تحل بنا الذكرى التاسعة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر التي استهدفت رمز القوة الاقتصادية والعسكرية لأمريكا، وخلخلت الكثير من القواعد المنظمة لعلاقاتها بالدول والشعوب الإسلامية، وأحدثت منعطفا حاسما بين مرحلتين في العلاقات الدولية، وخاصة بعد خطاب بوش الشهير الذي أعلن فيه شعاره الخالد “من ليس معنا فهو ضدنا” لأن المسكين كان متأثرا بثقافة “الكاوبوي” الذي لا يتصور العيش بدون عدو، ولذلك لم يكن أمامه من خيار إلا اعتبار الإسلام والمسلمين خطرا أخضر يهدد الأمن القومي الأمريكي.

تحل بنا هذه الذكرى في ظل رئيس جديد وعد أثناء حملته الانتخابية بتصحيح الكثير من الاختلالات والتجاوزات التي قامت بها الإدارة السابقة، وتدارك الأخطاء التي ورط فيها سلفه أمريكا وحلفاءها.

ولذلك نستغل المناسبة للتذكير ببعض الحقائق التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في أي تصحيح. ولا بد أن تكون البداية بالإفراج عن الحقائق المرتبطة بهذه الاعتداءات ومن دبرها ومولها ورعاها وخلفياتها وحقيقة الدور الذي تكلفت به عناصر من القاعدة.

والأمر الثاني يتمثل في وجوب التراجع عن كل التشريعات الاستثنائية التي أباحتها أمريكا واقتدت بها دول أخرى، ونقصد تلك القوانين التي قيدت الحريات الفردية وتوسعت في مراقبة حركة الأشخاص والأموال والتنصت كما جاء في قانون باتريوت وغيره من قوانين “مكافحة الإرهاب”.

والأمر الثالث يتمثل في تلك الحملات التحريضية ضد الإسلام وتزايد النزعات العنصرية وتنامي أفكار الحقد والكراهية ضد المسلمين.

ولا شك أن المتأمل لذكرى هذه السنة يلاحظ تزامنها مع بعض الأحداث التي يمكن أن يقودنا التأمل فيها إلى الحقيقة التي لا تريد الإدارة الأمريكية الاعتراف بها، وهي فشلها الكامل في تحقيق الأهداف التي سطرتها لهذه الحرب، حيث كانت النتائج معاكسة للانتظارات، وهذا ما يُستنتج من مؤشرات عديدة، منها ما أعلنه الرئيس الأفغاني، الذي نصبته أمريكا، هذا الأسبوع بشأن تشكيل “مجلس أعلى للسلام” لإجراء محادثات مع طالبان بهدف إنهاء الحرب، وانتقاده المتكرر لاستراتيحية التحالف، ودعوته إلى تقييمها ومراجعتها. وهو نفس ما يؤكده الجنرال ديفيد بترايوس، قائد القوات الأمريكية في أفغانستان، الذي صرح بأن حركة طالبان توسع نفوذها في أنحاء البلد رغم أن القوات الدولية تضيق عليها في معاقلها التقليدية في الجنوب، بل يصر على أنه لا يوجد أحد لا يوافق على أن نفوذ طالبان امتد وأن المتمردين أعادوا ربط مختلف مخابئهم الآمنة خارج البلاد وداخلها. ومما يؤكد عدم فعالية هذه الحرب تلك الحصيلة الثقيلة من الخسائر المادية والبشرية التي تزداد يوما بعد آخر، حيث كان هذا العام الأكثر دموية لأن القوات الأمريكية خسرت فيه منذ بداية العام وحتى الأول من سبتمبر الجاري 324 جنديا مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي التي قتل خلالها 317 جنديا أمريكيا، وقد هلك من الأمريكيين 1267 جنديا منذ بدء الحرب أواخر عام 2001 من بين 2053 جنديا فقدهم التحالف في أفغانستان حتى الآن.

لذلك نستطيع أن نقول إن تسع سنوات من الحرب لم تقض على طالبان، ولم تجلب السلم والحرية لأفغانستان، ولم تمنع القاعدة من تكرار عملياتها في مناطق كثيرة من العالم.. بل إن تنظيم القاعدة توسع ليشمل اليمن والعراق والمغرب العربي والصومال وغيرها. وبالمقابل، لم تربح أمريكا إلا خسائر مادية وبشرية وتشويه السمعة. هذه هي الحقيقة الصادمة التي على الإدارة الأمريكية الاعتراف بها. ومن جهة أخرى، لم تسهم هذه الحرب إلا في إذكاء العداوة ضد الإسلام والكراهية ضد المسلمين بسبب الحملات الإعلامية والحرب النفسية والتهييج والخلط الذي لا ينتج إلا عنفا مضادا يغرق عالمنا في حرب هو في غنى عنها. ويمكن التأمل في بعض الوقائع لنرى خطورة المنحى الذي وصلته الأمور، وهي وقائع تدعو الجميع إلى الإسراع باتخاذ ما يلزم من تدابير لتفادي كارثة حقيقية قد تعصف بما تبقى من معاني مشجعة على العيش المشترك في عالمنا.

تتمثل الواقعة الأولى في الحملة المضادة لبناء مركز إسلامي قرب مكان الهجمات، حيث شبه المرشح الرئاسي الجمهوري نيوت جينجريتش الأشخاص الذين يؤيدون بناء هذا المركز بالنازيين الذين ليس لهم الحق في نصب لوحة بالقرب من متحف الهولوكوست في واشنطن!.. بل إن الأمر تطور إلى حد اتهام أوباما بأنه مسلم متستر والاعتراض على بناء مساجد في غيرها من المناطق ودعوة القس بيل رنتش إلى عدم السماح لجيرانه المسلمين ببناء مسجد على موقع مجاور لكنيسته. فمن يشجع، إذن، على الصدام ومن يحرض ضد التسامح؟ للأسف، هذه هي نتائج الحرب على الإرهاب.

وحتى يتضح أنه جدال مجتمعي نحيل على استطلاع للرأي أجرته مؤسسة “راسموسن” ونشرت نتائجه الأسبوع الماضي، يشير على أن 85 في المئة من الناخبين يتابعون أخبار هذا الجدال، بل إن ستة من أصل عشرة ناخبين يتابعون الموضوع جيدا. ولاحظوا النسبة المرتفعة للمتابعة بالنسبة لأمريكيين جرت العادة على أن لا يولوا اهتماما لمثل هذه الحوادث.

أما الواقعة الثانية فتتمثل في دعاوى القس تيرى جونز وما أعلنته كنيسة “دوف وورلد أوتريتش سنتر” إحدى الكنائس في فلوريدا من دعوات إلى إحراق نسخ من القرآن يوم 11 سبتمبر أمام أبوابها في جينفيل، داعية مراكز دينية أخرى إلى القيام بالمثل لتذكر ضحايا الاعتداءات مع جعل هذه المناسبة يوما عالميا لإحراق القرآن. ويمكن سرد وقائع أخرى مماثلة في دول غربية كثيرة تؤكد كلها أن هذه الحرب على الإرهاب خلقت مناخا عاما معاديا للإسلام والمسلمين ومزكيا للاحتقان والصراع. أليست هذه حقيقة صادمة أخرى؟

وتتمثل الواقعة الثالثة في تزامن أول أيام عيد الفطر هذه السنة مع ذكرى هجمات 11 سبتمبر، وهو ما جعل المسلمين في العديد من الدول الغربية يخشون أن يساء تفسير احتفالاتهم بالعيد وكأنها إشادة بالهجمات. وهذا شعور خطير يعوق اندماج المسلمين في هذه المجتمعات ويجعلهم على الهامش مع ما يترتب عن ذلك من سلوكات غير مواطنة لأنهم لا يشعرون بالانتماء إلى هذه المجتمعات ولا يشعرون براحتهم فيها.

هذه بضع وقائع اخترتها بعناية للتأكيد على أن الحرب على الإرهاب أخطأت الهدف والوسيلة ووسعت رقعة المستهدفين فكانت الكلفة باهظة والنتيجة كارثية على كل المستويات.

يصعب الجزم بأن هذه كانت أجندة مسبقة للإدارة الأمريكية وأنها كانت تسعى للوصول إلى نشر أجواء الصراع هاته في العالم، ولكن هذه هي حصائد أعمالها. وهي حتما تجعل المهمة صعبة على إدارة أوباما الجديدة، ولكنها ليست مستحيلة.

فهل تشكل مبادرات أوباما في ذكرى هذه السنة خطوة أولى في الاتجاه الصحيح؟

سوف نرى.