الدار عامرة والقلب في جذَل* *** ما أعظم الأجر ممن قال: “صَوْمُكَ لي”*
والصوم في رمضان الخير مَقْرُبَةٌ *** لا من عديل لها في الأجر والعملِ
أمّا من اعتكفوا عشرا فميزتهم *** أن رَابَطُوا لالتماس القدر والنَّفَلِ*
ذكر بلا غفلة والله يذكرهم *** في حضرة الملأ الأعلى فوا خجلي
وَعْظٌ يُذَكِّرُهم بالله خالِقِهم *** وبالرّسول وخير الكُتْب والمِلَلِ
يتلون آيـات قرآن بـه شُغِلُوا *** عن كلّ شغل بلا جَهْدٍ ولا مَللِ
اَلحفظ دَيْدَنُهم في سبح يومهمُ *** وفي الدُّجى هم هجود دونما كللِ
أنفاسهم بالحبيب المصطفى شَغُفَتْ *** وذكر خير الورى يشفي من الغُلَلِ
وهْوَ العزاء لقلب الصّبّ مؤنسه *** وهْوَ الكفيل بكشف الضّرّ والعللِ
فلا إله سوى الله الرّحيم نَدًى *** فوق الجراح وحصني من أذى الخَبَلِ*
أنعم بها كِلْمَةً إن قُلتَها كنست *** منك الذّنوب وزكّت مكمن الخللِ
مستغفرون وذنب المرء موقظه *** والدّمع ينهال مدرارا من المُقَلِ
مسبّحون وشمس الله موعظة *** أنّ الحياة وإن طالت إلى أجلِ
يدعون ربّهمُ خوفا ومِنْ طَمَعٍ *** يرجون جنّته في صحبة الأزلِ
لا يبتغون عن الفردوس منزلة *** لا يرتضون عن الرّحمان من بَدَلِ
أحيوا لياليَهُم، شدّوا مآزرهم *** وأيقظوا أهلهم فالله خَيْرُ وَلي
وليلة القدر ليلاهم بها كَلِِفُوا *** إن كان لليل قيسٌ غيرُ مُنْتَحَلِ
وِتْرٌ هي الليلة الفضلى وعاشقها *** يُسائلُ القوم عنها دونما خجلِ
إذا مررتم بليلى القدر في سحر *** فأخبروني بها طُرّاً على عجلِ
وإن رآها مناما منكمُ أحد *** فليستتر، عن بنات الليل لا تسَلِ
سمراء من حسنها كل الورى سَهِروا *** عذراء في عقدها الثاني بلا جدلِ
والهائمون بها من صدقهم عكفوا *** بالباب لم يأبهوا لِلّوم والعَذَلِ*
صُفرُ الوجوه قيام سُؤْلُهم يَدُها *** أن يخطبوها بمهر الصّدق والعملِ
من ربها عذرهم أن لا محيد لهم *** عنها ولولا عكوف الصّبّ لم ينلِ
باب الشياطين طوال الشهر موصَدة *** يا بَاغِيَ الشر أقصر عن حمى الضللِ
باب الجنان بلا قُفْل مُفَتَّحَةٌ *** يا بَاغِيَ الخير أقبل جِدَّ في العملِ
مصَفَّد كل شيطان وحابسُه *** مولاك ذي الحَوْل والأفضال والظُّلَلِ
في رَحمة الله عشْرٌ قد مضت وتلت *** ها عَشْرُ مغفرة يُمحى بها زللِي
لم يبق إلا ليالي العتق كُنْ جَلَدا *** رحماك لا تُبقني في غفلتي كسلي
أطلق سراح فؤادي من هوى جسدي *** عقلي ونفسي له من جملة الخَوَلِ*
أعتق رقابهُمُ من شقوتي سَفَهِي *** أمِّن عُبيدَك من حُزن ومن وجَلِ
جئت الحمى طالبا من إخوتي سندا *** طالت عجافي ويومُ الغوث لم يصلِ
أنا السّجين وسجن المرء شهوته *** قميص كِذْبي وزوري قُدّ من قُبُلِ
أعتق إلهي بهَذي العشر ناصيتي *** “ما أضيق السجن لولا فُسحة الأملِ”
من سجنه أعتق الصِّديق أمّته *** إني أرى سجن صحبي مَضربَ المثلِ
إن كان سجنهم ظلما ومهزلة *** كما تداعوا على الصّدّيق بالحيلِ
فإنّ إخراجهم من سجنهم أَمَلٌ *** كما غدا يوسفُ الأوّابُ للأولِ
وبدر صحب النبي المصطفى عظة *** وفتح مكة وافى الصّحب بالبللِ*
بشرى لمن هاجروا لله وانتصروا *** من بعدما ظُلِموا من طُغْمَةٍ هَمَلِ
صواقِلٌ من سيوف الهند لامعة *** رواحِلٌ من خيار النوق والإبلِ
هم إخوتي سادتي سَبْعٌ وثامنُهم *** أنا وكهفُ اعتكافي بَسْطُ مُعتَقَلِ
دُنيايَ سِِجنٌ وحُرٌّ كلُّ داعية *** أفنى الشّبابَ هُدًى أبْئِسْ بمُكْتَهِلِ
أمضى الحياة هوًى والموتُ يرصدُه *** أشقى من اللات أقسى القلب من هُبَلِ
عَوْدٌ على بدء هذا الخير معتكفا *** رفقا بنفسك بعضُ الهَجْوِ كالغزَلِ
للصّائمين لدى الإفطار فرحتهم *** والعيد بشرى لهم والشّكر للقَبَلِ*
والفطر خير زكاة والقراط لهم *** بعد الصّلاة بأغلى الطيب والحُللِ
فإن همُ وصلوا الأرحام تَمَّ لهم *** ما أُبْلِغوا نيله من خاتم الرُّسلِ
بمرشد العدل والإحسان يقْظَتُهمْ *** من لم يكن شاكرا لله لم يصلِ
وشكـره بنبي الله متّصـل *** وبالدليل على الخيرات لم يزلِ
من لم يكافئه بالأموال كافأه *** بشكر داع بجُنْح الليل مُبتهلِ
وأفضلُ الشّكر مشْروع تؤصّله *** للناس توصلُه صدقا بلا دَغَلِ
مشروع منهاج طه المرتضى لغد *** يُطيح بالجبر حُكْم الجور والفَشلِ
يعيد غزل العُرى تلك التي نقضوا *** إثر الخلافة من بَعْدِ الشهيد علي
يا سعد من وجد المبعوثَ يصحبُه *** في صحبة القوم منهاج النّبي جلي
والمرء يُحشر مَعْ محبوبه سندٌ *** الحبّ يجعل نِكسَ القوم كالبطلِ
الحبّ عُروتنا الوُثْقى وسُلوتنا *** وليس حبُّ عباد الله كالغزلِ
الحبّ في الله دين لا هوى بشر *** لا يستوي حبّ أهل الله والسَّفَلِ
من خالل القومَ لم يخطئ سَبيلَهُمُ *** ومن يخالل رعاع الناس للسُّبُلِ
ما كان لله كان الله حافظه *** ومن يكن لسوى الرحمان لم يطُلِ
رأى الأحبّة في سفر المنام رؤى *** فيها البشائر يا أمّارتي اهتبلي
وعلموني علوما لست أفقهها *** من رجس جهلك يا خرقاء فاغتسلي
إن قيل هذا أوان القول فاعتذري *** فقول: “لا علم لي” حرز لمُمْتَثِل
والقول كالمال بالتبذير نُتْلِفُهُ *** من كان مقتصدا في القول لم يعُلِ
صومي كما صامت العذراء صامتة *** جزاء صمتك مثل الصوم صمتك لي
جزاؤها أن كفاها الله ما مكروا *** وناب عنها نبي الله فاحتملي
آخية المؤمن الوثقى جماعته *** عودي إليها بلا ريث على عجلِ
فصحبةُ المرء منجاة ومرحمة *** وكيد إبليس مرصود لمُعتزلِ
هم أمتعوني بذكر الله في سَحَر *** يا أُذْنُ هذا كلام الله فاحتفلِي
وبصّروني بآي الله ناصعة *** في النّفس والأفْق يا عيني بها اكتحلي
وعرّفوني بهم أكرم بمعرفة *** تعطيك مكتملا من صلب مُخْتزَلِ
وساعدوني على حبس الهوى زمناً *** في روْض مُعتكَف عن كلّ مُبتَذَلِ
وأيقظوني لدى الأسحار من وسني *** من يعتكف لا يمنّي النّفس بالعُطَلِ
وأطعموني وليس الصّوم من قُرَبي *** أنا العليل حُرِِمتُ الصّوم مِنْ قِبَلي
عذرا وشكرا وصبرا إنني خجل *** كل بكاني وعزّى القوم في فشلي
صلّوا على المصطفى الهادي وعِترته *** ما حنّ صبّ لخير الناس والنُّزُلِ
طه ومن جاورا الهادي بروضته *** يا حارس الروض لا تُجهز على أملي
دعني قُبالة شبّاك الحبيب مدًى *** أبكي على غفلاتي أشتكي عِللي
مستغفرا تائبا والدّمع منذرف *** علّ الحبيب بذاك الدّمع يشفع لي
حُلمٌ، وحُلم الفتى إن لم يكن أملا *** كنتُ الغريقَ “فما خوفي من البَللِ”
ذ. منيـر الركراكـي

ختم الاعتكاف بالدار العامرة -سلا

الأربعاء 28 رمضان 1431 هـ الموافق لـ 8 شتنبر 2010 م

هوامش:

* الجذل: الفرح.

* “صومك لي”: مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم رواية عن ربه: “والصوم لي وأنا أجزي به”.

* النَفَل: الغنيمة .

* الخَبَل: الجن .

* العذل: اللوم.

* الخَوَل: الخدم.

* البلل: النصر والظفر.

* القَبَل: هلال الشهر أول ما يُرى ويشاهد.