بسم الله قاصم الجبارين وناصر المستضعفين

هذا كتابي إليك يا وطني، أسرد فيه قصتي، لتضاف إلى اللواتي خلت من قصص العذاب التي ذاقها الأحرار فوق أرضك وتحت سمائك، ولكن في أماكن مطمورة لا يعلم عنوانها إلا الجلادون والمشرفون عليها وإبليس الذي أوحى إليهم فقالوا سمعنا وأطعنا.

وطني الحبيب، لا أزعم أن قلمي سيطاوعني فيخط لك كل ما عشتُه من أحزان وأشجان منذ فجر يوم الاختطاف، إلى أن ألقي بي في غياهب السجن معزولا عن سمع الحياة وعينها. لكني سأروي لك قصتي باختصار، وأملي ألا تظنَّ أنها من نسج الخيال، أو أن صاحبها أصابه طائف من جن فصار يهذي فهو مجنون.

أقر لك منذ البداية يا وطني أني أهوى الحياة كريمة بلا قيود، وأني عاشق للحرية بلا حدود، وأني عدو للاستبداد ولكل فكر يدجن العباد ويصيرهم عبيدا بلا معنى في الوجود.

يا وطني، ألق إلي السمع، وانظر معي إلى أبوابك التي تُقتحم عنوة من جديد وأنت شهيد؛ فحديث الساعة سبعةٌ مختطفون، وما صاحب الاختطاف من أهوال وكروب. ظن الناس أن هذا الإجرام في حق بني الإنسان ولى وانقضى مع الذين أُهلكوا، فما عاد وجود لا لدار بريشة، ولا لحدائق الملك، ولا تزمامرت ولا غيرها من المعتقلات السرية والتي أصبح المغرب من المتخصصين فيها، إلى درجة أن خبراته في تعذيب بني البشر أصبحت مطلوبة لدى دول الاستكبار. وفي هذا الصدد أوردت صحيفة واشنطن بوست خبر عثور على أشرطة فيديو في مقر سي أي ايه تعرض تحقيقات أجريت مع رمزي بن شيبة في المغرب؟؟؟

فأنت يا وطني أعلم مني بكل هذا وزيادة، فأنت خزان لكل الأحداث والذكريات، وأنت قبل كل هذا وذاك عشت المحنة، وذقت المرارة بكل أصنافها لما حولوك إلى سجن كبير لكل الأحرار، ولما قدسوك وألهوك زورا، وصرت ثالث ثلاثة، وباسم المحافظة على أمن الوطن ارْتُكِبَتْ كل الجرائم وداسوا كل القيم.

ذقت المرارة لما نهبوا كل خيراتك، وهربوا أموالك خارج الحدود، وأنت الأمين على مستقبل أبنائك في الحاضر والمستقبل البعيد.

ذقت المرارة لما كمموا أفواه كل المواطنين، فصرت وطنا لشعب بلا لسان، فأحسست بالهوان وبالموت يدب في جسدك وإن كان يقطنك الملايين.

نعم يا وطني، فهذه قصة أخرى أستأمنك عليها لتقصها على كل الأجيال، حتى لا يكونوا ضحية شعارات مخزنية كاذبة، فيلهثوا وراءها، ولا يجدوا في النهاية إلا السراب. فالمخزن منذ أن كان ولا يزال، لا عهد له ولا أمان، ذرية بعضها من بعض.

أستميحك عذرا يا وطني أن أفضي إليك فجائعي وأحزاني وأنت المثقل بالأحزان، وجروح الماضي لم تندمل بعد، وأنى لها، وملفات الاعتداء واغتصاب الحقوق لا تزال فوق الرفوف تنتظر العدل والإنصاف.

ماذا جنيتُ يا وطني حتى يقتحم بيتي وأطفالي نيام، وأُهَانَ أمام زوجي وأمي، وأسمع من “النخبة” الكلام البذيء والفاحش الذي لا تقوى على نطقه حتى الساقطات.

وبعد ساعات طوال من البحث والتفتيش لم يجدوا في بيتي سوى قرآن ومنهاج وآيات وسور فاضلة، فظنوا أنهم عثروا على منشورات كفيلة بإدانتي لأقضي بقية عمري وراء القضبان.

أخذوني ولا أدري إلى أين، إلى أن وصلوا إلى وجهتهم، فكانت جحيما من العذاب لا تطاق، لولا ألطاف اللطيف الحنان. سقوني كؤوسا من العذاب والإذلال وقالوا: اعترف يا… .قلت بماذا؟ فزادوني من جرعات العذاب، وسلموني إلى مخلوقات أخرى محسوبة على فصيلة البشر، لكنها منعدمة الإحساس والشعور، خالية من ذرات الخير والقيم الإنسانية التي من خلالها يتحقق انتماء الشخص إلى بني الإنسان.

جردوني من كل ثيابي، ورموني على الأرض مكبلا وقد شلت كل حركاتي، سياطهم تنهال علي من كل صوب، وعصيهم في الـ(اعذروني) لا أقوى على البوح فاعذروني…….

عادوا للتعذيب بكل عنف، فوا حسرتاه على “النخبة” التي فشلت في كل شيء، وتفننت في التعذيب حتى فاقت نيرون وصَغُرَ أمامهم فرعون وهامان.أسمعت ما يلقى البريء ويصطلي *** حتى يقول أنا المسيء خذوني
أسمعت بالآهات تخترق الدجى *** رباه عدلك إنهم قتلوني
أين الضمير؟ وأين العدالة؟ وأين الحقوق؟…….؟

هذه قصتي يا وطني تروي بعض ما ذقته من العذاب، وإن أردت المزيد فاسأل عنا السياط السود التي غدت حمراء بدمائنا بعد تمزيقها للأجساد.

واسأل الشيفون المبلل بكل الأدران لخنق أصوات الأحرار، فيا حسرتاه على عهد جديد ممرغ في أوحال الظلم والطغيان.

واسأل الطيارة وحالة الإنسان وهو طائر في الفضاء والعصي تنهال عليه بكل قسوة وعداء.

واسأل السجن بدون ماء ولا مرحاض والذي تعافه البهائم، ولا تطيق فيه البقاء، فما بالك بالإنسان الذي كرمه الله وأذله المخزن وبإمعان.

وأختم قصتي بذكر نكبة من أعظم النكبات في التاريخ أصابت قوما بغوا وظلموا، إنها نكبة البرامكة وزراءِ بني العباس الذين عاشوا في نعيم، وبلغ بهم الترف أن طلوا قصورهم وزوقوها بالذهب. ومرت الأيام، وفي ساعة واحدة قرر هارون الرشيد أن يستولي عليهم، فسفك دماءهم، واستولى على أموالهم، وترك أباهم يحيى بن خالد الشيخ الكبير في السجن سبع سنوات، حتى يقول والله ما رأيت الشمس سبع سنوات، فدخل عليه أحد أبناء أبنائه فقال: “يا جداه ما هذه المصيبة التي حلت بنا؟”

قال: دعوة من مظلوم سرت في ظلام الليل، غفلنا عنها وما غفل الله عنها.)