من العبارات الشائعة عند كثير من المغاربة، خاصة شبابهم، كلما هل هلال رمضان الخير مقولة عبَّادِين الحْرِيرَة)، في إشارة إلى أولئك الشباب الذين يَخِفُّون إلى المسجد ويُهرعون إلى حضور صلاة التراويح ويتحلَّون بحميد الخِلال ويتميزون بمظاهر “الالتزام” (لحية، حجاب، صَلاَّيَة، فُوقِيَّة….)، وقد كانوا قبيل الشهر الفضيل يتسكعون في رؤوس الأزقة غير عابئين حتى بنداء المؤذن للصلاة.

تحمل العبارة معانيَ قَدحيَّةً وشُحنات سالبةً، وفيها من الاتهام والسخرية الشيء الكثير، بل إنها تستبطن روح التيئيس والإحباط. فلسان حال “عبادين الحريرة” وقائليها ومعتنقيها يقول: حافظوا على غفلتكم معشر الشباب، ولا تؤوبوا إلى الله أوبة “مرحلية”، ولا تصطلحوا مع الله لشهر ثم تعودوا إلى الخصومة باقي شهور العام!!

وليس كل من يُردِّد هذه المقولة في صعيد واحد، ففي الوقت الذي يُهَمْهِمُ بها البعض من باب “النكتة” والبسط وفي كثير من الأحيان عن “حسن نية” فإن آخرين يُكرِّرونها على مسامع التائبين قصد التيئيس والإحباط وبدافع السخرية والغمز والاستهزاء. فإذا كان الصنف الأول يُؤَسّس موقفه هذا على فهم خاطئ للدين يرسم خطًّا فاصِلاً حَادًّا فإما أن تكون هنا أو هناك، ويُغيِّب، تماما، معانيَ التدرج والتحايل اللطيف على النفوس والتحفيز الواجب للمقبلين بعد إدبار، فإن الصنف الثاني -على قلته- يبني اقتناعاته تلك على قطيعة مع الدين وخصام معه متمنيا دوام الغفلة واستمرار المعصية وخلود القطيعة، ولعلنا قرأنا جميعا لمن يعتبر الصيام “سلوك قطيع” يحتاج إلى إعادة قراءة ونظر ربما يرشد المجتمع -في زعمه- بثورة شعبية على هذا “الموروث الثقيل”!

فعلا تختلف نظرة الناس للأشياء، وتتباين تقييماتهم للواردات على العقل والقلب، وتتمايز نظرتهم في كليات الحياة وجزئياتها، كل حسب تربيته وتكوينه وثقافته وما تلقاه في مختبرات صناعة الشخصية. ولأننا تربينا على معاني الإسلام السامية وعقيدته الخالصة وثقافته الإيجابية، فإن ديننا منحنا قِيَمًا وصُوًى ومَعَالمَ بها نعيش ونحيى، ومن خلالها نُقدِّر الأشياء ونُعطيها قيمة وحُكما، وإليها نَرجع ونَحتكم. فالتَّيْسير ديننا والحب شعارنا، نسري في الناس بالرحمة ونتحدث فيهم بلين ونعاشرهم بمعروف، إذ من المعاني الجميلة والرئيسية التي يَتربَّى عليها المسلم المؤمن حُبُّه الخيرَ للناس، وحرصُه على أن يصيبهم المعروف، فتراه يبعث فيهم الأمل وإن ضعفت أسبابه ويحارب فيهم اليأس وإن قويت موجباته، يُحبِّب الخلق إلى الخالق والخالق إلى الخلق، يمسك بيد القانطين ويخطو بهم لعله يكون وإياهم من القانتين، شعاره في ذلك قول قدوته المصطفى الأمين صلوات ربي وسلامه عليه “إنما بُعثتم مُيَسِّرِين ولم تُبعَثوا مُعَسِّرِين”.

لذلك فهذا الشاب وتلك الشابة اللذان أقبلا على الله في هذا الشهر الكريم وأصبحا من عُمَّار بيت الله وتَزَيَّنا بقويم السلوك وحُسن الخُلُق، يَلزم من دوائر الدعوة بمختلف مستوياتها أن تنظر إليهما نظرة وُدٍّ وعطف وتمسك بهما حتى يَشِبَّا عن الطوق، فهما هدية رمضان الذي يزداد فيه رزق المؤمن، والرزق ليس مالا فحسب بل إيمانا في القلوب وخُلقا في السلوك يتجلى في هذه الهَبَّة التي نراها عند إطلالة شهر أمة رسول الله في كل سنة.

ليس المسلم قاضيا يَحكم على الناس ولا مُحبِطا يَحجبهم عن رحاب الله ولا مُثَبِّطا يُذَكِّر بماضي الغفلات والسيئات، بل داعية رحمة يُيَسِّر لخلق الله طريق التوبة والعودة إلى الجادة مهما بَعُدُوا وانحرفوا، فَرِحا مستبشرا أن تتسع أفواج المقبلين على الله، سعيدا بِبِدَار ذاك الذي ما تَخطَّت يُمْنَاه باب المسجد، مفتاحا لهم إلى الخير يدفعهم إلى صلاح القول والفعل، إيجابيا يبعث الإيجابية في من حوله، داعية أمل وصوت رجاء ونداء خير، يتردَّد صداه في أعماق الحيارى أن الله يُحبِّكم ويريد صِلَتَكم لتسعدوا في الدنيا والآخرة، مُتَخلِّقا بأخلاق الله الذي يفرح بتوبة العبد العاصي البعيد “أوحى الله إلى داود عليه السلام فقال: يا داود لو يعلم المدبرون عني انتظاري لهم ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم لماتوا شوقا إلي ولتقطعت أوصالهم لمحبتي، يا داود هذه إرادتي بالمدبرين عني فكيف بالمقبلين علي”.

فما أحوج هؤلاء المقبلين على الله في رمضان إلى كلمة تشجيع ويد تحفيز و”نظرة إعجاب” لأنهم خطوا الخطوات الأولى في الطريق القويم والاتجاه الصحيح، أما من يُواصل ترديد عبارات مُتجَاوَزَة سالبَة لا قيمة لها في ميزان الإيمان فإنما قَدْ لَغَا ومن لَغَا فلا يُعتَدُّ بقوله.)