أثارت قضية عزم القس الأمريكي “تيري جونز” حرق نسخ من المصحف الشريف في ذكرى 11 شتنبر جدلا واسعا في شتى ربوع العالم، وردود أفعال واسعة ومتعددة لا من حيث طبيعة إصدارها أو الجهات التي دخلت على خط تفاعلات القضية، لتشمل التصريحات رؤساء دول ووزراء ودبلوماسيين كما الجمعيات الدينية أو المدنية.

لكن الغائب الأبرز في هذا الخضم من الأفعال وردود الأفعال، كان هو النظام الرسمي العربي بحكم أن الإهانة موجهة للمسلمين الذين يتقلد نظامهم الرسمي ألقاب حماة الدين والساهرين على شريعة القرآن والذود عن المقدسات فهم “المرجع الأعلى للأمة” و”الساهرون على أمن البلاد والعباد”.

نعم غاب النظام الرسمي بكل مؤسساته إلا ما ندر في شكل بلاغات أو تصريحات هي أقرب إلى المداهنة والعمومية منها إلى الإدانة والاستنكار، بل إن تصريحاتهم هاته إن وجدت لم تأت إلا أخيرة بعد كل من له علاقة بالموضوع أو من لا علاقة له بالموضوع، أو ممن يحسب في خانة أعداء الأمة، وكأن الأمر لا يعنيهم!.

لقد غدت المقدسات الثابتة في عرف النظام الرسمي العربي لا تتجاوز الحاكم وأسرته وأصهاره وأمواله، أما غير ذاك فللقاصي والداني أن يدنسه كيف شاء ولكل نذل أن يعبث به متى شاء دون حسيب أو رقيب. فإن لم تتحرك هذه الأنظمة في قضية المصحف، أو الإساءة للرسول صلى الله عليه وسلم، فأي خير يرجى منها، أليس القرآن وهدي النبي عليه الصلاة والسلام هما مرجعا الأمة الأسمى، ومحل إجماعها بكل ألوانها وأطيافها، برها وفاجرها، إسلاميها وعلمانيها؟ أليس هما على رأس المقدسات في القوانين والدساتير التي فرضوها على الشعوب فرضا؟ ألا يدعون أنهم يستمدون شرعيتهم من القرآن ومن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم؟؟…

بالأمس القريب شهدنا في أوروبا كلها كيف تتالت الإساءات لنبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، في استفزاز صارخ لمشاعر المسلمين، وفي تعد واضح لأبسط القيم الإنسانية ناهيك عن الحقوقية أو متطلبات العيش المشترك، وتحركت الشعوب والمؤسسات المدنية في كل أصقاع العالم، وتخلفت الأنظمة ولم تشأ أن تخدش سمعتها وصورتها أمام أسيادها وأرباب نعمتها. واليوم يتكرر الفعل في أمريكا ويتطاول على المصحف الشريف، والتهديد والوعيد على مدى اليوم وبكل اللغات، صوتا وصورة، والأنظمة ساهية لاهية غير مبالية.

وإذا كان الأمر كذلك مع القرآن ومع الرسول صلى الله علي وسلم فهذه الأنظمة لما سواهما أضيع. لكن بالمقابل تقوم الدنيا ولا تقعد إن سولت لصحفي أو مواطن كيفما كان إن أشار إلى مرض الحاكم أو إصابته بوعكة صحية (فلا يجوز ذلك في حقه)، لتتحرك الدولة بكل أجهزتها، لأن مواطنا مسكينا أشار بغمز أو لمز لجناب الحاكم ولأن مسا به يستوجب الحساب والعقاب لينطلق مسلسل التضييق والتلفيق والتنكيل في دروب المحاكم، وغياهب السجون، فالويل لمن قال إن الحاكم يمرض، فهو سعادته لا يشار إليه إلا بالحكمة والرزانة والأناقة و… وليس للعباد إلا أن يسبحوا بحمده ويركعوا ويسجدوا له من دون رب الأرض والسموات.

القدس المقدس

هكذا زين النظام الرسمي إعلامه وتغنى به عملاؤه وعدد على أساسه أعماله وإنجازاته، لكن الصورة في الواقع تبدو على غير ما يرسم النظام، فالتهويد يتواصل كل لحظة ودقيقة، والتشريد بكل الطرق والوسائل. بل إن الجيش الصهيوني يتحرك بأكمله لمنع المصلين من الوصول إلى باحات المسجد الأقصى في منظرٍ قمة في الإذلال والإهانة، دون أن نسمع أي صدى “لحماة الملة والدين”، هذا إن كان في عرف هذه الأنظمة أن المسجد لازال من المقدسات وأن الصلاة كذلك، ولا أحسب الأمر كذلك لأن المساجد في الوطن العربي محاصرة على غرار الأقصى، فهي لم تعد إلا منبرا للدعاية الرسمية، ولا تفتح إلا لدقائق معدودة وكانوا فيه من الزاهدين، أما من منّى نفسه القعود فيها ساعة يذكر فيها الله عز وجل، أو يقيم لسنة الله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فيها شأنا فلن تتوانى أيادي الجبر من الضرب بالحديد 1 . ليظل القدس والأقسى وفلسطين عنوانا لتفريط الأنظمة العربية في المقدسات، ودليلا دامغا على زيف دعاوى “حماة الملة والدين”.

الوطن المقدس

كثيرا ما تغنى النظام الرسمي بقدسية الوطن، والحقيقة أنه لا يعدو أن يكون إلا ذرا للرماد في عيون أبناء الوطن العربي المستضعفين المغلوبين على أمرهم، ولأن الحديث عن ذلك حديث ذو شجون وسجون. ألا ترابط الجيوش الأجنبية على أراضي الوطن العربي وتنتهك حرمته برا وبحرا وجوا؟ ألا تفتح بلدانه في وجه مجرمي الحروب والشواذ ويمنع أبناء الوطن سياسيوه ومناضلوه وفنانوه حتى من الكلام؟ بل إن الأمر أشد قتامة، فأجزاء من الوطن لا تزال تحت نير الاحتلال المباشر بصيغته القديمة ناهيك عن أشكاله المعاصرة. ولا يتورع حكامنا في تبادل القبلات مع هذا المحتل واستقباله وتوشيحه بالأوسمة ومنحه الامتيازات دَوْسًا على هذا الوطن المقدس. ولا تسل عن خيرات الوطن العربي ولا عن أمواله ومعادنه وعن بتروله وعن…

إننا إذا ما تتبعنا كل هذه الأسلحة المشهرة في وجه عقل وإرادة وحرية المواطن العربي والمسماة مقدسات، سواء كان قضية مشتركة كما قضية القدس، أو قضية خاصة كقضية كل قطر من أقطار الوطن العربي في بحره وحدوده وثرواته، لن نجدها في كنه الأمر إلا مقدسا واحدا ووحيدا ثابتا، أما غيره من المقدسات فليس إلا ديكورا متحولا. وتارة مقصلة لذبح الكرامة الآدمية، وسيفا مصلتا في وجه الحرية والديمقراطية اللتان جعلهما المقدس الأول تحت نعليه. ومن أجل هذا المقدس الثابت يضحى بكل مقدرات الأمة، ويتطاول على كل المقدسات التي من شأنها أن تبني كرامة وعزة للموطن العربي، وتنتشله من براثن الفقر والأمية والتخلف والعيش عالة على أمم الأرض، مقدرات تصنع من المواطن العربي عقلا وإرادة تقود قطار التنمية والحقوق والعيش الكريم والرفعة بين الأمم.


[1] مثال ذلك منع السلطات المغربية المصلين من الاعتكاف في عدد من المساجد وتقديمهم للمحاكمة بالتهمة نفسها.\