تصاعد في الآونة الأخيرة ما يشبه التوتر الشعبي بين مشرق الأمة ومغربها، وتحديدا حين صدرت مجموعة من السلوكات الاجتماعية والإنتاجات الثقافية تسيء (لعلها عن غير قصد) إلينا نحن المغاربة وتجرح فينا كبرياء المروءة حين مست سمعة أخواتنا وكرامة بناتنا.

وككل حَمِيَّة وعصبية، يندر فيها حضور التعقل ويغيب عنها حسن التصرف، انخرط منا كثير في حملة مضادة استحثت كوامن الانتماء القطري والاستعلاء العرقي، وتجاوز الأمر حد التعليقات المتسرعة في هذا الموقع أو تلك المدونة أو القناة إلى تدبيج المقالات وإنتاج حلقة تلفزية ساخرة تبرز أن المغرب ليس هو المشرق ولن يكون، بل وصل الأمر حدَّ الدعوة إلى الفصل مع هؤلاء المشارقة العرب ونعتهم بأقبح النعوت وإدارة الوجه والواجهة والاتجاه نحو إفريقيا وأوروبا بدل هؤلاء الذين لا يُقدِّرون لنا قيمة ولا يحفظون لنا مكانة.

لستُ هنا لأبرر سلوكنا ولا الإساءة التي مسَّتنا، فالجميع أخطأ وتصرف من خارج دائرة الصواب، بل لنرجع إلى الأصل ولنتبيَّن أن الصراع والحملات صدرت عندما رَانَتْ على أُخُوَّتنا الإسلامية حُجُب الانتماء القطري التعصبي (مغربي، جزائري، سعودي…) وحين غطَّت على انتصار عقولنا للحق والعدل حمية العِرق والعُصبة والعشيرة، وبالتالي ما صدر منا وعنا جاء في وقت تشوَّهت فيه شخصيتنا الإسلامية الحقيقية وأصبحت تنتصر للصواب والخطإ معا، لا تعرف المعروف وتأمر به ولا تنكر المنكر وتنهى عنه بغض النظر عن جنسية ولون ولغة قائله وفاعله.

ولأن العصبية لا منطق متماسك يسكنها فإن الشاب المغربي الذي استمات في الدفاع عن “بنت البلد والوطن” أمام إساءة المشرقي، هو نفسه قد يهينها ويحط من كرامتها ويعرضها للاغتصاب (وهو الحاصل مع الأسف)، فينكر على غيره فعلا يأتيه، وقد يدرك ذلك ويقبله ويسوغه، وكأن للانحراف ألوان وللحرام ألبسة نقبله أحيانا (إن وقع بيننا نحن أبناء البلد الواحد) ونرفضه أخرى (إن صدر من غيرنا)!

ومن غريب ما يدار من “نقاش” بين شقي الأمة في الآونة الأخيرة أن هوت بنا الحمية إلى قعر بعيد من الغواية، حتى تجاوزنا ما عرف سلفا، إبان صعود الفكر القومي، من تباهٍ في السبق الفكري والديني والأمني والعلمي والثقافي (على علاته) إلى أن صار الغمز واللمز يطال الأعراض والشرف وتتبع العورات، وهو لعمري كاف لوحده للدلالة على انحراف هذا المسار من الأصل بغض النظر عن السبب والمتسبب.

إننا – معشر المسلمين والعقلاء – نرفض الخطأ والعيب والانحراف لأنه نقيصة في ذاته ولأنه حرام ومكروه ومنبوذ دينا وخلقا وشرعة وقانونا، تمجه الفطرة السوية والذوق السليم والعقل المعتدل، وترفضه المجتمعات الآدمية العاقلة لما يترتب عنه من مخاطر وتفكك وانحلال وصراع وكراهية وضرر يصيب الجميع.

فالإسلام (هذا الدين العظيم الذي سوَّى بيننا جميعا) جاء ليزرع فينا معنى الذات الواحدة التي تتداعى أطرافها لتخفيف شكوى بعضها لا للتصارع والتنابز والتدابر، ورسول الإسلام (هذا النبي الكريم الذي هو أولى بنا من أنفسنا) صلوات ربي وسلامه عليه غرس فينا أن نحترم الإنسان لآدميته التي كرمه الله من أجلها، وربَّى فينا أننا إخوة لا فرق بيننا يمليه اللون أو الوطن أو الجنس، بل التقوى والكفاءة هما مورد التفاضل بين من هم سواسية كأسنان المشط.

وإن الذين صنعوا مجدا خالدا نتباهى به إلى يوم الدين فرقتهم الألوان والأجناس والقبائل (بلال الحبشي وسلمان الفارسي وخبيب العربي وصهيب الرومي، وحسَّان الخزرجي وسعد الأوسي وسعيد القرشي…) وجمعهم الدين وساوى بينهم وآخى، حتى ضربوا لنا أروع الأمثلة في الجسد الواحد والتماسك المتين والمجتمع الأخوي والانتصار للحق، وما كان للقرابة أو القبيلة أو العرق أو الجنس أن يرتفع بهم عن انتمائهم الأول والنهائي للإسلام، ويخرجهم عن العقل والإيمان فينحازوا للحسن والقبيح والصواب والخطإ والحق والباطل.

في ذلك الزمن الجميل حين تشاجر رجلان من المهاجرين والأنصار فقال الأَنْصَارِىُّ يَا لِلأَنْصَارِ وقال الْمُهَاجِرِىُّ يَا لِلْمُهَاجِرِينَ، سمع ذاك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: “”ما بَالُ دَعْوَى جَاهِلِيَّةٍ”؟، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ (ضَرب بِيَده) رجلٌ من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال: “دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ””.

ولأن من أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم يقدم لنا الترياق اللائق لكل أدواء الأزمان، فإن الطب النبوي يتردد صدى صوته الأخوي الأخاذ في هذا الزمن ليقول للجميع، الإسلامي والعلماني لمصلحة الوطن، والعربي والأمازيغي لفائدة الهوية، والمغربي والمشرقي لوحدة الأمة: “دعوها فإنها منتنة”.