يذهب الكثير من خبراء فن التواصل والحوار إلى أن الإنصات والصبر عليه هو أولى خطوات نجاح أي حوار.

فالإنصات المتبادل -فضلا عن الاستماع- بين طرفي الحوار، يرسي منطلقات النقاش، ويحدد مفاهيم موضوعات التناظر والتحادث، ويبني جسور التفاهم.

والشروع في عملية الحوار يقتضي الإذعان للآخر. وبسط المجال أمامه، حتى يبين المراد من كلامه، ويملأ الفراغات التي قد تشكل مساحات لسوء الفهم والتقدير.

والإِنْصاتُ كما جاء في لسان العرب هو السكوتُ والاسْتِماعُ للحديث ويقال: أنصَتَ إِذا سَكَتَ.

وفي حديث الجمعة: وأنْصَت ولم يَلْغُ. أنصتَ يُنصتُ إِنْصاتاً إِذا سَكَتَ سُكوتَ مُسْتَمع.

والجلوس للحوار والاستماع والإنصات أو السكوت من أجل الاستماع، هو سلوك يدل على حالة من السكون والهدوء والتؤدة والرفق.

لحظة إنصات

ما أقصده بالحديث عن ضرورة الإنصات هو أن نعطي أنفسنا في المغرب، فرصة وفسحة نخرس فيها كل ألسنة التشكيك، ونوقف هذا السيل الجار ف من الاتهامات التي لا أساس لها، ونوطن أنفسنا على أن مقتضيات هذا الإنصات تتطلب منا طول النفَس والصبر، حتى تتبين لنا حقيقة من نحن بصدد البحث عن فرص للتقارب والتحاور معهم. لأن الاستماع لبعضنا البعض في خضم كثرة الهَذَر واللغو يفسد علينا مسعانا للتقارب والتفاهم.

الإنصات هو سلوك ملازم ومقترن بعملية الاستماع. قد يسبق الإنصاتُ الاستماعَ، استعدادا وتمهيدا وتهييئا لأجواء الحوار والنقاش، لكنه لا يتأخر عنه ولا ينبغي له، لأنه لا جدوى منه بعد الفراغ من الحديث.

الإنصات هو المدخل لأي مسعى يرنو تذليل العقبات وتعبيد الطريق نحو تواصل وتحاور جادين ومثمرين. وهو بمثابة مشروع يرمي إلى تحقيق أهداف منظورة، والوصول إلى غايات مأمولة، تعكس مصداقية التواصل وتعزز جدوى الحوار.

ولا شيء أسمى من مصلحة البلد يستوجب إطلاق هكذا مشروع. كما أنه لا أحد بإمكانه ادعاء الحرص على المصلحة العليا للوطن وهو يقصي ويمعن في استبعاد غيره من مائدة الحوار قبل أن يجلس ويستمع وينصت إليه، ومهما كانت المبررات.. لأن إرادة ومنطق الإقصاء يجرحان كل ادعاء.

إن الجلوس للنظر في مصلحة البلد وفي حاضر هذا الشعب ومستقبله.. لهو أمر جليل وهدف نبيل. يستوجب ممن يعنيهم ذلك، التعبير عن أقصى درجات الاهتمام والتقدير، وإظهار كامل الأهبة والاستعداد. وهو شأن لا يقوم له إلا من كََفَرَ بِشِرْك أنانيته. وتخلص من شِراك حاجاته. وطرح عنه لَبوس حزبه وجماعته.. ثم انصهر بكليته في إمضاء هذا المشروع العظيم. وإعلاء صرح بلدنا الحبيب.

هناك اتفاق ضمني على أن المغرب في حاجة إلى التغيير. فكل المؤشرات تدل على تردي الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والحقوقية، بشكل يصعب معه الحديث عن إمكانية التعافي أو التصحيح دون تسجيل وقفة طويلة وعميقة مع هذا الواقع.

غير أن هذا الاتفاق غير المعلن بين الفرقاء السياسيين والاجتماعيين بالبلد، يلزمه كي يجد الطريق نحو صياغته بطريقة عقلانية ومسؤولة، تأخذ طابع الاتفاق الفعلي أو التوافق الصريح، الجلوس إلى بعضنا البعض، وإجهاد أنفسنا للتقارب والتوفيق بين مختلف وجهات النظر من أجل بلورة تصور مشترك ورصين حول أوضاعنا.

هذا الجلوس هو ما أنعته بالإنصات. فالجلوس يدل على معنى الهدوء بعد الجَلَبَة، وحالة السكون بعد الحركة.. كما هو مدلول الإنصات ومعناه. فالذي ينصت يستوعب ما يسمع ويفقه ويتفهم، ثم يعقب ويرد بما يفيد الاتفاق على ما سمع أو الاعتراض الكلي أو الجزئي.. مما يحتم على الطرف الآخر الإنصات أيضا بنفس الهمة والاهتمام ليعقل ما يسمع.

ونحن في المغرب لم نجلس بعد إلى بعضنا البعض. لم نستمع ولم ننصت إلى بعضنا البعض. بل نتلقف ما يقوله فلان وعلان من السياسيين والفاعلين بالبلد من خلال وسطاء ووسائط يحتل الإعلام ضمنها موقع الصدارة. ثم وعبر ذات الوسائط ، قد نرد على ما قد لا يوافق تصورنا وتقديرنا للأوضاع. ونضعف رأي الآخر. ونجادل ونحاجج.. ثم نحسب أننا نتواصل ونتحاور. لكن الواقع يشهد بأن ما نقوده هو تواصل عديم لا أثر له ولا مدى. و حوار عقيم لا رَجْعَ له ولا صدى. وأننا نُحْدث فوضى وهرجا لا يناسبان مقتضيات وآداب الجلوس والإنصات.

مِنةُ الرصيد النضالي

الأحزاب الوطنية أو التقدمية كما تسمي نفسها، تقصي غيرها من الفاعلين، وخاصة جماعة العدل والإحسان، من أي ترتيب لتصحيح وتغيير أحوال المغرب. وهذا الإقصاء ناتج عن أمرين لا تتوانى أحزابنا عن التحجج بهما.

أما الأمر الأول فيتمثل في اعتبار هذه الأحزاب أن سبقها إلى المعترك السياسي ورصيدها النضالي، يخول لها ولوحدها الاستئثار بموضوعة الإصلاح السياسي بالمغرب. وتنفي على كل وافد أو طارئ أية أحقية أو مصداقية للمطالبة بموقع ضمن الحراك السياسي القائم حاليا.

وهذا السبق والرصيد لا تحتج بهما أحزابنا لاحتلال موقع الريادة والصدارة في المطالبات السياسية والاجتماعية فحسب، بل تجعل من منطلقاتهما ومن أدبياتهما وتراكماتهما، مدخلا وبساطا وحيدا وأوحدا، على كل وافد جديد إذا أراد أن يجد له موقعا أن ينحني تحت سقفه ويطأ ويقف على سِجاده. وكل من ينادي بإعادة النظر في تلك المنطلقات ورفع ذلك السقف وتوسيع ذلك البساط إنما يطالب بالمستحيل ويغرد خارج السرب.

الأحزاب “الديمقراطية” كما يحلو لها أن تُنْعَت، ترى أنها قد حققت أهداف نضالها الطويل. وبلغت مرادها حينما أُشركت في تدبير الشأن العام، وزج بها النظام في دواليب الحكم والنفوذ والحظوة. ولكأني بها قد قنعت واقتنعت بأن مسارها النضالي قد كُلل بالنجاح لَما اسْتُوزر رجالها وغنموا.. فسكتوا.

وما يرفعونه اليوم من مطالبات لإصلاح الدستور والقضاء، وإعادة النظر في قانون الصحافة والإعلام وقانون الحريات العامة.. وغيرها من الاستجداءات، ما هي إلا بعض التعديلات التي ينبغي أو يُنصَح بإضافتها إلى صَرْح نظامنا السياسي ليكتمل المشهد ويتحقق مسعى “التحول الديمقراطي” المرجو.

لكن حينما قامت الجماعة، وبينت موقفها من النظام السياسي ومن واقعنا الاقتصادي والاجتماعي، وبعثت برسائلها الواحدة تلو الأخرى إلى من يهمهم الأمر. تدعوهم إلى العدل في الحكم، والنصَفَة في قسمة الأرزاق، والأخذ بيد المكلوم، ونصرة المظلوم، والضرب على يد الجناة الذين عاثوا في الأرض فسادا وروعوا العباد.. انبرت كل أحزابنا التقدمية للدفاع عن المسَلمات والمنطلقات والمقدسات والثوابت…، واعتبرت قيام الجماعة خروجا عن الشرعية وإنكارا للولاء وشقا لعصى الطاعة.

الجماعة بموقفها ذاك، رفعت من سقف المطالبات السياسية، ووسعت من بساط النقاش والحوار، ودعت إلى إعادة النظر في تلك المنطلقات التي أَلِفها “المناضلون التقدميون”، وهذا كله لا يستقيم مع ما استقرت عليه أحزابنا. وكأنها جفت الأقلام وطويت الصحف..!

محكمة النوايا

أما الأمر الثاني فيقوم على استنتاجات خاطئة وعلى محاكمة للنوايا.

فالأحزاب “الديمقراطية” تنظر إلى جماعة العدل والإحسان بنظرة الشك والظِّـنَّة. وتعتبر أن عملها وسعيها ونضالها في الساحة لا يعكس حقيقة ما تبطنه. وما تبطنه الجماعة في اعتقاد هذه الأحزاب، هو الانقلاب على الديمقراطية والاستئثار بالشأن العام وتحييد الآخر. وهو ما قد تصل إليه في رأيهم إن فُتِح لها المجال وأعلنوا موافقتهم على إشراكها في الحوار السياسي والاجتماعي بالمغرب.

هذا التخوف من أن الجماعة قد تصير بعبعا يَلْقَفُ ويبتلع مَنْ أمامَهُ، يُكذبه فِعلُها وسلوكها، ويدحضه عمل ونشاط أعضائها في مختلف المنظمات النقابية والاجتماعية التي تبوؤوا فيها مواقع متقدمة، وساهموا إلى جانب غيرهم من الحساسيات السياسية والنقابية والجمعوية في تدبير شأن مختلف القطاعات التي يمثلونها.

الميدان يؤكد بأن الجماعة لا تهدف إلى الاستفراد بالأمر وإنما إلى التشارك والى الفعل المتضامن في كل المطالبات والنضالات. بل هناك من المحطات والاستحقاقات التي تأكد خلالها لأفراد الجماعة ولأطرها قدرتهم على حصد نتائجها لصالحهم كليا، ورغم ذلك عبروا عن نضج كبير في اختياراتهم، وقبلوا طواعية بموقع المشارك وليس المهيمن أو المستأثر.

وهذا الاختيار هو لعمري عنوان ثقة وعنوان نضج وقوة، كما أنه دليل وبرهان على تقدير الجماعة لذلك السبق ولذلك الرصيد النضالي الذي لا ينكره أحد على أحزابنا. وإزاء هذا التقدير والاعتراف من الجماعة، يبقى أن تعترف أحزابنا وتقر بأن للجماعة وجودا حقيقيا وفعليا، وبأنها تشكل قوة لها قدرها، يمكن استثمار حيويتها وعنفوانها ونضجها في أي استحقاق قد نتصوره لشعبنا.

لقد وضحتْ الجماعة في أكثر من مناسبة بأن صدقها وإخلاصها وثباتها وتماسكها وقوتها.. كل ذلك لا يشكل مَغْنما تحتكره لنفسها، أو رصيدا تمن به على غيرها. بل تعتبره بمثابة مُدﱠخَرٍٍ تضعه رهن إشارة الشعب المغربي. وعِمادٍ لهذا البلد ومفتاحٍ يلج به باب التغيير والتحديث والنماء، ما تضافرت جهود جميع الفاعلين والغيورين على هذا الوطن.

لم أذْكر المخزن في سياق هذا الحوار وهذا الإنصات. ولم أتحدث عن إرادته في تعطيل كل مبادرة نحو انجماع كلمة المغاربة، خاصة إذا كانت الجماعة وراء تلك المبادرة. لأن الحديث عن المخزن في هذا الإطار، وبيان دوره في عرقلة مساعي الحوار الوطني الجاد، بات واضحا وجليا، ولا ينكره إلا متحيز أو متستر على ظلمه واستبداده.

إن حالة الفوضى السياسية التي يشهدها المغرب، تشكل مرتعا خصبا ينتعش فيه المخزن ليلعب على تناقضات واقعنا المرير، يمده القوة وطول التمكين. والخروج من هذه الفوضى أولى عتباته نَعْبرها حينما ندرك جميعا بأن الوقت قد حان كي نجلس إلى بعضنا البعض وندشن مرحلة الاستماع والإنصات.

أمامنا شعب يترقب. وجيل ينتظر ويترجى. ومستقبل أخذت بشائره تلوح وتَتَأَهب. وفينا حقا من يريد الالتفات إلى هذا الشعب. ويحاول أن يتهيأ لذلك المستقبل. لكن تعوز كل أولئك إرادة الحوار. تعوزهم إرادة الاستماع والإنصات.

فهلا من مستمع..؟ هلا من منصت..؟