بعد سنوات ظل فيها الشأن الديني في عالمنا الإسلامي مقصيا ومنسيا، وكانت المساجد ودور العبادة مهمشة ومهملة من السياسات الرسمية المتعاقبة، لا يكاد يذكرها أحد إلا في الأعياد والموالد، فإلى عهد قريب كانت أغلب المساجد لا تستفيد من ميزانيات الدولة فلا ترمم – حتى تنهار- ولا تفرش ولا تنظف ولا يزودها بالماء والكهرباء إلا الأسخياء من المحسنين، بل حتى إن من يتولى الإشراف على المساجد من الأئمة والمؤذنين والقيمين يكون إما متطوعا أو تتكفل صدقات الناس وهباتهم بأجرته الهزيلة آخر كل شهر.

فماذا حدث الآن وما سر هذا التحول المفاجئ في سياسات الحكومات الإسلامية وما سر هذا الكرم الحاتمي والاهتمام غير المسبوق بـ’الحقل الديني’ وبالمساجد والأئمة؟ ففي هذا الشهر وحده أو قبله بقليل تناقلت وسائل الإعلام أخبارا من شتى بقاع العالم الإسلامي عن الموضوع، فالسعودية تقصر الفتوى على هيئة كبار العلماء بأمر من الملك عبد الله، ومصر تغلق المساجد وتوحد الأذان بقرار من محمد زقزوق، والمغرب يعزل الأئمة والمرشدين والخطباء بل ويدعو السيد وزير الأوقاف إلى فرض ‘حسبة علمية’ على المتكلمين في الدين، وحتى سلطة أبو مازن في الضفة الغربية تمنع قراءة القرآن في مكبرات الأصوات وتعزل أئمة حماس وتأمر بتوحيد خطبة الجمعة.

لن نقف عند حجج أصحاب القرار فكل منهم يبرر فعله بأوامر الدين ـ ظاهرا – وبالحرص على الأمن الديني والروحي للمواطنين وتجنب الفتنة، ومن يعارضون القرارات لهم مبرراتهم من الكتاب والسنة وأدلة العلماء والسلف الصالح أيضا، وفي الدين ‘متسع للجميع من الشيخ حتى الرضيع’ على رأي درويش.

سنطرح السؤال على خلفيات هذه القرارات وسابقاتها مما يطلق عليه ورش ‘إصلاح الحقل الديني’ في دول العالم الإسلامي بهذا الشكل الموحد وبهذه الروح والعزيمة والجدية التي تفتقدها سائر القطاعات لنفهم السبب وإذا عرف السبب بطل العجب كما يقال.

لا يخفى على أحد أن ما تقوم به الأنظمة العربية التي تخلت عن تعاليم الدين منذ سنوات ولا زالت تغيبه في تشريعاتها وفي مظاهر الحياة الأخرى، لا يهدف إلى إصلاح الشأن الديني بدون شك، فالدين آخر ما تفكر فيه الحكومات العلمانية في العالم الإسلامي، بل إن وراء شعار الإصلاح مجموعة من الأهداف غير المعلن عنها بشكل واضح لعل أهمها:

تنفيذ الإملاءات الأمريكية بخصوص الإصلاح الديني في العالم الإسلامي

إن قراءة سريعة في مبررات القرارات السالفة تضعنا أمام حقيقة أننا أمام تعليمات موحدة لدول لا يجمع بينها جامع في السياسات ولا في التوجهات إلا أن تكون الجهة الآمرة واحدة.

مبكرا وضع ‘وليم جيمس’ منظر الفلسفة البراغماتية مفهوما للدين في أمريكا، فالدين يعتبر صحيحاً حين يقدم نفعاً عملياً للمعتقد أو المؤمن به وهذا المفهوم طبع الحياة الدينية الأمريكية بشكل كامل إلى حد جعل هارولد بلوم في كتابه (الدين الأمريكي ـ 1992) يقول عنه: إن المسيحية تجربة براغماتية أمريكية، وإن ‘يسوع الأمريكي’ أقرب لما هو أمريكي مما هو مسيحي).

وعلى ضوء هذه الفلسفة للدين اهتمت الولايات المتحدة الأمريكية وعبر أجهزتها الاستخبارية منذ أربعينات هذا القرن اهتماما بالغا بمتابعة المجال الديني في العالم الإسلامي لأسباب سياسية وثقافية واستعمارية، بل ونسجت علاقات متينة مع بعض القيادات والرموز الدينية في العالم الإسلامي وزعماء الحركات الإسلامية المختلفة وبلغت العلاقة ذروتها إبان الغزو السوفياتي لأفغانستان حين حظي المجاهدون بالدعم السياسي واللوجيستي المباشر من أمريكا وحلفائها الخليجيين، غير أن هذه العلاقة ستعرف تصادما متوقعا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي لسببين أولهما التناقض الإيديولوجي بسبب مفهوم الدين عند الأمريكان وثانيهما بروز تيارات متمردة ومهددة لمصالح أمريكا وحلفائها في المنطقة، وسيتفجر الوضع أكثر بعد ظهور تنظيم القاعدة وأحداث 11 أيلول/سبتمبر التي خلصت من خلالها أمريكا إلى أن هناك موجة من العداء لأمريكا وتهديدا لمصالحها ومصالح حليفتها في المنطقة ‘إسرائيل’.

والآن وبعد هيمنة أمريكا على العالم الإسلامي يعمل الأمريكيون على التعامل مع الدين الإسلامي برؤية براغماتية، أي العمل على توظيفه لخدمة المصالح الأمريكية في المنطقة، لهذا بلوروا مجموعة من البرامج في إطار ما أطلق عليه ‘الشرق الأوسط الكبير أو الموسع’ تطالب بإصلاحات في المجالين الديني والتعليمي بل وتفرضها على الدول من أجل فرض ‘إسلام ليبرالي ديمقراطي’ معتدل في المنطقة وخلاصة هذا الإسلام الليبرالي كما يقول الدكتور محمد إبراهيم مبروك: إنه إسلام يتم تفريغه من الداخل من العقائد والقواعد والأحكام التي يتم استبدالها بمحتوى علماني يسقط كل ما له علاقة بالوحي والمقدس والمرجعية الإسلامية ويضع مكانه العقل والمصلحة كمرجعية وحيدة للإنسان في تصوراته وسلوكه بينما يحتفظ بالشعارات والمظاهر الدينية من الخارج إسلام مزيف يتفق مع العلمانية والديمقراطية والعولمة الأمريكية ومبادئ حقوق الإنسان الغربية ومقررات المؤتمرات النسوية، ويتفق مع كل شيء في العالم إلا مع الإسلام الحقيقي نفسه. إسلام يدعو إلى السلام والتسامح والتعايش ويلغي الجهاد والمقاومة) وقد خطت أمريكا خطوات عملية في تمويل هذه البرامج بالأموال والخبراء والدراسات، وليس خافيا أن مجموعة من وزارات الأوقاف والإرشاد الديني استفادت من خدمات مستشارين أمريكيين ومن بينها المغرب.

الحد من قوة وتجذر الحركات الإسلامية

كانت استراتيجية الأنظمة في مواجهة الحركة الإسلامية – وبدعم أمريكي – ترتكز على دعم إسلام تقليدي/وراثي وآخر ‘وهابي/تكفيري ممول بالبترو دولار السعودي’ ومتحكم فيه للوقوف في وجه الحركات ‘الإخوانية’ أو ما عرف بالإسلام السياسي، لكن بعد تمرد العديد من هذه الحركات وخروج التيارات الجهادية من عباءتها، تبين أن هذا الرهان فاشل، خاصة أنه لم يحد من قوة حركات الإسلام السياسي المعتدل في العالم، بل وكانت له مضاعفات جانبية، أخطرها بروز التيارات القتالية العنيفة وعلى رأسها تنظيم القاعدة، وهو ما تنبهت له دوائر القرار في واشنطن، فمنذ مدة نشرت مؤسسة (راند كوربريشن) دراسة عن الإسلام الديمقراطي! تشرح فيها الباحثة النمساوية شاريل بنار( زوجة ‘زلماي خليل زاد’ السفير الأمريكي في بغداد حالياً) كيف يجب أن نتعامل مع الإسلام والإسلاميين، وأن هناك حركات إسلامية يجب أن تستبعد، وحركات إسلامية يجب أن تقرب، وحركات إسلامية يجب أن تستأصل. وقد أصبحت ورقة (راند) مرجعاً لكيفية العمل لدى أجهزة الأمن. في العالم العربي خاصة في الخليج.

ومن المعلوم أنه يوجد الآن أكثر من تيار يوجه سياسة الولايات المتحدة تجاه العالم الإسلامي والحركات الإسلامية خصوصا ويتراوح الأمر ما بين التطويع والتدجين لخدمة المصالح الأمريكية وما بين الإقصاء والمواجهة الحاسمة للإسلاميين “الأصوليين”:

اتجاه أول ممثل في مؤسسة كارنيجي ومركز سابان ومركز بروكينجز وهدفه تطويع فكر بعض الاتجاهات الإسلامية ممن يسمون بالإسلاميين المعتدلين بما يتماشى مع المصالح الأمريكية العالمية، وذلك عبر عقد المؤتمرات المتتالية والندوات واللقاءات الفكرية والثقافية في إطار ما يسمى بالحوار الغربي/الإسلامي، هذا فضلاً عن اللقاءات الخاصة والزيارات والمنح التي تستهدف إشراك هذا النوع من الإسلاميين في الحكم والنفوذ في مقابل تقديم تنازلات عن ثوابت الإسلام مثل الحكم والشريعة والجهاد.

اتجاه ثان يرى ضرورة إقصاء ومواجهة الإسلاميين الأصوليين تقوده مؤسسة ‘راند’ التابعة لـ’سي آي إيه’ – وهي أكبر مؤسسة فكرية في العالم – وقد أصدرت تقريرين حول الموضوع في عامي 2003 و2007 الأول يدور حول إقصاء الإسلاميين الأصوليين، وإلى وجوب دعم وتقوية العلمانيين والحداثيين في مواجهة الإسلاميين.

أما التقرير الثاني فيذهب إلى أنه لا بد من إعادة تفسير مبادئ الإسلام لتستجيب للمصالح الغربية بل وجوب استخدام الإسلام نفسه والمؤسسات التقليدية القائمة لمواجهة الإسلاميين الذين يجب نعتهم بالإرهاب والتطرف والجمود.

تأميم الشأن الديني وإعادة السيطرة عليه

لم تجد الحركة الإسلامية إلا المساجد والمدارس الدينية والجمعيات الخيرية أمامها لتمارس دورها في الدعوة والإرشاد الديني، بعد أن أغلقت عليها منافذ العمل الشرعي وأوصدت في وجه المنتسبين إليها أبواب الأحزاب والعمل السياسي والنوادي خاصة في دول شمال إفريقيا ومصر. لهذا ركزت على المساجد، وصارت منابرها واجهة لمعارضة سياسة الدولة ورموزها، وقد استطاعت الحركة الإسلامية أن توظف بنجاح المساجد في تعليم الناس أمور دينهم وفضح مظاهر الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتستثمر دورها الفعال في التعبئة والتحريض و الحشد، وحتى الاستقطاب لصالح حلفائها السياسيين.

بالمقابل أفقدت – عقود من تهميش المجال الديني على مستوى البرامج والمخططات مركزيا ومحليا – الأنظمة السيطرة على المساجد والمدارس الدينية ودور تحفيظ القرآن والجمعيات الدينية، وجعلت العلاقة معها تنحصر في المجال الأمني أي في التقارير التي يقدمها المقدمون والشيوخ والمخبرون أما التأهيل والتكوين والتجهيز فقد كان غائبا فمثلا في المغرب يقر وزير الأوقاف في أحد تصريحاته ‘لدينا أكثر من 45 ألف إمام وتبين من إحصائيات 2006 أنه للأسف 82′ من الأئمة ليس لديهم أي مستوى تعليمي وإنما هم يحفظون القرآن’ لذا وجدت الأنظمة نفسها أمام قطاع حيوي غير مهيكل ولا منظم يفتقد رؤية جامعة وموحدة حيث تجد كل مسجد يطبق أجندة إمامه تبعا لمدرسته الفكرية (صوفي تقليدي حركي وهابي) وهو ما تنبهت له الدولة في المغرب فجعلت من أولوياتها وضع برنامج لتأهيل الأئمة يشمل ‘من بين عناصره مذهب أهل السنة والجماعة والفقه المالكي وفقه السلوك وفقه الإمامة العظمى’ وهو ما تظهر ثماره حاليا للأسف – فالمساجد ازدادت تمخزنا وتحولت إلى مؤسسات لتدجين المواطنين، وبدأ التعصب للمذهب المالكي وإن كان مرجوحا في بعض مسائل الفقه، وتم دعم التيار الصوفي في دواليب صناعة القرار الديني، كما بدأ التحول بالعلماء إلى موظفين لدى الدولة يروجون لسياساتها ويسبحون بحمدها. ومن خالف له العزل والتوقيف أو تمارس عليه الحسبة! ولنا أن نسأل لماذا أوقف الدكتور رضوان بن شقرون من المجلس العلمي بمدينة الدار البيضاء؟ ونفس الأمر في سائر الدول الإسلامية ففي السعودية أوقف الشيخ علي الركبان لكونه متقاعدا من هيئة كبار العلماء! كما أوقف العبيكان والكلباني لمخالفتهم المؤسسة التقليدية بفتاواهم، وفي ضفة أبو مازن أوقف خطباء حماس المقاومة والمبرر موجود فوزير الأوقاف يقولها صراحة ‘المساجد جميعها تتبع لإشراف وزارة الأوقاف، فلن نقبل أن تكون هناك مساجد محسوبة على أية جهة حزبية، ولن نقبل بأن تكون هناك مساجد خاصة’ فمساجد السلطة تضيق بخطاب الجهاد والمقاومة، وفي مصر قام السيد زقزوق بمنع ثلاثة من قيادات وزارة الأوقاف هم: الشيخ عبد الغفار رمضان، والشيخ خالد راجح، والشيخ يسري توفيق فاضل من الحصول على رواتبهم، بعد رفضهم توجيه الأئمة للدعاية له في انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى. ولكم حرية التعليق! إن الهدف مما يطلق عليه إصلاح ديني هو إعادة ضبط و’بولسة’ المؤسسات الدينية والوقفية حتى لا تشكل خطورة أو تهديدا للخطاب الرسمي، فهناك حملة لشراء ذمم الأئمة والخطباء بجعلهم موظفين ومأجورين لدى الدولة ينفذون أوامرها وسياساتها وينسجمون مع خطها الرسمي إما تبريرا أو تفسيرا وأي مخالفة للدولة لا للدين تتسبب في إبعادهم.

فنحن في المحصلة أمام إملاءات وتوصيات أمريكية تفرض على أنظمة المنطقة إدخال تغييرات جذرية على المؤسسة الدينية، حتى تنسجم مع السياسات الصهيونية في العالم الإسلامي، الغاية منها الحد من فاعلية الحركة الإسلامية والقضاء على روافد ‘التطرف والإرهاب’. ففي التعريف الأمريكي كل من يختلف مع مشاريع الهيمنة الصهيونية الأمريكية هو ‘إرهابي ومتطرف’، وإن كان يرفض العنف والعمل المسلح وإن لم يكن حتى إسلاميا أصلا. وذلك بفرض مزيد من القيود على المؤسسات الدينية والأئمة والعلماء، وتشكيل مؤسسة دينية حديثة رسمية مؤهلة وممولة جيدا قادرة على التواصل، في مواجهة مؤسسة دينية شعبية تشكلت سابقا في غفلة عن الدول ومؤسساتها، ويساهم في تكريس هذا التوجه تيار علماني/حداثي استئصالي تحريضي مسيطر على الإعلام والتعليم. لهذا فلولا يقيننا في الحفظ الإلهي للوحي لما ضمنا أن نجد أنفسنا في يوم من الأيام أمام نسخة منقحة من القرآن والسنة لا تكرس ‘دين الانقياد القروني’ المحلي فحسب كما أسماه ابن خلدون بل تكرس دين انقياد أمريكي جديد. فالمفكر الإسلامي عبد الله النفيسي كتب بمرارة عن زيارة ليز تشيني للخليج يوضح مدى الاختراق الثقافي والسياسي والديني الذي تتعرض له المجتمعات الإسلامية: ‘منذ فترة كانت منطقة الخليج بكل أسف تستقبل ‘ليز تشيني’ ابنة ‘ديك تشيني’ وكأنها فاتح للمستقبل؟ وباب إليه؟ وتظهر في المؤتمرات الصحافية لتقول: ‘أنا غير متزوجة، ولن أتزوج، فأنا سحاقية.. وسأظل إلى الموت سحاقية’! يستقبلها أناس عندهم لحى… وزراء ومسؤولون في دول الخليج، لتقول لهم: ‘يجب أن تعيدوا النظر في مناهجكم التعليمية، يجب أن لا تعلموا أولادكم هذا، ويجب أن تعلموا أولادكم هذا’، وطافت ‘ليز’ على وزارات التربية والتعليم في دول مجلس التعاون الخليجي، والتقت بلجان المناهج، وقالت: هذا الكتاب يلغى وهذا يقرر! وأين أنتم من ثقافة المستقبل والحب والود بين الشعوب؟! وهذه الآيات في القرآن الكريم التي تتحدث عن اليهود آيات تبث الكراهية بين الشعوب، وبالتالي لا بد من إلغائها تماماً من الذاكرة العربية والإسلامية)؟!.

إنه دين الانقياد الأمريكي.