منطق لا إنساني

لا ينظر صناع الاستبداد إلا بعين واحدة ولا يقبلون اختلاف وجهات النظر ولا اختلاف النظر من وجهة واحدة، ولا وقت لديهم ولا استعداد في نفوسهم للحوار مع الآخر خصوصا ذلك الإسلامي الذي وَقَّعوا على بياضٍ مع العدو الأمريكي على اتهامه واضطهاده والتضييق عليه. لسوء حظنا النخبة المثقفة في بلدنا قاعدتها الذهبية “نحن مع من غلب”، ولما غلب المخزن بالسيف فمبدؤها “أنا متمخزن إذن أنا موجود”.

غالبية الأمة ترفض هذا المنطق اللاإنساني، إذ لا يعقل أن تنادي بالتعددية السياسية وتقمع الاختلاف السياسي، وتدعي الديمقراطية وتمنع الشعب من الاختيار، وترفع شعار الحرية وتحاصر الأصوات الحرة، وتُظهر احترام القانون وترفسه في غياهب الانتهاكات اليومية.

لِم لا نقول مرحبا بجميع الآراء والمواقف والمشاريع التي تريد خدمة بلدنا، شريطة ألا تتبنى عنفا أو إلحادا أو إقصاء أو تواطؤا مقيتا في سراديب الظلام، و لِم لا نقول مرحبا بمن لا يقبل التبعية للغير بمن يأبى أن يمارس السياسة بالخُبزة أو بالخُمس، مثلما يرفض أن يقرر أحد من الناس مهما صنع لنفسه من الألقاب محل الشعب.

وترتيبا على ما سبق: ليس من الضروري أن يكون كل الناس عبيدا خانعين ليمارسوا السياسة، ومن غير الواجب أن يكون الجميع على رأي واحد ليكونوا وطنيين. كلنا مغاربة وكما أن الدين للجميع فالوطن للجميع والسياسة للجميع.

الوثن والوطن

شعراء القبيلة يتنطعون ويتفيقهون ويتحولون إلى رجال قانون وإلى وطنيين غيورين على مقدساتهم فيرحبون من أجل الوثن ببني صهيون ليرقصوا على مآسينا في فلسطين مع أنصاف الفنانين من بني جلدتنا… ويخسِرون أموال الشعب في مهرجانات سارت بفسوقها الركبان. في مقابل ذلك يقمعون من أجل الوثن كل رأي يقول الحق ويرفض الظلم…

إن الغيرة الحقيقية تبدأ من نزع صفتي الربوبية والألوهية عن الإنسان/ الوثن في ممارسة السياسة واعتباره بشرا يخطئ ويحاسب. “لا فضل لأبيض على أحمر ولا لأحمر على أبيض إلا بالتقوى”، الحق للجميع والواجب على الجميع والقانون المتفق عليه بين الجميع يطبق بالعدل على الجميع.

إن الله تعالى لم يخلقنا ويدعنا عبيدا في يد أحد، وإنما استخلفنا لنعمر أرضه بالصلاح- صلاح النفس بتزكيتها وصلاح المجتمع بالعدل- ويسر لنا سبحانه أسبابا في الكون، نفلح إن توفقنا في استثمارها ونجحنا في تدبير أمورنا وفقها، ونتخلف إن تواكلنا وتقاعسنا ونسينا أن الأسباب لا تحابي مؤمنا لإيمانه ولا تبخس جهد كافر على كفره.

من أجل المستقبل

يحتاج العقلاء في بلدنا إلى وقفة متأنية واطلاع كامل ودقيق على خطاب الآخر ثم محاورته والتعاون معه، والقبول به كمختلف يتقاسم مع جميع إخوته في الوطن الجغرافية والتاريخ، الدين والدنيا، الحاضر والمستقبل، ويحتاج مستقبلنا أن يكف أنصاف المثقفين عن التهجم المجاني الذي لا ينطلق إلا من بواعث إيديولوجية مغرضة تفصل الخطاب عن معناه وتزرع المعنى في غير مقصده، في سياقات مغايرة لبتره والتمويه عليه.

أيها الناس أنصتوا إلى عقولكم جيدا وراعوا للزمن -خاصة المستقبل- حقه علينا. إن المستقبل يهدد الضعفاء المتفرقين بمزيد الفرقة والضعف، وإن نهضتنا لا تحتاج فقط إلى هذه الفئة أو تلك وإنما تقتضي بالضرورة اجتماع كل الصادقين من كل الهيئات والفئات عبر حوار رصين وعميق وواضح، يؤسس لعهد وطني لا تبخس فيه الحقوق ولا تداس فيه القوانين ولا تنتهك فيه الحرم.

إن المغرب ينادي كل أبنائه من غير استثناء من أجل إحداث قطيعة مع كل أنواع البهلوانية السياسية، أما من لا غيرة له على بلده وفَضَّل أن يتكسب بلسانه وقلمه على حساب ضميره ومصلحة بلده فلا كلام معه وبيننا وبينه الزمن الذي تغيره صناعة الأحداث وليس التعليق عليها.