفاضلة.

لكن مالنا نقرأ ونسمع الكلام الكثير في كتاب الله عن الإيمان والسعادة القلبية وأمراض القلب ودواؤها، ونقرأ عن القلب وسلامته وعلله وعن صممه وعماه ورقته وقساوته، ولا نقيم المفارقة ونحدد المواصفات في سجل خاص لننهض إلى البناء على المنهاج النبوي السليم.

يقول سعيد حوا في كتابه تربيتنا الروحية بعد كلام قيم وإنني أعتبر أن نقطة البداية في صحة أمتنا وجود طبقة من الوارثين الكاملين يغطون احتياجات الدعوة بما يسع الأمة. أعتبر ذلك هو الخطوة التي لابد منها وأي فشل في ذلك إنما هو فشل في الصميم، ولا وراثة إلا إذا اجتمع علم وعمل وحال قلبي). هذا أحد الرجال الذين مارسوا الدعوة وخبروا أدواء الأمة وتقلبوا بين النظريات التغييرية وجربوها فخلصوا إلى مثل هذه الخلاصات الصادقة التي تنم عن غيرة فائقة عن مصير هذه الأمة.

من هنا البداية، البحث عن هذه العملة الناذرة التي ندبنا الشرع إلى التعرف إليها الرحمان فاسأل به خبيرا، واتبع سبيل من أناب إلي. وحيثما تبلغ المسلم هذا المقصود فعليه التمسك الصارم بشرع الله والحذر مما قد يشوب السير من الزيغ وما إليه، فالإحسان في كتاب ربنا وسنة نبينا الكريم مطلب بالغ الوضوح، وفي حديث خير البرية صلى الله عليه وسلم أن الإحسان عبادة تحت مراقبة الحق أو مشاهدته. يقول أبو سليمان الدارمي وهو أحد العلماء العارفين: ربما وقعت النكتة من كلام القوم في قلبي فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة، فإن الله ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة، ولم يضمنها لي فيما سوى ذلك).

يا سعد من فاز بمقام كهذا، لكن ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، وخير ما يستقر في قلب المؤمن من الفضائل والعبادات ذكر الله. يقول رسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم “الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه أو عالما ومتعلما” 1 ، هذا هو السبيل الذي حثت عليه السنة وأشادت بالمتمسكين به، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: “جددوا إيمانكم، قالوا كيف نجدد إيماننا، قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله” 2 . فالذكر زاد المسير، وما دام المؤمن يطلب هذا البناء الذي ذكرنا والذي هو في صلبه سفر خاص فلا حياد له عن ذكر الله والمداومة عليه طلبا للزاد والرفقة، يقول ربنا في الحديث القدسي (أنا جليس عبدي إذا ذكرني) ومن السنة أن يدعو المسافر (اللهم أنت الصاحب في السفر).

وحتى لا يضل بنا الفهم فنحسب أن الذكر قوة كامنة لازمة وإشباع ذاتي وروحي فقط، فالذكر كما يصفه الذاكرون قوة روحية تفعل فعلها في الذات والسلوكات والأحوال، ولنبقى دائما مع أستاذنا سعيد حوا حيث يقول في هذا الصدد: عندما تأخذ كلمة “لا إله إلا الله” مداها في القلب فإنها تحرق كل الأمراض وتوجد في القلب أخلاقا لها ثمراتها في السلوك كالمحبة لله و الإخلاص له و الخوف منه و التوكل عليه ويستقيم جسد الإنسان وعقله على منهج الإسلام أي على منهج لا إله إلا الله).

ورب مؤمن صادق مخلص لربه يتعرف على بيئة صالحة طيبة ويجتهد في ذكر ربه يحسب أنه قد حسم المعركة. كلا، لقد نبه علماؤنا الأجلاء في هذا المقام إلى تحذيرين اثنين كثيرا ما يغفل عنهما من يتصدى لبناء صرح روحه وهما:

• لا يصح الإيمان والإحسان إلا بتثبيت الاعتقاد في الله بالتوحيد وتحقيق واجب الزمان. فإذا كان واجب الزمان في حق من أدرك رمضان بعد الإسلام هو الصيام، وواجب من أدرك وقت الصلاة بعد الإسلام هو إقام الصلاة، فعلى المنوال نسج علماؤنا المجددون أساتذة التربية والبناء، حيث قالوا أن واجب الزمان في حق كل مؤمن صفت سريرته بمعرفة الله واستقامت جوارحه بذكر الله، واجبه أن ينهض إلى تحرير أمته من بعدها عن ربها و عتقها من كل مكروه يلحق بها، وما أكثر قيود الأمة في هذا الزمان حيث تداعت علينا الأمم وقذف في قلوبنا الوهن وسيطرت على إرادات ولاة أمورنا الدنيا وأجلب علينا الأعداء بخيلهم ورجلهم فلا تنظر إلا انبطاحا ولا تسمع إلا هوانا.

• لكل روح بشرية قدر من الاستعداد للترقي، وكل منها تحتاج إلى زاد معين حسب استعدادها، إلا أن المسلَّم به أن حاجة الروح بالنسبة للإنسان الذي يخالط البيئات الفاسدة والكيانات الغافلة، تفوق تلك التي تحتاجها الروح التي يعيش صاحبها بشكل يومي في رحاب المسجد وكنفه، وبقدر ما حاجات أرواح هذه الطليعة أكبر، فإن جزاءها هو الجزاء الأوفى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

ألا فلنعلم نحن العاملون في حقل الدعوة أن الذي نبذله خارج الذات، إنما يترتب حتما عن قدر وصدقية الجهد الذي نبذله في بناء أرواحنا حتى تقوى على النهوض بأعباء بناء الأمة وما أكثرها. وحديثا قال أحد الحكماء مخاطبا كل ذي حاجة: من خرج من الدنيا ولم يفز بالله، فلا نهاية لحصرته.)


[1] حديث صحيح رواه ابن ماجة.\
[2] رواه أحمد بإسناد جيد.\