أزيد من نصف قرن على “استقلال البلاد” ولا زال نظامنا التعليمي يتخبط ويراكم الفشل تلو الآخر.

في منتصف تسعينيات القرن الماضي كلف الملك الحسن الثاني لجنة لإنجاز مخطط تعليمي جديد ينقذ المنظومة التعليمية من مأزقها الخطير الذي اندحرت إليه. وعرضت اللجنة بعض المقترحات الجادة آنذاك، فما كان من الحسن الثاني إلا أن أعرض عن كل ذلك، وتم تشكيل لجنة أخرى لوضع “ميثاق وطني للتربية والتكوين”، وتم ترصيعها بتمثيلية شكلية من بعض الهيئات النقابية والحزبية، وفي وقت قياسي تم إصدار ذلك “الميثاق” الذي كان تطبيقا حرفيا لتوصيات البنك الدولي الموجهة للمغرب سنة 1995. وقد بادرت آنذاك كل الأصوات الحرة والغيورة إلى التحذير من خطورة تنزيل ذلك المشروع وبعواقبه الكارثية لاعتبارات منها غياب المناخ السياسي والاجتماعي الذي يتنزل فيه الإصلاح، ثم باعتباره أجندة أجنبية لم تراع واقع البلد ومتطلباته، فصمت الدولة آذانها، وسكتت القوى السياسية والنقابية التي شاركت في الميثاق المزعوم، بل إن كثيرا منها أقام الدعاية الزائدة لهذا المشروع. وصارت الخطابات الرسمية تنوه بصيرورة إصلاح التعليم ونجاعته الذي اعتبر من الأوراش الكبرى التي تعمل عليها الدولة. فما أن أوشكت “عشرية التربية والتكوين” على الانتهاء حتى بدأت التقارير تتناسل لتقر الحقيقة المرة وهي الفشل الذريع للميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي جعل المغرب يتبوأ المراتب المتأخرة من بين دول العالم الثالث، أردف ذلك اعتراف المجلس الأعلى للتعليم بتلك الوضعية من خلال تقريره لسنة 2008.

وعوض أن تفتح الدولة نقاشا وطنيا بمشاركة الفاعلين التربويين والاجتماعين ومكونات المجتمع لتشخيص الوضع تشخيصا دقيقا وتحديد مسارات للإصلاح ينخرط فيها الجميع، لم تستطع التخلص من نزعتها الاستبدادية فتراجعت حتى عن الإشراك الصوري الذي قامت به أثناء وضع الميثاق، فطلعت علينا ببرنامج “استعجالي” أُريد له أن يعطي نفسا جديدا للإصلاح لكنه جمع مقومات الفشل من كل أطرافه اسما ورسما، فصار هدفه الأساس الرفع الكمي، في وقت قياسي، لبعض المؤشرات التي كشفت اختلالات تدبير الشأن التربوي بالمغرب.

ولعل ما أدخل هذا البرنامج في العبث هو تغييب ممثلي رجال التعليم الاجتماعيين والتربويين في وضع هذا البرنامج بل حتى الاطلاع على تفاصيله، مما جعل من يقومون بتنزيله يعملون في جزر لا رابط بينها. كل هذا أفقد الثقة لدى رجل التعليم والمؤطر التربوي والإدارة التربوية للمؤسسات التعليمية، وهذا أكده المفتش العام للوزارة حين أعلن مؤخرا أن كثيرا من النواب الإقليميين للوزارة لم ينخرطوا فعليا في تنزيل البرنامج “الاستعجالي”.

كما عرف تنزيل هذا البرنامج “الاستعجالي” هدرا ماليا مهولا في مشاريع لا يرجى منها نفع في ظل المشاكل البنيوية التي تتخبط فيها منظومتنا التعليمية. أما هدر الزمن المدرسي فكان العنوان الأكبر لهذه المرحلة الجديدة من خلال الخصاص في أطر التدريس، والتكوينات الارتجالية الفاقدة للجودة والاستجابة لحاجيات أطر التدريس التي تم إجراؤها خلال الموسم الفارط.

وها نحن اليوم نعيش على إيقاع دخول مدرسي جديد بعد اعتراف الخطاب الملكي بالفشل المتوالي لنظامنا التعليمي.

إن سياسة الاعترافات المتوالية بهذا الفشل ليست كافية لأن الأمر يحتاج إلى خطوات فعل حقيقية تقطع مع أنماط التدبير السابقة، وتكون منطلقاتها الأساسية: إيجاد مناخ سياسي واجتماعي تسوده الثقة والعدل الاجتماعي وثقافة الإشراك من خلال ميثاق وطني جامع يؤسس للمرحلة المقبلة ويقطع كليا مع أساليب الحكم الحالية القائمة على الاستبداد بكل شيء. ثم اعتبار التوجهات الكبرى للسياسة التعليمية مسألة تحتاج إلى إجماع وطني ينطلق من الهوية الحضارية للشعب المغربي ويستجيب لتطلعاته من خلال إشراك جميع مكونات البلد وقواه الحية، في استقلالية عن الإملاءات الدولية والقرارات الانفرادية.