أذكر أني كنت صبيا في سِنِيِّ الدراسة الأولى حين أعطاني أحد أقاربي مجموعة من الكتب، كان من بينها كتاب “أيام من حياتي” للداعية المجاهدة زينب الغزالي رحمها الله تعالى. كان الكتاب من المقروءات التي أثرت فِيَّ بشكل كبير جدا لدرجة أني قرأته مرارا حتى ترسخت في مخيلتي الصغيرة مشاهد منه بقوة، ولم يكن قلبي الصغير يتحمل ما في الكتاب من فظائع وفجائع فتسيل دموعي على خدي غزارا، وكم كنت أسأل نفسي بفطرة طفولية هل يمكن أن يصل التجبر والطغيان والظلم بالبشر إلى هذا الحد؟ وهل يمكن أن تجمح الوحشية بالإنسان إلى هذا المدى؟

كانت تلكم بداية تعرفي على جماعة الإخوان المسلمين في مصر وعلى الحركة الإسلامية عموما في العالم الإسلامي، وتوالت قراءتي في مذكرات الإخوان وغيرهم من الساسة على عهد فاروق وعبد الناصر والسادات، واقتربت من محنة الإخوان وغيرهم، وعرفت سجون مصر ليمان طرة والقناطر والقلعة والسجن الحربي وأبو زعبل، وتعرفت على جلادي مصر: حمزة البسيوني وشمس بدران وصفوت الروبي، كما تعرفت على قيادات الدعوة في مصر وشهدائها: الإمام حسن البنا وسيد وحميدة قطب والهضيبي والتلمساني. وقد أسهمت أشرطة الشيخ كشك رحمه الله -التي كانت تدخل المغرب سرا- ببلاغته وحرقته وجرأته في تقريب الصورة عن حقبة كانت تعرف فيها مصر مخاض ما أطلق عليه “صحوة إسلامية ” فيما بعد.

بعد ذلك تقدم العمر وتوسعت المدارك، وانفتحت الآفاق فقرأت عن سجون تونس وسوريا والعراق وليبيا والمغرب فعلمت أن ليس في قنافذ العرب أملس، وأننا “كلنا في الاستبداد شرق” كما يقال. وأن السجون مشرعة الأبواب والمشانق معلقة لكل من يقول ربي الله أو يخالف أنظمة الاستبداد الجاثمة على البلاد والعباد. وبقدر ما كان الظلم طاغيا ومنتشرا كانت الأخبار والمعلومات عن ذلك نادرة، تُتَداول سرا في ظل واقع حديدي يقبر المعلومة كما يقبر الناس، اللهم ما كان يرشح عن بعض وكالات الأنباء والإذاعات الدولية.

في أواخر التسعينات دخل المغرب حقبة أخرى -أو هكذا قيل على الأقل- وتكشفت الحقائق، وكانت المعطيات والمعلومات صادمة كما وكيفا: اختطافات واعتقالات وتعذيب بالجملة ومقابر جماعية ومَنَافٍ ومجهولي المصير وأجهزة سرية ومراكز ونقاط للتفتيش وللتعذيب معروفة وأخرى مجهولة، شهادات ومذكرات دامية فظيعة ممزوجة برائحة البارود والرصاص من مغرب الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات أبكت الملايين 1 ، وما سيأتي من شهادات في المستقبل لاشك سيكون أفظع.

ومع ذلك لست أدري لماذا كلما قرأت عن التعذيب والمعتقلات -وإن كانت لا تقل بشاعة عن سجون الناصرية ووحشيتها- طَفَتْ صور معتقلات مصر وجلاديها إلى السطح كأنها صارت المرجع لكل مقارنة. وكان من أهم ما انطبع في ذاكرتي عن جلادي مصر أمران: أولهما العِداء الشخصي للمعتقلين والسجناء المبني على عداء إيديولوجي، وثانيهما الجرأة على دين الله تعالى والعداء للإسلام لا للإسلاميين فحسب. وهذان أمران كنت أحمد الله دائما على عدم وجودهما في معظم معتقلات المغرب، حيث إنه حتى في أحلك الفترات والأوضاع، كما هو الشأن في تزممارت، تتحدث شهادات المعتقلين عن تعاطف ورحمة من بعض السجانين رغم صرامة التعليمات. غير أنه يبدو أن هذه الميزة قد داسها جلادو المخزن الجدد بأقدامهم مع باقي القيم الجميلة في هذا البلد. فلكم كانت صدمتي كبيرة حينما قرأت ما ورد في شهادات الإخوة المختطفين بفاس حين يشهد الأخ عز الدين السليماني “قاموا برفسي بأرجلهم، ثم أوقفوني وصبوا الماء في الأرض وقالوا لي اضرب برجلك الأرض، وعندما أرفض بداعي الإنهاك أصفع وقاموا بغصبي على هذا الأمر مرات متتالية وعندما تفوهت بكلمة حسبنا الله ونعم الوكيل قالوا لي لن ينفعك الله هنا”! نعوذ بالله “كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا”.

أي نبت شيطاني بذروا بذوره في أبناء هذا الشعب المؤمن المسالم المتسامح بالفطرة الذي تعتبر مثل هذه المسالك بعيدة عنه وعن أخلاقه وعن تربيته، ولكن أحد الضباط يجلي السبب لأخينا المعتقل الدكتور السليماني -وإذا عرف السبب بطل العجب- “إن كنت تعتقد أن أيام التعذيب في زنازن جمال عبد الناصر قد انتهت فإنك واهم”!

نعم نحن أمام تجربة مستوردة وممنهجة جعلت سجون فرعون الناصرية نموذجا وقبلة. نحن أمام زبانية من طينة حمزة البسيوني الذي كان يقول: “لو نزل ربكم لجعلته في الزنزانة رقم 14” ردا على كل من يصرخ من شدة التعذيب: “يا رب يا رب” -نستغفر الله من حكاية كلمة الكفر- ولعل الضابط المسكين لم يطلعوه على بقية الرواية وخاتمة الحكاية، ولم يخبروه عن مصير صفوت الروبي وحمزة البسيوني وغيرهم من الزبانية. ألم يحاكم صفوت بجرائم التعذيب عشرات السنوات في عهد السادات ويزج به في ليمان طرة سنة 1981 ويترك عرضة لانتقام المعتقلين يضربونه ويفعلون به الأفاعيل وهو من هو؟ أما حمزة البسيوني، بعبع السجن الحربي وفرعون عصره، فيحكي الشاعر محمد فؤاد نجم عنه: “وكان معانا من فرقة المشير عبد الحكيم عامر اللواء حمزة البسيونى مدير السجن الحربى على أيام صلاح نصر الرهيب وما تعرفش بقى دا ترتيب ربنا ولا ترتيب أمن الدولة؛ إنهم يعتقلوه مع مجموعة من ضحاياه أيام السلطة والجاه والجبروت، فبقى يتعامل في المعتقل ومن زمايله المعتقلين معاملة الكلب الأجرب”.، وأنقل عن موسوعة ويكبيديا خاتمته للعبرة والاعتبار: “مات حمزة البسيونى ميته شنيعة إذ اصطدمت بسيارته شاحنة لنقل أسياخ الحديد المخصص للبناء، فمزقت ضلوعه ودخل سيخ قي رقبته وأخذ يخور كما يخور الثور المذبوح ولم يستطيعوا أن يخرجوا قضبان الحديد من رقبته إلا بعد قطعها وعندما ذهبوا به لصلاة الجنازة عليه وقف النعش خارج المسجد ولم يدخل”. عقاب إلهي معجل في الدنيا وفي الآخرة خزي وعذاب أليم، إن في ذلك لعبرة لمن يخشى.

رحل الطغاة فاروق مصر وعبد الناصر والسادات إلى مزبلة التاريخ مسربلين بخزي الدنيا والآخرة، ورحل الشهيد حسن البنا وسيد قطب وزينب الغزالي وقد دخلوا التاريخ من أعظم أبوابه، فقد أحيوا أمة من موات وجددوا في الروح والوجدان سيرة الأنبياء وقدموا بدمائهم وأرواحهم المثال على نصرة دين الله ودعوة الإسلام، تطوف بهم دعوات أجيال الصحوة الإسلامية بالرحمة والغفران. إلى قيام الساعة.

وما الله بغافل عما يعمل الظالمون.


[1] شهادة أحمد المرزوقي مثلا في برنامج شاهد على العصر.\