لكل غزوة عنوان

تعددت الغزوات النبوية، غير أنها تنوعت في رسائلها وخصائصها، وتمثل في مجموعها الدروس العملية التدافعية التي يجب استيعابها تفاديا للزيغ عن الجادة. وسنحاول فيما يلي تحديد عناوين أمهات الغزوات:

1. غزوة بدر الكبرى: الفئة المؤمنة القليلة تغلب الفئة الكبيرة عددا وعتادا، وفي هذا يقول الحق سبحانه: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون.

2. غزوة أحد: عاقبة مخالفة أوامر القيادة.

3. غزوة الأحزاب: التعبئة الشاملة: الإيمان كله يواجه الشرك كله.

4. غزوة فتح مكة: السمو عن الثأر حقْنا للدماء.

5. غزوة حنين: العدة والعدد مدعـاة للعجب الجالب للهزيمة، يقول عز من قائل: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا.

6. غزوة تبوك: الاستفادة من درس غزوة الأحزاب التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها مباشرة: “الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم” 1 .

الأسباب

خرج عشرون رجلا من زعماء يهود بني النضير يؤلبون القبائل العربية على حرب المسلمين واستئصال شوكة الإسلام، فاستجابت لهم قريشُ وبنو فزارة وبنو مرة وبنو أشجع وبنو أسد. وتواعدوا على موعد لإبادة المسلمين بجيش عرمرم قوامه عشرة آلاف مقاتل يقوده زعماء هذه القبائل. جيش يفوق عدد المسلمين رجالا ونساءً وأطفالا.

إعلان حالة الاستنفار القصوى في المدينة

بلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فعقد مجلسا استشاريا لوضع خطة لمواجهة العدوان، فأشار سلمان الفارسي الصحابي الجليل بحفر خندق قائلا: يا رسول الله، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا). ونزل أمين الوحي جبريل عليه السلام يُصوب رأي سلمان ويبارك الاقتراح وشُرع في تنفيذه. فكان على كل عشْرة رجال أن يحفروا أربعين مترا. وتم الإنجاز قبل وصول الغزاة بثلاثة أيام.

معجزات الحفر وعجائبه

يعتبر حفر الخندق إنجازا فريدا بكل المقاييس، فقد تجند المسلمون تحت القيادة النبوية وتحدوا الجوع والتعب وتواضع الوسائل وصلابة الأرض وتشويش المنافقين وتخاذلهم وضغط الزمان. إنجاز ما كان ليتحقق لولا القيادة النبوية التي أعطت من نفسها النموذج العملي؛ فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحفر ويحمل التراب حتى اغبر جسده الشريف، وإذا عرضت لهم صخرة اشتكوا له، فيقبل ليزيلها ويفتتها، وإذا رأى منهم النصب والجوع قال: اللهم إن العيش عيش الآخـرة *** فاغفر للأنصـار والمهـاجرةفيجيبون قائلين:نحن الذين بايعـوا محمدا *** على الجهـاد ما بقينا أبداوما كان لعمل عظيم كهذا أن يتم دون أن تتخلله نسمات ربانية تثبت الصف وتقوي اليقين في نصر الله تعالى. ومن ذلك أن جابر بن عبد الله رأى النبي صلى الله عليه وسلم وقد اشتد به الجوع فهيأ طعاما، وجاء يلتمس من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيه في نفر من أصحابه، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن عمم الدعوة عمن كانوا في الخندق، وكانوا حوالي الألف رجل، فأكلوا وشبعوا “وبقيت بُرمة اللحم تغط به كما هي” 2 .

أما عملية الحفر فلم تخل كذلك من خوارق. قال البراء: “لما كان يوم الخندق عرضت لنا في الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء، وأخذ المعول فقال: “بسم الله” ثم ضرب ضربة، وقال: “الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة”، ثم ضرب الثانية فقطع آخر، فقال: “الله أكبر، أعطيت فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن”، ثم ضرب الثالثة، فقال: “بسم الله”، فقطع بقية الحجر، فقال: “الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني”” 3 .

بنو قريظة ينقضون العهد

واستكمالا للمؤامرة نجح دهاة بني النضير في التأثير على بني قريظة لينقضوا العهد مع المسلمين وينضموا إلى حلف العدوان، لتنكشف بذلك الجبهة الخلفية للمسلمين، ويصبح نساء وأطفال المسلمين في المدينة عرضة للخطر. وبالفعل بدأ يهود بني قريظة يتحسسون حصن النساء والأطفال، ومر أحد رجالهم يطوف حوله فتصدت له في شجاعة نادرة صفية عمة رسول صلى الله عليه وسلم وأردته قتيلا في رسالة لليهود أن الحصون في منعة.

وأمام هذا التطور الخطير ـ حيث بات المسلمون محاصرين ـ فكر النبي صلى الله عليه وسلم في أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة على أن ينصرفوا من حلف الأحزاب، فاستشار السعدين: بن معاذ وبن عبادة فقالا: “يا رسول الله، أهو أمر تحبه فنصنعه، أم شيء أمرك به الله، أم شيء تصنعه لنا؟ قال صلى الله عليه وسلم: “بل شيء أصنعه لكم كي أكسر عنكم من شوكتهم”. فقال سعد بن معاذ: والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فتهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: “فأنت وذاك”” 4 .

نعيم أحد مفاتيـح النصر

في هذه اللحظات العصيبة “جاء نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي ـ وهو رجل من غطفان ذو مكانة متميزة ـ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني ما شئت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة”، فذهب من فوره..” 5 وأوقع بين الأحزاب وغدا كل فريق يتوجس خيانة الفريق الآخر، فتخاذلوا ودبت الفرقة بين صفوفهم وخارت عزائمهم.

هزيمة الأحـزاب

وبموازاة مع الأخذ بأسباب النصر كان الله صلى الله عليه وسلم كثير الدعاء ومن أدعيته عند البخاري قوله الله صلى الله عليه وسلم: “اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اِهزم الأحزاب. اللهم اهزمهم وزلزلهم”. وقوله الله صلى الله عليه وسلم لما بعث حذيفة يستطلع خبر العدو: “يا صريخ المكروبين، ويا مجيب دعوة المضطرّين، ويا مغيث المهمومين، اكشف همّي وغمّي وكربي، فقد ترى حالي وحال أصحابي”. وما أن تمّ دعاءه حتى نزل جبريل عليه السلام مبشرا بالنصر وهو يقول: “يا رسول اللّه إنّ اللّه عزّ ذكره قد سمع مقالتك ودعاءك وقد أجابك وكفاك هول عدوّك”. هنا تدخلت العناية الإلهية لتحسم المواجهة لصالح جند الحق، فقد أنزل الله تعالى جنودا من الملائكة وأرسل على الغزاة ريحا شديدة زلزلت صفوفهم وهزت خيامهم وأتلفت قدورهم ومتاعهم وتملكهم الرعب. يقول الحق سبحانه: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا وقرر أبو سفيان الانسحاب مخاطبا قومه: يـا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مُقـام، لقد هلك الكـراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنـا عنهم ما نكره، ولقينـا من شدة الريح ما ترون. فارتحلـوا فإني مرتحل) 6 .

من دروس الغزوة

جاءت غزوة الأحزاب حبلى بالدروس والعبر نحاول استجلاء بعضها:

1. يقظة المسلمين ووعيهم بالأخطار التي يمكن أن تحدق بهم؛ فلزوم الأهبة مكنهم من الاستعداد لمواجهة الغزاة.

2. نموذجية القائد حاسمة في المواقف العصيبة.

3. ترسيخ مبدإ الشورى وتوسيع دائرة اتخاذ القرار انفتاحا على الاقتراحات. ومن ثمرات الشورى رأي سلمان الفارسي بحفر الخندق الذي فاجأ المشركين وقالوا: إنها مكيدة فارسية ما كانت العرب تكيدها)، ورأي السعدين بقتال الغزاة وعدم مصالحة غطفان. كما يستفاد أيضا من رأي سلمان تطبيق القاعدة: الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها). وهذا معناه الانفتاح على المعارف والخبرات تنمية للمؤهلات وأسباب التمكين للدعوة.

4. مركزية سنة الابتلاء تمحيصا للصف، فشدة الموقف كشفت المنافقين مرضى القلوب، وأجلت صدق المؤمنين في أبلغ ما يكون التصوير. يقول عز من قائل: وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا. وبالمقابل جلى الحق سبحانه معادن الرجال في قوله جل وعلا: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم. ابتلاء وتمحيص ضروريان لينكشف الصدق من النفاق وتعرف الطاقات البناءة لصقل مواهبها ويستبعد من لا استعداد له للتضحية وتحمل أعبـاء البناء. يقـول الأستاذ المرشد حفظه الله: لا تصلح العنـاصر المتشككة والقـابلة ليشككوها، ولا البخيلة بأمـوالها وأنفسها عن الله لبناء) 7 .

5. استحضار الطبيعة البشرية التي يعتبر الخوف من صفاتها، فالصحابة ـ على قوة إيمانهم ـ بشر كغيرهم يتملكهم الخوف في الشدائد، وقد صور القرآن الكريم حالتهم النفسية: إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنّون باللّه الظنونا، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً حقيقة يجسدها إحجام الصحابة عن التطوع لاستطلاع خبر القوم فاضطر صلى الله عليه وسلم ليعين حذيفة بن اليمام لأداء المهمة. روى مسلم بسنده عن حذيفة بن اليمام رضي الله عنه قال: “لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدة وقرٌّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة، فسكتنا فلم يجبه أحد”، ردد ذلك ثلاثا ثم قال: “قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم”، فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم..” 8 وهذا يستفاد منه ألا يحمل الناس ما لا يطيقون وأن يختار للشدائد الرجال.

6. بسالة المرأة المسلمة ممثلة في صفية عمة رسول الله التي حمت ذراري ونساء المسلمين من تربص العدو. وفيه درس بليغ للحضور القوي للمرأة المسلمة في صناعة النصر.

7. توظيف كل الإمكانيات المتاحة مهما كانت فرص نجاحها ضئيلة؛ فهذا نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي ينجح في بث الفُرقة ويزرع الشك بين الأحزاب فيتخاذلون ويخون بعضهم بعضا.

8. تأكيد معادلة النصر والتمكين لجند الله القائمة على التوكل على الله بداية ووسطا ونهاية مع الأخذ بالأسباب. لذلك خُطط للمعركة وأُنجز الخندق ورابط المسلمون وأُديرت أطوار المعركة بحكمة بليغة، كل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ويتضرع للمولى الكريم حتى جاء الفرج، وتحقق النصر.

خلاصة

كما أسلفنا في البداية تنوعت عناوين الغزوات النبوية لتوفر لحاملي مشروع الدعوة في كل زمان ومكان مفاتيح التدافع وأسباب النصر؛ وما أشبه أمس الدعوة بيومها! تكالبت الأعداء على الإسلام وتحالف الاستكباران المحلي والخارجي على استئصال شوكة الإسلام وحاصروا دعوته وطوقوها.

ترى هل ينجح أبناء الحركة الإسلامية -وهم أمل الأمة- في كسر الحصار وتعبئة الجهود وحشد الطاقات واكتشاف “سلماني” زماننا -نسبة لسلمان الفارسي رضي الله عنه- واحتضان ذوي المروءات والفضلاء من الرجال من عيار نعيم الأشجعي لخلخلة جدار الاستكبار وزعزعته تمكينا لدعوته.

نحتاج تعبئة وجندية من عيار تعبئة وجندية الجيل الفريد امتلاكا لأسباب النصر التي أمرنا الحق سبحانه أن نأخذ بها بعد تثبيت العامل الذاتي تربية للنفوس وإخباتا لله تعالى؟


[1] الرحيق المختوم، ص:219 نقلا عن صحيح البخاري.\
[2] نفسه نقلا عن البخاري، ص:212.\
[3] نفسه، ص:212.\
[4] فقه السيرة للبوطي، ص:215.\
[5] نفسه، ص:218.\
[6] فقه السيرة للبوطي، ص:217.\
[7] المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، للأستاذ عبد السلام ياسين، ص:173.\
[8] فقه السيرة للبوطي، ص:216.\